الأربعاء, 14 أكتوبر 2026|2 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

مايجا بالمر

مايك لينتش، المؤسس وكبير التنفيذيين لشركة أوتونومي، من الشخصيات التي لا تحب إجراء المقابلات. ورغم أنه يتحدث بإسهاب عن شركته المتخصصة في برامج البحث على الحاسوب لفهرسة البيانات، إلا أنه يشعر بالتوتر من الأسئلة الشخصية. ويقول: «لا أريد أن أُسأل عن النوع الذي أفضله من الشوكولاته».

في عام 1996 حين أُنشئت شركة برامج البحث، عقد صفقة على مضض مع الشريك المؤسس ريتشارد جونت ليكون الوجه العام لشركة أوتونومي. «حين تبدأ شركة صغيرة، فإن هناك خطراً بأن من الممكن أن تُدفَن تحت الضجيج. إحدى الخدع هي أن تربط اسم الشخص بالقصة. في ذلك الوقت كان لدى ريتشارد أطفال ولم يكن لدي أطفال، وكانت هذه بطاقته الرابحة، لذلك كان لزاماً علي أن أكون في الواجهة».

بعد 13 عاماً مليئة بالتقلبات والسراء والضراء، يبدو أنه لا مجال أمام لينتش ليعود إنساناً مغموراً. خلال سنوات انهيار شركات الإنترنت شهدت شركة أوتونومي صعوداً صاروخياً، ما أدى إلى إدراجها ضمن الشركات الداخلة في مؤشر فاينانشال تايمز 100، قبل أن تنهار مع انفجار الفقاعة. ثم أعادت بناء سمعتها خطوة خطوة، من خلال النمو الثابت في المبيعات، وبعض عمليات الاستحواذ الجريئة، بما في ذلك الاستحواذ في عام 2005 على الشركة المنافسة الأمريكية «فيريتي» Verity، التي كانت تفوقها حجماً بكثير.

في السنة الماضية عادت «أوتونومي» إلى مؤشر فاينانشال تايمز 100 بقيمة سوقية مقدارها 3.5 مليار جنيه استرليني، وكانت إحدى شركات التقنية البريطانية القليلة التي شهدت نمواً متواصلاً بالرغم من التراجع الاقتصادي. في السنة الماضية ارتفعت المبيعات بنسبة 46 في المائة لتصل إلى 503 ملايين دولار، وتضاعفت الأرباح قبل الضريبة لتصل إلى 186 مليون دولار. وفي الشهر الماضي، حيث نشرت الشركة رأياً حذراً نسبياً حول النمو في الربع الثالث، شعر بعض المساهمين بالتخوف، حيث إنهم يتساءلون أحياناً إن كان نمو الشركة طيباً على نحو يصعب تصديقه. لكن معظم المحللين لا يزالون يوصون بشراء سهم الشركة. من الناحية التاريخية نادراً ما أدى أداء السهم إلى خيبة الأمل لدى المساهمين.

وسواء كان لينتش يرتاح أم لا يرتاح لشهرته، فإنه أقرب أنموذج بريطاني يشبه الأمريكي بيل جيتس.

حين التقيت به في مقر الشركة في حي بيكاديلِّي في لندن، كان يرتدي ملابس تدل على ذوق رفيع دون مبالغة، لكن المكتب نفسه كان يدل على الفخامة والبذخ، حيث نرى الثريات تتدلى من السقف والخشب المنحوت على الجدران، والنوافذ التي يبلغ ارتفاعها مسافة طابقين. وهو يصف ديكور المكتب بأنه من طراز «صناديق التحوط في أوائل القرن الواحد والعشرين». انتقلت الشركة إلى مبناها الحالي في السنة الماضية بعد أن اضطرت الشركة التي كانت تحتل المبنى سابقاً، وهي شركة أمريكية للخدمات المالية، إلى إخلائه بسبب التخفيضات في التمويل الناتجة عن أزمة الانقباض الائتماني.

المبنى الجديد لا يزيد على كونه طريقة واحدة من الطرق التي تستفيد بها الشركة من الركود الاقتصادي. البرامج التي تنتجها الشركة تُمكِّن الزبائن من البحث عن معلومات غير مهيكلة وترتيبها في فئات، مثل البريد الإلكتروني وسجلات المكالمات الهاتفية والصور ومقاطع الأفلام، وأي شيء لم يتم تنظيمه ضمن قاعدة للبيانات. هذا البرنامج يتم استخدامه بكثافة من قبل البنوك والشركات الكبيرة الأخرى التي تجهز المواد اللازمة لاستخدامها في القضايا التي تقيمها مجموعات من الناس، ما يساعدها على العثور على جميع المعلومات اللازمة للمحاكمة. على سبيل المثال، بنك سوسيتي جنرال البرنامج في سبيل تعقُّب التداولات التي قام بها المتداول المنحرف جيروم كيرفيل.

ومع تصاعد الضغط على البنوك، ارتفعت كذلك مبيعات «أوتونومي»، وأصبحت برامجها بحكم الأمر الواقع المعيار الوحيد للأبحاث المتقدمة في الشركات.

لكن خطط لينتش هي أكبر من ذلك بكثير. فهو يريد إحداث ثورة في صناعة الحاسوب.

يقول لينتش: «السنوات الأربعون الأولى في صناعة الحاسوب كانت نوعاً من التحويلة الغريبة، قبل أن تصبح أجهزة الحاسوب قوية على نحو يمكنها من فهم المعلومات على نحو مريح للإنسان. في أواخر الستينيات لم يكن بمقدور الحاسوب أن يفهم العالم الحقيقي، لذلك اضطر الناس لأن يجعلوا الأمور في غاية التبسيط أمام الحاسوب، مثل وضع المعلومات على شكل قواعد للبيانات. أما الآن فقد تطور الحاسوب ويستطيع التعامل مع المعلومات على غرار ما يفعل الإنسان. وسيؤثر ذلك على كل مجال من مجالات استخدام الحاسوب».

يقول لينتش إن هذا التطور يشبه تعلُّم الفرنسية من كتاب وتعلُّم التحدث بها مثل طفل عمره سنتان في باريس. برامج «أوتونومي» تعلِّم أجهزة الحاسوب كيف «تفهم» الكلمات والصور والأصوات.

وهو يقول إن السر في ذلك يعتمد على نظرية الاحتمالات والرياضيات البايزية، التي كانت موضوع الرسالة التي تقدم بها للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة كامبردج. ويعود الاسم إلى توماس بايز. يقول لينتش في هذا الصدد: «أخفق بايز في مشروعه، لكن ترك لنا نظرية مفيدة تستطيع وصف العالم الذاتي باللغة الموضوعية للرياضيات». بمعنى أنها الجسر المفقود بين الإنسان والحاسوب.

تمتلك «أوتونومي» 170 براءة اختراع حول البرامج، وهي تحولها الآن إلى تقنية أساسية في صناعة الحاسوب. وهناك نحو 500 شركة من شركات برامج الحاسوب حصلت على امتياز لاستخدام برامج «أوتونومي»، وهي تبني التقنية الخاصة بها على هذه البرامج.

لينتش لم يدخل السوق الاستهلاكية ولكنه يلَمِّح إلى أن التقنية يمكن في يوم من الأيام أن تتحدى «جوجل». ويقول في هذا الصدد: «هناك عدد كاف من الناس الذين يتذكرون وقتاً لم تكن لدينا فيه آلات بحث قوية، ولا يزالون يشعرون بالإعجاب بمنتجات جوجل. لكن في مرحلة معينة سيتحول الناس إلى المستوى الثاني من التوقع. أحد اللاعبين الحاليين يمكن أن يفي بهذا التوقع أو ربما يكون هناك تغير في السوق. الأمر الذي لا يخطر على البال يمكن أن يحدث».

لكن نجاح «أوتونومي» لا يدور فقط حول التقنية الذكية. لينتش معروف بأنه مسؤول المهمات الذي يتطلب حلولاً دقيقة، مع اهتمام لا يرحم بالتفاصيل. والذين يعملون معه يتندرون بأن الشخص الذي يدخل إلى مكتبه «بحاجة إلى أن يضع على رأسه قبعة صلبة». وهناك حكاية منتشرة في الشركة مفادها أن حوض الأسماك الذي توجد فيه بعض الأسماك المفترسة الموجود على مدخل الشركة، إنما هو موجود هناك «لتشجيع» فريق المبيعات. لكن لينتش يقول إن قصة حوض الأسماك غير صحيحة، فهو في الواقع يعود إلى جونت. لكنه يعترف بالفعل بأنه خلق ثقافة في الشركة يتسم فيها الناس بأنهم «متعصبون» إلى حد ما.

ويقول: «إذا كنت من الذين يريدون العمل حسب الدوام الرسمي، من 9 صباحاً إلى 5 مساءً، ولا تحب عملك، فإن هذه الشركة لا تناسبك».

من إنجازات لينتش التي تثير أكبر قدر من الإعجاب هو سلسلة من عمليات الاستحواذ الناجحة في الولايات المتحدة، وهي سوق أخفق فيها عدد من المشترين البريطانيين بصورة بائسة. منذ عام 2005 أنفقت «أوتونومي» 1.65 مليار دولار للاستحواذ على ثلاث شركات أمريكية، ويبدو أنها تمكنت من إدماجها وإحداث التكامل بينها على نحو طيب، وإن كان ذلك لم يخلُ من بعض التحديات.

يقول لينتش: «الناس في الولايات المتحدة يظنون أنهم يعلمون كل شيء عن التقنية، ويظنون أن بريطانيا عتيقة التفكير والطراز، وأن كل ما يهمها هو أواني البورسلان والقلاع».

وشاهد لينتش ذلك بنفسه في أول جلسة للأسئلة والأجوبة مع موظفي شركة فيريتي. سأله أحد الأشخاص: «هنا في وادي السليكون ننظر إلى برامج الحاسوب بمنتهى الجد كنشاط عملي للشركات، وبالتالي فنحن نشعر بالقلق حول الكيفية التي ستوفق فيها بين حياتك المهنية التي أمضيتها في تذوق المشروبات وبين إدارة هذه الشركة».

كانت هناك شائعات مفادها أن لينتش كان من ذوي الذوق الرفيع في الطعام والشراب، وأن لديه برنامجه التلفزيوني الخاص. وقد احتاج الأمر إلى بعض الوقت حتى يطمئنوا إلى أن الأمر ليس كذلك.

يقول لينتش: «أحد التحديات التي تواجه عمليات الاستحواذ هي أن تجعل الناس لا يشعرون بالهلع، وأن ينتظروا فترة طويلة بما فيه الكفاية ليروا الطريقة التي ستكون ناجحة فعلاً بالنسبة للشركة الجديدة».

بإمكان لينتش، الذي تبلغ ثروته 235 مليون جنيه استرليني وفقاً لقائمة الأثرياء في صحيفة «صنداي تايمز»، بكل بساطة أن يحيل نفسه إلى التقاعد. لكن حماسته للتقنية تمنعه من ذلك. آخر سلعة اشتراها ليشبع رغبته القوية هي قرص صلب سعته خمسة تيرابِت بسعر 200 جنيه استرليني. ويقول: «إن قلبي يدق بسرعة من مجرد ذكر هذا الرقم. لا أزال أشعر بالذهول أمام الرقم خمسة تيرابِت. أول جهاز حاسوب اشتريته كانت يمتلك سعة تخزين مقدارها 1 كيلوبِت فقط». (أي أن سعة التخزين الجديدة تزيد بمقدار خمسة ملايين مليون مرة عن الجهاز القديم).

هذه الحماسة للتقنية هي التي تجعله يستمر في عمله. الأمر بالنسبة للينتش ليس فقط صناعة برامج الحاسوب وإنما تغيير العالم.

وهو يقول: «أنا إنسان أصولي. أنا مقتنع أن لدينا تقنية عظيمة ستعمل على تغيير الصناعة. وأعتقد أن ما نقوم به سيكون له شأن كبير».

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية