الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في أوقات الشدة، يكون هناك دائماً نزوع إلى نشوء نظرة سوداوية اقتصادية بشأن المستقبل. لكن الفترات التي جاءت عقب الحربين العالميتين في القرن العشرين، وعقب السبعينيات التي اتسمت بالتضخم، وكذلك عقب أزمات آسيا والأسواق الناشئة بين عامي 1997 و2000، لم تكن مخيبة للآمال. واليوم يتوقع معظم الخبراء الاقتصاديين، رغم بعض المؤشرات على استقرار الأوضاع المالية والاقتصادية، أن يكون النمو في الأعوام القليلة المقبلة مقيداً. فهل يمكن أن يكون الإجماع الحالي بشأن الركود العالمي مخطئاً مرة أخرى؟

يعتمد النمو الاقتصادي على استمرار اكتشاف الأسواق وتوسعها، الأمر الذي ينشأ مثلا، عن تنامي القوة العاملة وقلة العوائق أمام حركة التجارة ورأس المال، وعلى التفاعل بين الاستثمار الرأسمالي والتغير التكنولوجي.

وشهدت الطفرة غير المتوقعة في عشرينات القرن الماضي زيادة في الناتج والتصنيع والإنتاجية، وانتشار الإنتاج بكميات كبيرة وتطور البضائع المنزلية، ناهيك عن الطفرة العقارية بفعل المضاربة في الولايات المتحدة، التي بدأت في فلوريدا، والمسلكيات الغريبة الشائنة للمدعو تشارلز بونزي. وبعد عام 1945 استمرت التوقعات بحدوث ركود اقتصادي إلى ستينيات القرن الماضي، على الرغم من التوسع المستمر، قلَّ أو كثر، الذي كان قائماً على إعادة الإعمار، وعلى تقليل الحواجز التجارية، والإمدادات العمالية التي اتسمت بمرونة عالية، والاتجاه بقوة إلى التحصيل العلمي والتقدم السريع.

وفي هذه الأيام، نشعر بالكآبة إزاء الإمكانات الاقتصادية لجميع الأسباب العادية، لكن السبب الأكثر إثارة للقلق بين هذه الأسباب هو أن الأزمنة ذكرتنا بأننا نفقد اثنين من الدوافع الرئيسية للنمو، التي كانت موجودة في السنوات الـ 25 الماضية.

ستكون المديونية مقيدة بضعف إمدادات الائتمان وسيتعين أن يذهب سداد الدين، أو إعادة هيكلته إلى أبعد مما هو قائم قبل أن يتوسع الطلب الخاص على الائتمان بصورة كبيرة مرة أخرى. إن استعادة نظام مصرفي معقول والتخلص من عبء الدين الأسري أولاً، ثم الحكومي، ستثقل كاهل الاقتصاد لسنوات عدة.

في هذه الأثناء، ركزت الأزمة وأثرها على خطط التقاعد، الاهتمام على مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية الذين يشكلون 20-25 في المائة من سكان الاقتصادات الغربية، والذين بدأوا يقتربون من سن التقاعد. ولأن أبناء هؤلاء المواليد، والمواليد أنفسهم، خصوصا من النساء، كانوا عماد التوسع في الأعوام الـ 25 الأخيرة، فإننا ربما نفقد دافعاً مهماً من دوافع النمو. وتشكل التغيرات المتوقعة في أعداد الأشخاص الذين هم في سن العمل وفي أعداد الأشخاص الذين تجاوزت أعمارهم الـ 65، الأساس لتغير فريد في البنية العمرية يمكن أن يؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي وإلى تنامي الضغط المالي بالنسبة للأفراد والدولة.

ورغم التداعيات الاقتصادية التي تنطوي عليها بيئة ائتمانية أكثر قيوداً والتقادم السريع في العمر، فربما يكون من قصر النظر افتراض أن مصيرنا هو التراجع الاقتصادي العالمي، بقدر ما هو من قصر النظر الاعتقاد أننا بمرور الوقت سنعود إلى الوضع السابق. إن هناك عوامل دفع جديدة للنمو، لكن ينبغي أن تتم إدارتها أو تسهيلها.من المحتمل أن يستمر حجم السوق في التوسع بصورة طبيعية في الأسواق الناشئة. وبعض التأكيدات التي تقول إن اقتصاد الصين سيتفوق على اقتصاد الولايات المتحدة خلال 10-15 عاماً تبدو غير صحيحة، لكن استمرار النمو القوي للصين والأسواق الناشئة الأخرى أمر لا يشك فيه أحد. وستتوسع حصة هذه البلدان من التجارة العالمية، وستستفيد البلدان الفقيرة إذا تحقق تقدم على صعيد تقليل العوائق أمام التجارة الزراعية. ولذلك من الضروري أن توفق المؤسسات القوية والمحترفة بين احتياجات ومصالح الاقتصادات المتقدمة والناشئة.

ويمكن أن يتم تخفيف الضغط على إمدادات العمالة عبر الاستراتيجيات التي تهدف إلى زيادة مشاركة الشريحتين غير الممثلتين تمثيلاً كافياً، وبخاصة الأشخاص الذين هم في فوق سن 55 والنساء، في القوة العاملة. ومن المرجح أن يشتمل ذلك على إطالة الحياة العملية، وإدخال تغييرات على تنظيم العمل، وتوفير رعاية مقدور عليها للأطفال، ووضع سياسات أكثر مراعاة للأسر في العمل. وقد بدأ العديد من الشركات الكبيرة باستكشاف إمكانية القيام بذلك. ويمكن تحسين المساواة وإنتاجية العمالة بشكل كبير عبر تقوية النظام التعليمي، بما في ذلك الجامعات، وعبر تطوير وتوسعة برامج التعلم طيلة حياة العمل.

وربما يعمل التغير التكنولوجي على إعادة تعريف حدود النمو الاقتصادي المستقبلي، مثلما فعلت تقنية المعلومات في الـ 20 عاماً الأخيرة. ومن المرجح أن تزيد تطبيقات تقنية المعلومات الجديدة من إنتاج المعلومات وتصميمها ونشرها. وستعمل التطورات على صعيد المواد على تحسين الأنظمة الإلكترونية وأنظمة النقل والطاقة والطب. ومن المتوقع أن تؤدي هندسة الجينات إلى التوصل إلى منتجات وعمليات جديدة في الطب، وفي إنتاج الغذاء، والمواد البلاستيكية والكيماوية والمحروقات. ومن المحتمل أن تحدث التقنيات متناهية الصغر التي تقوم بصنع منتجات رخيصة ودقيقة من الذرات والجزيئات، ثورة في الأتمتة وفي مجال الإنسان الآلي، ويمكن أن يكون لدمج التقنيات متناهية الصغر، وتقنية المعلومات، والعلوم الجينية أهمية توازي أهمية أي اختراع تم التوصل إليه حتى الآن.وسيتعين على المستثمرين أن يستخدموا تقديرهم لتحديد الرابحين والخاسرين، لكن دوافع النمو الجديدة ستظهر ما لم نعمل على تجاوزها والتفوق عليها. وستتطلب العولمة الأفضل التي يمكن التوفيق فيها بين مصالح البلدان الناشئة والمتقدمة عن طريق تقديم تنازلات مناسبة من جميع الأطراف، وجود مؤسسات وطنية ودولية. ويمكن تعويض التغير الديمغرافي (السكاني) من خلال سوق العمل والسياسات التعليمية. وستتطلب عملية الإنتاج والعمل الجديدة الاستثمار في البنية التحتية، وفي إيجاد أسواق عمل أكثر شمولاً، وإدخال تغييرات على الممارسات القانونية، وإدخال تحسينات على التدريب والتعليم.ومهما بلغت صعوبة الأوقات، لا ينبغي أن يدور بخلد أحد أن الكآبة الاقتصادية قدر محتوم. إن الجزء الصعب هو النقطة التي نصل إليها في الجدل بين الحكومة من جهة والأسواق من جهة أخرى، خاصة أن الأخيرة في قفص الاتهام. إن لدينا حكومة كبيرة الآن سواء أردنا ذلك أم لا، لكن الاختبار الحمضي سيكون ما إذا كانت الحكومات تستطيع إطلاق الطفرة التالية علاوة على لملمة أجزاء الطفرة الأخيرة.

الكاتب كبير المستشارين الاقتصاديين في بنك UBS الاستثماري ومؤلف كتاب: ''عصر التقدم في العمر: كيف تغير العوامل الديمغرافية اقتصاد العالم وعالمنا''

The Age of Aging: How Demographics are Changing the Global Economy and Our World

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية