الأحد, 25 أكتوبر 2026|13 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

مع انهيار دول المنظومة الشيوعية في عام 1989م الواحدة بعد الأخرى وتخلي حليفها الأكبر الاتحاد السوفياتي عنها جميعا ضاقت الخيارات أمام الحزب الاشتراكي اليمني الذي يحكم الشطر الجنوبي من اليمن حينذاك والذي كان يعتمد كليا على دول المنظومة الشيوعية، وبالمقابل شن الرئيس علي عبد الله صالح الذي كان يحكم الشطر الشمالي من اليمن ما يمكن تسميته هجوما وحدويا، إذ مارس ضغطا شديدا على النظام الاشتراكي في الجنوب وطرح عليه التعجيل بإعلان الوحدة بين شطري اليمن إما وفق النموذج الفيدرالي أو النموذج الاندماجي باعتبار الوحدة السبيل الأمثل لتجنيب الحزب الاشتراكي السقوط في الجنوب كما حدث مع نظرائه في معظم الدول الأوروبية... ثم توجه الرئيس صالح بنفسه في 29 نوفمبر 1989م إلى عدن للمشاركة في احتفالات الجنوب بالجلاء وعلى طوال مرور موكبه في محافظتي لحج وعدن قوبل باستقبال شعبي تلقائي كبير وهتافات تطالبه بإعلان الوحدة فورا مما سبب قلقا شديدا لقيادة الحزب الحاكم في الجنوب وأعطى الرئيس صالح فرصة لا تعوض بألا يعود إلا بالاتفاق على الوحدة الاندماجية، وكان هذا ما حدث إذ وقع في اليوم التالي مع الأمين العام للحزب الاشتراكي علي سالم البيض – الذي كان الرجل الأول في النظام بحسب النظم الاشتراكية – على اتفاقية إحالة مشروع دستور دولة الوحدة إلى السلطتين التشريعيتين في الشطرين لإقراره من قبلهما تمهيدا لإعلان قيام دولة واحدة وهو ما كان يعني تجاوزهما لفكرة الاتحاد الفيدرالي. بموجب هذه الاتفاقية والاتفاقيات السابقة كان يفترض إعلان الوحدة في نوفمبر من العام التالي، لكن سرعة تساقط الأنظمة الاشتراكية أقلقت النظام في الجنوب وخاصة النهاية المأساوية للرئيس الروماني نيكولاي تشاوشيسكو التي تصادفت مع وجود البيض في صنعاء أواخر ديسمبر 1989م حيث لقي استقبالا وحفاوة بالغين أدرك معه أن العرض الذي قدمه له الرئيس صالح باختصار الزمن المحدد لإعلان الوحدة أصبح أمرا ضروريا فجرى بالفعل اختصار نصف المدة وتم إعلان قيام الجمهورية اليمنية الموحدة في 22 مايو 1990م وانتخاب الرئيس علي عبد الله صالح رئيسا لها وعلي سالم البيض نائبا له، فيما تم الاتفاق خلال الشهور الستة التحضيرية على مبدأ تقاسم السلطة في الدولة الجديدة مناصفة في البرلمان المعين والحكومة وجميع السلطات فإن كان الوزير أو رئيس المؤسسة منتميا للمؤتمر الشعبي العام الذي كان يحكم الشمال فإن نائب الوزير أو نائب رئيس المؤسسة يجب أن يكون منتميا للحزب الاشتراكي اليمني وهكذا في جميع مرافق الدولة الجديدة، في الوقت الذي جاء فيه هذا الأخير لدولة الوحدة بخزينة خاوية وما يقارب من أربعمائة ألف موظف حكومي مدني وعسكري فإذا بموازنة الدولة الوليدة وهي في الأساس دولة فقيرة مثقلة بأعباء ما يزيد على نصف مليون موظف حتى تحولت كلفة الرواتب الشهرية إلى أكثر من 50 في المائة من الموازنة العامة. ومن سوء حظ الدولة اليمنية الوليدة أن حدث الاجتياح العراقي للكويت بعد شهرين فقط من قيامها، وجرى ما جرى من ملابسات الموقف اليمني من الاحتلال فأدى إلى قطع كثير من المساعدات الخارجية وعودة ما يقارب من مليون مغترب يمني في دول الخليج كانوا يرفدون الخزينة العامة بعائدات كبيرة فازدادت الأوضاع الاقتصادية سوءا فيما بدأت الخلافات السياسية بين شريكي الحكم تفرض نفسها على شكل أزمات سياسية متلاحقة تؤثر سلبا في جميع الأوضاع وتحديدا الاقتصادية فسرعان ما أخذت العملة الوطنية تتراجع أمام بقية العملات مما اضطر رئيس الوزراء المنتمي للحزب الاشتراكي المهندس حيدر العطاس يضع في أواخر عام 1992م أول برنامج للإصلاحات الاقتصادية والمالية اقتضى البدء في رفع الدعم عن كثير من السلع الغذائية والمشتقات النفطية وغيرها كما أخذ يطالب في حوارات صحفية بضرورة تعديل الدستور لينص بوضوح على الأخذ باقتصاد السوق بدلا عن الاقتصاد الاشتراكي، وبالفعل جرت خطوات لرفع الدعم عن بعض السلع الغذائية غير الأساسية، إلا أن عمق الخلافات السياسية على صورة المستقبل بين شريكي الحكم لم تسمح بالمضي في تنفيذ برنامج العطاس. خلال السنوات الأربع بين قيام الوحدة واندلاع حرب صيف 94 بدأت بعض المعالجات المحدودة لقضايا التأميم التي خلفها الحكم الاشتراكي في الجنوب، وفي الوقت ذاته قام الحزب الاشتراكي بتوزيع مئات من قطع الأرض لأنصاره وأعضائه في المحافظات الجنوبية التي ظلت قبضته الأمنية قوية عليها، ناهيك عن أن مماطلته في دمج وحدات الجيش التابعة له مع مثيلاتها التي كانت تابعة للشمال جعله محتفظا بقوة عسكرية وأمنية كبيرة يعوض بها النقص الذي حدث في عدد ممثليه في البرلمان المنتخب عام 1993م إذ تراجع العدد من نحو 120 نائبا إلى 68 نائبا جعلت نائب الرئيس علي سالم البيض يعلن رفضه استقواء حليفه عليه بالديمقراطية العددية وكان هذا الموقف إعلانا صريحا برفض الديمقراطية وإيذانا باندلاع الأزمة السياسية التي انتهت بالحرب وإعلان الانفصال الذي سقط بدعم شعبي من جميع اليمنيين شمالا وجنوبا، ومن ثم أدى إلى نزوح معظم قيادات الاشتراكي مدنيين وعسكريين خارج اليمن وانزواء بعضهم الآخر داخل البلاد فيما خرج الحزب الاشتراكي من منظومة الحكم نهائيا لينتقل إلى المعارضة منذ ذلك الحين. ورث الرئيس علي عبد الله صالح عقب حرب صيف 1994م تركة ثقيلة خلفها الحزب الاشتراكي على صعيد قضايا ملكية الأرض والمساكن ومؤسسات القطاع العام الفاشلة ومئات الآلاف من موظفي الدولة الذين يعتبرون من الناحية الاقتصادية البحتة (بطالة مقنعة) وإلى ذلك أوضاع اقتصادية منهارة حيث لم يكن الاحتياطي العام في البنك المركزي يزيد على تسعين مليون دولار حينذاك وهو ما يعني أننا أمام دولة مفلسة بالكامل... وفور استكمال تصفية الآثار الأولى للحرب وإجراء بعض التعديلات الدستورية الضرورية تشكلت حكومة ائتلافية من حزبي المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح برئاسة اقتصادي خبير هو عبد العزيز عبد الغني بدأت بوضع برنامج إصلاحات اقتصادية ومالية وإدارية بغرض إنقاذ البلاد من الانهيار لم يخرج كثيرا في جوهره عن برنامج سلفه حيدر العطاس ليجد اليمن نفسه في أزمة من نوع آخر.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية