الأحد, 18 أكتوبر 2026|6 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في العادة يروِّح مورلي ديورا، وزير النفط الهندي، عن نفسه بلعب البريدج في عطلة نهاية الأسبوع مع زوجته وأصدقائه. لكن خلال الأسابيع الأخيرة كانت هناك مباراة ليست على هذه الدرجة من الوداعة تفرض نفسها على وقت فراغه. كان ديورا صديقاً مقرباً من ديروباني أمباني، صاحب المشاريع الذي كان معدماً ثم أصبح واسع الثراء، والذي أنشأ مجموعة ريلاينس Reliance للبوليستر وحولها إلى شركة عملاقة، لكنه توفي في عام 2002 دون أن يترك وصية. وكان من شأن ذلك اشتعال حرب على التركة بين ولديه أنيل وموكيش، اللذين يعتبران الآن أغنى أخوين في آسيا. يقول أحد الأشخاص المطلعين على دخائل الأمور، إنه ذات يوم في نهاية عطلة الأسبوع في شهر حزيران (يونيو)، كان أنيل أمباني يمارس رياضته المعتادة في الهرولة على شاطئ البحر، وبعد ذلك عرَّج على مسكن ديورا في مدينة مومباي، واشتكى إلى ''العم ديورا'' حول ما يرى أنها محاولة من ''ريلاينس إندسترِيز'' Reliance Industries، التابعة لأخيه موكيش أمباني، لتأمين السيطرة على المواد المنتَجة من حوض كيه جي، وهو حقل غاز عملاق اكتشفته المجموعة قبالة الساحل الشرقي للهند في عام 2000. في أواخر الشهر الماضي، قرر أنيل أمباني نقل الخلاف إلى العلن بعد شعوره بالإحباط بسبب شكوكه من أن وزير النفط يقف في صف أخيه بشأن النزاع. واستخدم المنصة التي يلقي منها كلمته في الاجتماع السنوي لإحدى شركاته، وهي شركة ريلاينس ناتشورال ريسورسز Reliance Natural Resources، لشن هجوم على شركة صناعات ''ريلاينس'' (التي يمتلكها أخوه موكيش) وعلى وزارة النفط. هذا الهجوم الذي أذيع على التلفزيون الهندي، والكشْف عن كتاب سبق أن أُرسِل إلى رئيس الوزراء مانموهان سينج، يشتمل على الادعاءات نفسها، ترددت أصداؤه خلال صالات السلطة في نيودلهي ورفع حرب التركة التي طال عليها الأمد بين الأخوين أمباني إلى قضية ذات أهمية قومية. في رسائل بالبريد الإلكتروني تتضمن أجوبة عن أسئلة من ''فاينانشال تايمز'' قال أنيل: ''إن مجموعة ريلاينس إندستريز، مدفوعة بجشع الشركات، تحاول بطرق غير شريفة اللجوء إلى كل الحيل والخدع المعروفة للتملص من التزاماتها التجارية الملزِمة لها''. (امتنع موكيش أمباني ومجموعة ريلاينس إندستريز عن التعليق على المعلومات الواردة في هذا المقال). هذا الخلاف معروض الآن أمام المحكمة العليا في نيودلهي، كما أنه يهدد بإحداث الاضطراب في المبيعات من حوض كيه جي، وهو أهم اكتشافات الموارد الطبيعية في الهند منذ عقود. ليس هذا فحسب، ولكنه يثير الآن أسئلة حول الكيفية التي تدار بها الأعمال في الهند، التي هي الآن أسرع الاقتصادات الكبيرة نمواً في العالم بعد الصين.

تقول سيما ديساي، من مجموعة يوراسيا، وهي مؤسسة استشارية للمخاطر السياسية: ''بدأ الناس يشعرون الآن أن مقدرة المتنفذين من الأثرياء الهنود على الاستحواذ على عوامل السياسة الاقتصادية هي أمر نحتاج إلى دراسته بالنسبة للهند''. يذكر أن الهند معتادة على معارك الإرث والتركات. فالقطاع الخاص الهندي في معظمه يدار من قبل عائلات يجلس على قمتها أشخاص من الكبار المسيطرين على العائلة. معظم العائلات الصناعية، مثل عائلة بابجاج وعائلة بيرال، دخلت في معارك من هذا القبيل في أوقات مختلفة. لكن الفرق في حالة ''ريلاينس'' هو الحجم الهائل للتركة المتنازع عليها. يقول سوراب موكيرجي، رئيس الأسهم الهندية في مجموعة نوبل: ''يشكل الأخوان معاً نحو 5 في المائة من الاقتصاد الهندي من حيث الموجودات. ولا يتوقف الأمر فقط على أن الأخوين المتنازعين من رجال الأعمال البارزين، وإنما لأن حلفاء كل منهما هم كذلك من الأشخاص البارزين من ذوي النفوذ''.

يتمتع اسم ''ريلاينس'' في الهند بمكانة أسطورية. بدأ ديروباني عاملا في محطة بنزين في ميناء عدن قبل أن يجمع ثروته في الهند. وفي الوقت الذي توفي فيه كان الملايين من الهنود ينظرون إليه بإجلال، بسبب لمسته السحرية التي كانت تحول الحديد إلى ذهب، وبسبب تحديه للحكومة وللعائلات الهندية القديمة في عالم الأعمال ذات العقليات العتيقة.عمل ابناه بإخلاص تحت قيادته، حيث أصبح موكيش معروفاً بقدرته على تنفيذ مشاريع التكرير العملاقة في المجموعة، وأصبح أنيل معروفاً بمهارته في العلاقات مع المستثمرين. لكن دون ديروباني انفجرت في نهاية الأمر عوامل التوتر بين الثنائي العنيد وتحولت إلى معركة علنية مريرة. واضطرت الأم، كوكيلابن أمباني، إلى التدخل، وفي عام 2005 توصل الأخوان إلى اتفاقية لإعادة هيكلة المجموعة على نحو يحصل فيه كل أخ على الملكية المباشرة لعدد من الشركات التابعة لها. وبذلك تولى موكيش السيطرة على أعمال ''ريلاينس'' في البوليستر وتكرير النفط والتنقيب، بما في ذلك العقد الموقع مع الحكومة لتطوير المنطقة دي 6 “D6” block من حوض كيه جي. وتولى أنيل السيطرة على أعمال الشركات المالية والاتصالات والكهرباء.

لم يكشف النقاب أبداً عن محتويات هذه الوثيقة. ولكن كانت بداخلها مذكرة تفاهم تقضي بأن تقوم ''ريلاينس إندستريز (التابعة لموكيش) بتوريد كميات تصل إلى نصف ذروة الناتج المتوقع لحوض كيه جي (الذي يقدر بحدود 80 مليون متر مكعب يومياً) إلى شركة ريلاينس للموارد الطبيعية (التابعة لأنيل). كان من المفروض أن يباع الغاز بسعر 2.34 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو السعر الذي التزمت به من قبل ''ريلاينس إندستريز'' في مبيعاتها إلى محطة الطاقة الحرارية القومية، وهي محطة لتوليد الكهرباء تابعة للحكومة.

فضلاَ عن ذلك، اتفق الأخوان على أن ''ريلاينس'' للموارد الطبيعية الحق في الرفض الأول بخصوص ما يزيد على 40 في المائة من المواد التي يتم اكتشافها في المستقبل. حتى الآن لم تعمل ''ريلاينس إندستريز'' إلا على استكشاف 4 في المائة فقط من المنطقة دي 6 في حوض كيه جي. يعتقد المحللون أن من الممكن أن تكون هناك كميات كبيرة من الغاز في الحقل المذكور على مسافة أبعد قبالة الساحل الشرقي للهند. يحتاج أنيل إلى الغاز لاستخدامه في شركة ريلاينس للطاقة، وهي مشروع جديد طموح لتوليد الطاقة الكهربائية، حيث تعتزم الشركة إنشاء طاقة توليد كهربائية مقدارها 32 ألف ميجا واط بحلول عام 2018، وباستثمار مقداره 29 مليار دولار (21 مليار يورو، 18 مليار جنيه استرليني). من هذا الرقم الكلي سيتم تشغيل ثلث الطاقة عن طريق الغاز المنتَج من حوض كيه جي، الذي يسيطر عليه موكيش. يعتقد بعض المحللين أنه مع تدهور العلاقات بين الأخوين (لاحظ أن كلاً منهما يعيش في طابق مستقل في مبنى العائلة المؤلف من عدة طوابق، ولا يكلمان بعضهما بعضاً)، فإن المواد التي سيتم إنتاجها من الحوض كان مقدراً لها دائماً أن تزيد من تسميم العلاقات بينهما. ومنذ عملية إعادة الهيكلة وتفكيك المجموعة اقتتل الأخوان في عدد من المعارك على الجبهة العامة. في السنة الماضية مارست شركة موكيش ''ريلاينس إندستريز'' حق الرفض الأول بخصوص عطاء طرحته شركة ريلاينس للاتصالات، وهي شركة الهاتف الجوال التي يمتلكها أنيل، للاندماج مع شركة إم تي إن من جنوب إفريقيا. اندلع الخلاف حول الغاز حين جادلت ''ريلاينس إندستريز'' بأن السعر المتفق عليه في مذكرة التفاهم الموقعة بين الأخوين لا تكون سارية المفعول إلا إذا وافقت عليها الحكومة. وفي عام 2007 قررت الحكومة وضع سعر مختلف، يصل تقريباً إلى ضعف السعر المتفق عليه في مذكرة التفاهم، عند 4.20 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وقد استندت الحكومة في ذلك على معادلة أخذت في الاعتبار أسعار النفط الخام، والطلب في السوق، واحتياجات الصناعات التفضيلية، مثل شركات الأسمدة الكيماوية، التي تعتبر منتجاتها مهمة بالنسبة لملايين المزارعين الهنود الصغار. ذهبت شركة ريلاينس للموارد الطبيعية بالقضية إلى المحكمة العليا في مومباي، التي قررت في شهر حزيران (يونيو) أنه يجب الالتزام بالسعر الأصلي الأدنى الوارد في مذكرة التفاهم (أي 2.34 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية). وأمرت كذلك الأخوين بالعودة إلى أمهما في سبيل التوسط بينهما. وفي استجابة على قرار المحكمة قال أنيل أمباني: ''إن أخي الأكبر الموقر أوضح بما لا يدع مجالاً للشك، داخل العائلة وخارجها، أنه لا يرى أي دور مستقبلي لأمي الكريمة في حل هذه المسألة أو أية مسألة أخرى''. وقد استأنف الأخوان الحكمَ لدى المحكمة الهندية العليا. في تلك المرحلة قررت وزارة النفط التدخل في الموضوع. كان الوزير ديورا يخشى أن مذكرة التفاهم يمكن أن تعطي الانطباع بأن أخوين من كبار الأثرياء (ثروة موكيش تجعله سابع غني في العالم، وفقاً لمجلة ''فوربس''، حيث تبلغ ثروته 19.5 مليار دولار، في حين أن أنيل يحتل المرتبة 34 بين أغنياء العالم) يقتسمان فيما بينهما بصورة خاصة الثروة القومية لأكبر ديمقراطية في العالم، التي يبلغ دخل كثير من فقرائها أقل من دولار يومياً. وقدمت الوزارة طلباً إلى المحكمة العليا بهدف إلغاء مذكرة التفاهم وإبطال مفعولها. وفي وقت مبكر من هذا العام قال ديورا لـ ''فاينانشال تايمز'' في مقابلة صحفية: ''أهم شيء في الموضوع هو أن الغاز المذكور مِلك للحكومة''.يقول المحللون إنه بموجب عقود مشارَكة الإنتاج في الهند، فإن من الواضح أن موافقة الحكومة هي شرط ضروري حتى يضع المقاول سعر الغاز. كما تسيطر الحكومة كذلك على تخصيص توزيعات الغاز إلى قطاعات محددة ''ذات أولوية''، مثل صناعة الأسمدة الكيماوية.

لكن يقول أنيل أمباني إن الحكومة أحيطت علماً بمذكرة التفاهم في وقت مبكر هو عام 2006، وكان لديها وقت كاف للاعتراض عليها. وهو يجادل بأن الحكومة لا تضع سعر بيع الغاز وإنما ''القيمة'' التي تأخذ فيها حصتها من الأرباح. وبالتالي فحتى لو أن ''ريلاينس إندستريز'' تبيع الغاز إلى أنيل بسعر 2.34 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، فإن الحكومة ستأخذ حصتها محسوبة على أساس أن السعر هو 4.20 دولار. كذلك يدعي أنيل أمباني أن الحكومة تتدخل في عقد خاص، ما يهدد بخلق سابقة تبعث على القلق بالنسبة للمستثمرين. من جانب آخر يصف المحامون النزاع على أنه في جزء منه ناتج عن خطأ الوزارة. كان يجدر بالوزارة أن تضع المبادئ العامة لوضع سعر الغاز على نحو واضح منذ البداية بدلاً من اتخاذ إجراء متأخر حول القضية في عام 2007. الأمر الواضح هو أنه مع ازدهار الاقتصاد الهندي فإن النمو المنحاز الذي يعطي الأفضلية للأقوياء يمكن أن يؤدي إلى عدد كبير من النزاعات التي من هذا القبيل. في دراسة موَّلها بنك التنمية الآسيوي تبين أن عدد أصحاب المليارات في السنة الماضية في الهند كان 50، وكانوا يسيطرون على 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي أن تركيز الثروة في الهند على هذا النحو أعلى من تركيزها في البرازيل أو روسيا. وفي تقرير من إعداد مجموعة سنتنيال Centennial لمنتدى بلدان الأسواق الناشئة لهذا العام، حذر المؤلفون من أن ''هذا التركيز للثروة والنفوذ يمكن أن يكون قنبلة موقوتة خفية تحت النسيج الاجتماعي في الهند''. كان المطلوب وجود جهاز تنظيمي قوي، مثل لجنة فاعلة للمنافسة. وقال التقرير: ''الهند معرضة للمشكلات بالضبط لأن أجزاء من الدولة ضعيفة ومعرضة تماماً للنفوذ، سواءً من خلال التمويل السياسي، أو الحاجة السياسية إلى الحصول على الاستثمار، أو الفساد المباشر''. بالنسبة للمستثمرين الأجانب الذين يفكرون في دخول الهند، يمكن لهذا أن يجعل الهند وكأنها حقل ألغام. وفي حين أن حركة المَحافظ إلى البورصة اشتدت من جديد خلال الأشهر القليلة الماضية، فإن الهند لا تزال عاجزة عن اجتذاب الاستثمار المباشر الذي يمكن أن تتوقعه من الخارج، وذلك بالنظر إلى مبالغ حركة المَحافظ الداخلة إلى الصين. خلال السنة المنتهية في شهر آذار (مارس) الماضي كان الاستثمار المباشر الأجنبي 27.3 مليار دولار، في حين أن من المتوقع أن تجتذب الصين في عام 2009 استثمارات بحدود 130 مليار دولار، وفقاً لتقارير البنك الدولي. يقول أنيل أمباني إن نزاعه مع ''ريلاينس إندستريز'' هو نزاع تجاري بحت ولا علاقة له بمشاعره تجاه أخيه. ويقول: ''هذا الموضوع لا توجد فيه خلافات حول تركة العائلة أو مشاعر الاغترار الذاتي''.لكن حيث إن مجموعات الشركات الكبرى في الهند تتعامل في كل شيء من الزراعة والاتصالات، إلى الكهرباء والطاقة وتجارة التجزئة، فإنه يتعين على الحكومة أن تكون أكثر نشاطاً في وضع المبادرات الرامية إلى الحد من قوة تلك الشركات. وعلى حد تعبير ديساي، من مجموعة يوراسيا: ''نحن نتحدث هنا عن قطاعات هائلة من الاقتصاد، وبالتالي فإن للحكومة الهندية مصلحة في ضمان ألا تفرض هذه المعارك الدائرة حول الميراث التكاليف على الناس''.

موكيش أمباني

#2#

عمره 52 عاماً. يدير مجموعة ريلاينس التي تضم شركات المجموعة الأصلية التي تعمل في التنقيب عن النفط والغاز، والتكرير، والبتروكيماويات والمنسوجات. وهو صاحب العقد الخاص بتطوير حقل حوض كيه جي الواعد للغاز. وتبلغ القيمة السوقية لشركاته المدرجة 77 مليار دولار.

أنيل أمباني

#3#

عمره 50 عاماً، وهو الابن الأصغر للسيد ديروباي، مؤسس شركة العائلة العملاقة. وتبلغ القيمة السوقية للشركات المدرجة المنضوية تحت مجموعة ريلاينس، التي تشمل شركات ''ريلاينس كوميونيكشنز'' للاتصالات، و''ريلاينس كابيتال'' للخدمات المالية، و''ريلاينس باور انستركشرز'' للبنى التحتية، ''وريلاينس انترتينمنت'' للترفيه 31 مليار دولار.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية