الحكم الذي صدر في 11 من آب (أغسطس) بحق الزعيمة البورمية المؤيدة للديمقراطية أونج سان سو كاي، في محاكمة صورية كان متوقعاً، وألقي بحنكة واضحة، من قبل أتباع الجنرال الكبير تان شوي.
والجميع، ربما من بينهم سو كاي نفسها، توقعوا خمس سنوات إضافية.
وفي المحاكمة الاستعراضية، التي جرت وفق شهود عيان مثل دراما، بستائر صفراء، حكم على سو كاي ومرافقتيها بالسجن لمدة ثلاث سنوات لكل منهن، وبعدئذ دخل سيد البيت Home Min (وMin تعني الملك أو السيد)، وقرأ عفواً يخفض الحكم الصادر عليها إلى 18 شهراً، لتقضيها في بيتها. ثم أسدلت الستائر وحجبت عن الجمهور الحاضر ثم قام رجل عجوز ساخط بإزاحة سو كاي وجعلها تغادر بالسيارة إلى بيتها.
وعلى المرء أن يستقي من الأحداث التي تحرك الأخبار ويحلل بعمق أكبر، سياق ما كان يجري في السنتين الأخيرتين في المعركة التي طالت كثيراً بين العناصر المؤيدة للديمقراطية وقوات المجلس العسكري الحاكم.
كانت سو كاي تحت نوع من الاعتقال طوال 14 عاما من السنوات الـ 20 الماضية. وهذه الجولة الأخيرة بدأت يوم 30 أيار (مايو) 2004، عندما هوجمت حاشيتها من قبل قطاع الطرق التابعين للمجلس العسكري الحاكم في حادثة تعرف بمذبحة ديباين، وبعدها على الفور، احتجزت في سجن انسين سيئ السمعة، ثم وضعت رهن الإقامة الجبرية في فيلتها على ضفاف بحيرة أينيا، والتي كانت في الأصل هدية من حكومة «يونو» الديمقراطية في خمسينيات القرن الماضي، بسبب الدور البارز لوالدها أونج سان الذي اغتيل، في تأمين استقلال بورما عن بريطانيا العظمى عام 1948.
وكانت سنوات سو كاي الخمس على وشك الانتهاء، حين قرر جون ييتاو، المورموني الأمريكي، في انقلاب غريب للحظ، أن «يحذر» سو كاي لأنه رأى رؤية محاولة اغتيال لها وحاول الإعلام الرسمي البورمي داخل بورما أن يحط من قدر سو كاي بالافتراض بشكل خبيث بأن ييتاو «خليلها الحالي» مع أنه لم يكن هناك ما يشير إلى أنهما التقيا من قبل.
وفي الأيام الأولى من المحاكمة التي طال أمدها من أيار (مايو) فصاعداً، قيل أن ييتاو قام بزيارة سابقة لمجمع سو كاي في تشرين الثاني (نوفمبر)، حين يقال إنه ترك وراءه بعض الكتب المتعلقة بالمورمونية بعد أن لم تسمح له الخادمات بالدخول. وكان للمحاكمة كل عناصر المحاكمة الزائفة على الطراز السوفياتي، التي تذكر بتلك المحاكمات التي أجراها ستالين في عشرينيات القرن الماضي، وطهر كل خصومه الذين فضلوا التحرك بشكل مدروس نحو اقتصاد مخطط له.
إن الديكتاتورات أو الشخصيات الديكتاتورية يعملون بإعطاء انطباعات عن سلوك غير متوقع وبذلك يبقون الجميع متوترين دائماً، ويوفق تان شوي بين حياته وسمعته كجنرال عسكري تدرب على الحرب النفسية، فمن أيار (مايو) من هذا العام لعب لعبة القط والفأر بحرفية، يسحب الحبل قليلاً أو يبدو كذلك، ثم يشد حبل المشنقة بشكل غير متوقع.
وهذه الأعمال من قبل ثان شوي يجب أنها تقارن بما كانت تفعله الحركة المؤيدة للديمقراطية في الخارج ومراقبو بورما المهنيون، فمنذ نحو عام 2004، بعد اعتقال سوكاي والمرتبة الثانية من «يو تن أو « في ديباين، كان هناك اتجاه خفي يشع خارج بورما ينتقد سو كاي بأنها «عنيدة».
وكان هذا يهدف إلى تبييض صور المجلس العسكري الحاكم، بلوم الضحايا، سو كاي، وحزبها الرابطة الوطنية للديمقراطية والسجناء السياسيين، على المستنقع السياسي في البلاد ووضع الأساس لسياسة «عمل مألوف مع بورما».
ومن وقت قريب جداً، كانت هناك تقارير موثوقة بأن الحكومة الأسترالية تخطط لتقديم المساعدات لمجلس السلام والتنمية الحكوميين في بورما، وأشار خبير بورمي ذو استقامة قوية إلى أن مثل هذه المساعدات التي تقدم للمجلس العسكري الحاكم ستكون إجرامية.
والمجلس العسكري الحاكم لم يعد فقيراً فهو يسيطر على نحو خمسة مليارات دولار من العملة الأجنبية، من بيع النفط والغاز الطبيعي، وأي مساعدات أجنبية أخرى لن تمثل سوى نقطة في إناء يفيض بما فيه، لكنه مما لا شك فيه سيسمم بقية الماء في الإناء على أنه «مشروع» وفي هذه الظروف، يجب إطلاق جهد دولي بتجريم تقديم المساعدات للمجلس العسكري الحاكم.
وأخيرا كانت هناك تسريبات على مستوى رفيع من الجيش البورمي عن بناء إنفاق ومرافق نووية مع مهندسين كوريين شماليين في العاصمة البورمية الجديدة تايبيداو أو «مدينة الملك الملكية» ومع أن التحكم في الأضرار يجري بالنسبة لهذا الأمر، فإن 20 ضابطاً من مستوى رفيع قد تم تطهيرهم.
وأخيراً فإن نظاماً ديمقراطياً فقط سيوفر الضغط والإشراف والإعلام المستقل والفرق والشفافية التي ستجعل الحكومة تشترك مع الشعب بصورة أكبر، والدول لا تصبح بشكل تلقائي، ديمقراطية وأقل استبداداً، حيث تصبح الأنظمة غنية، والنمو الاقتصادي وحده لا يؤدي إلى الديمقراطية.
إن الثروة في الأنظمة الاستبدادية يستخدم فقط في شراء الأسلحة وللسيطرة الأكثر حزماً ولقمع المزيد من الناس. والتنمية الحقيقية أوسع بكثير من النمو الاقتصادي وحده، «فنجاح» السناتور الديمقراطي جيم ويب في تحرير ييتاو خلال العطلة الأسبوعية الأخيرة ونقله بالجو إلى بانكوك قد أظهرا للشعب البورمي أن أمريكا قد تقدم مجاملات، ولكن حين يزداد الضغط عليها، فإنها ستهتم بمواطنيها (البيض).
ولم يكن للمجلس العسكري الحاكم أي مشكلات في «التخلي» عن ييتاو، فقد كان بعد ذلك مخلباً من مستوى متدن خدم هدف النظام، والملكة والملك الحقيقيان في لعبة الشطرنج في هذه المعركة حياة أو موت هي أونج سان سو كاي، وهم لن يسمحوا لها بالخروج، وما زال كل السجناء السياسيين في السجن وكل بورما هي في سجن شاسع. وقد نعود إلى المربع الأول.
