الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تمثل هيئات الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية عنصراً بالغ الأهمية في الثقة التي يوليها المجتمع للمصارف الإسلامية، بحيث إنها تطمئن المجتمع إلى التزام هذه المصارف بالشريعة الإسلامية. كما تمثل القضايا المرتبطة بهذه الهيئات حقلاً خصباً للنقاش والبحث والجدل، حيث تثار بين الحين والآخر نقاشات عدة حول موضوع الرقابة الشرعية على المصارف الإسلامية في إطار ندوة أو حوار في وسائل الإعلام، أو حتى مؤتمر. حول هذا الموضوع تحدث لنا الدكتور أحمد العجلوني الباحث المتخصص في التمويل الإسلامي في جامعة الملك فيصل بداية قال: من حيث التخصص نجد أن كثيراً من الأعضاء العاملين في اللجان الشرعية عبارة عن علماء وباحثين في الشريعة الإسلامية من تخصصاتها المختلفة، ونسبة لا بأس بها منهم في تخصص فقه المعاملات. وأضاف العجلوني: قلما تجد منهم أصحاب الخلفيات الاقتصادية (أي أنهم لم يدرسوا علم الاقتصاد أو المالية أو المصارف بشكل متخصص)، وخاصة ما هو موجود في النظرية الاقتصادية الرأسمالية. وبحسب العجلوني، فإن هذا قد أثر في فهمهم لبعض الأمور المستجدة في التمويل الإسلامي والصيرفة الإسلامية، ما انعكس بدوره على كثير من الآراء التي تصدر من هذه الهيئات حتى داخل البلد الواحد، وكان سبباً في اختلاف اجتهاداتهم، إضافة إلى أسباب أخرى سترد لاحقاً.وحول اختلاف الآراء والفتوى قال العجلوني: بالنسبة لاختلاف الفتاوى والآراء فإن ذلك يرجع - إضافة إلى تباين الخلفيات العلمية - إلى اختلاف المدارس الفقهية التي يتبناها المتخصصون الشرعيون. كما أن اختلاف البلدان والتطور الاقتصادي والانفتاح في كل منها قد أخذ أثراً بالغاً في اختلاف الآراء والفتاوى؛ ففي بلد منفتح ومتقدم نسبياً مثل ماليزيا نجد بعض العقود والمعاملات مسموحة، في حين أن المعاملة نفسها لا تكون مسموحة في بلد آخر، وتابع: الخطير في الأمر أن بعض الاختلافات تتجاوز الاختلافات ما بين المذاهب لتصل إلى السماح ببعض المعاملات التي قد تكون فيها شبهة الربا إلى حد كبير.

ويرى العجلوني أن الهيئات الشرعية القائمة تواجه انتقادات عديدة بخصوص تفرغ أعضاء هذه اللجان للعمل لدى المصارف الإسلامية، أو تكرر أسماء البعض منهم في عدد كبير من المؤسسات المالية.

وحول الرقابة الشرعية قال العجلوني: إن عمل الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية يشبه إلى حد ما عمل دائرة الرقابة الداخلية، ويتم التعامل معها من قبل إدارات المصارف الإسلامية من هذا المنطلق. إلا أن الفرق بين هاتين الجهتين - إضافة إلى نطاق التخصص - يتمثل بأن دائرة الرقابة الداخلية مسؤولة أمام إدارة المصرف فقط، في حين أن هيئة الرقابة الشرعية مسؤولة بالدرجة الأولى أمام المجتمع الذي يعد وجودها عنصر أمان وثقة بسلامة تعاملات المصرف والتزامها بالشريعة الإسلامية.

وبحسب العجلوني، فإن وجود الخلل في استقلالية هيئات الرقابة الشرعية هو من الأسباب المهمة التي تسبب الاختلاف في وجهات النظر الصادرة عن هذه الهيئات، وسبب أساسي - والكلام للعجلوني - لإثارة الشك من قبل البعض في قدرة أعضاء هذه اللجان على مخالفة رغبات إدارات هذه المصارف، وأضاف أن هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مؤسسية تأخذ بعين الاعتبار مصلحة المصارف الإسلامية كمساهمين وإدارات، وتهتم أيضاً بالمودعين والمتعاملين مع هذه المصارف الذين يدفعهم الجانب الشرعي بشكل أساسي للتعامل مع هذه المصارف، وتابع: إنني أقترح دعوة المصارف المركزية لإنشاء إدارات وأقسام خاصة بها تتولى عملية الرقابة الشرعية على المصارف الإسلامية، بحيث تصبح (رقابة شرعية مركزية)، لتحل محل اللجان الشرعية الخاصة بكل مصرف، وذلك لتفادي المشكلات التي ورد ذكرها ولتجنيب العلماء الأفاضل سهام النقد التي تكون في بعض جائرة في بعض الأحيان أو يقصد منها فقط تشويه صورة العمل المصرفي الإسلامي والإيحاء للمجتمع بأنه ليس أكثر من صورة أخرى للتمويل المصرفي الربوي.

وحول معالم الرقابة الشرعية التي يقترحها قال تتمثل معالم الرقابة الشرعية المركزية في عدة نقاط، من أهمها إنشاء دائرة مستقلة في المصرف المركزي يعين فيها مجموعة من علماء الشريعة الثقات المتخصصين في فقه المعاملات المالية، إضافة إلى متخصصين في العلوم المالية والاقتصادية، بحيث تتم معالجة مشكلة التخصص، كما يتم الاتفاق على الإطار العام بخصوص القضايا الفقهية التي تحتاج رأيا شرعياً، بحيث تحدد نقاط الاتفاق العامة بخصوص التعامل بالربا وأشكاله، وتحريم التعامل بالسلع المحرمة أو المعاملات المحرمة كالتعامل بالهامش والبيع القصير.. إلخ، والإبقاء على هامش الاختلاف في القضايا التي تحتمل الاختلاف، وتحتفظ إدارات المصارف بتبني ما تراه مناسباً لمصلحتها في القضايا الخلافية.

إضافة إلى تحديد أهداف ومهام دائرة الرقابة الشرعية في المصرف المركزي، وأضاف العجلوني: أما أهم الأهداف المرجو تحقيقها من خلال إنشاء دائرة الرقابة الشرعية في المصرف المركزي، فهي ترسيخ حالة من الثقة العامة في مدى التزام المصارف الإسلامية بالتعامل وفق الشريعة الإسلامية والموازنة بين حرية الاختلاف في الآراء الشرعية في بعض الجوانب والالتزام بالثوابت في الوقت نفسه، إضافة إلى فتح المجال أمام الأجيال الشابة من العلماء والباحثين لممارسة عمل الرقابة الشرعية، وبالتالي ضمان استمرارية أداء هذه المهمة بشكل سليم، كما أنها ستخفف تكلفة تعيين أعضاء اللجان الشرعية على المصارف الإسلامية والأهم أنها تغلق بابا من أبواب الانتقاد والشك في مصداقية الآراء الصادرة عن هيئات الرقابة الشرعية.

وفي ختام حديثه ثمن العجلوني مبادرة هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بالشروع في تنظيم عملية الرقابة الشرعية، كما تم الإعلان عنه الأسبوع الماضي وقال: مع تقديري لذلك، إلا أنني أرى أن قيامهم بهذه المهمة ليس من اختصاصهم وإن أقرب جهة يمكن أن تقوم بذلك هي البنك الإسلامي للتنمية..

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية