الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

قبل خمسة أسابيع من زيارة رئيس كوريا الجنوبية لي ميونغ – باك الجامعة العلمية الرائدة في البلد، وضع رئيس الجامعة مهندسيه في سباق مع الزمن. كانت فكرة صنع سيارة كهربائية ثورية تستمد طاقتها من كوابل تحت الأرض، بدلاً من الاعتماد على البطارية تدغدغ أحلام سوه نام - بيو رئيس معهد العلوم والتكنولوجيا المتقدمة في كوريا. فسأل الباحثين لديه: هل يمكنكم صنع واحدة؟

أجابوا بنوع من التردد بأنهم سيفكرون في الأمر. وبعدئذ، وبنوع من العناد والتصميم الكوري الذي ساعد على تحويل بلد دمرته الحرب إلى نمر آسيوي، عملوا ليل نهار لكي يتأكدوا من إمكانية التجول برئيسهم، حول الحرم الجامعي في سيارة لم ير العالم مثلها.

أي شخص يعرف كوريا لن يفاجأ بحقيقة أن المهندسين حققوا هدف الإنتاج. إنها الخطوة باتجاه اختراعات كانت تبدو غير واقعية ولا عملية، تفتح عيون الناس على أشياء لم يألفوها، في بلد طالما اتهم بسرقة الأفكار من الآخرين.

طيلة طفرتها الاقتصادية، كان كثير من المهندسين اليابانيين يتخلصون من الديون المترتبة عليهم، عن طريق بيع الأسرار المهنية أثناء الزيارات التي كانوا يقومون بها لسيئول في عطلات نهاية الأسبوع. لقد ذهبت تلك الأيام دون عودة، لكن كوريا ما زالت تجد المنتجات المتميزة المبتكرة أمراً محيراً.

يقول سوه ابن الثالثة والسبعين الذي تخرج من معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا: إن بإمكان كوريا أن تحقق النقلة من تحسين وتغيير المنتجات التي يصممها الآخرون، إلى اختراع أشياء لم يحلم بها أي شخص من قبل.

وصف سوه رئيس الجمهورية بأنه حليف مهم في معركته لإحداث ثورة في النموذج الاقتصادي الكوري، وذلك حالما خرج من المقعد المخصص للراكب في سيارة أوليف Olev (سيارة الإنترنت الكهربائية). وحرصت الجامعة أيضاً على الترويج لمشروع آخر: وهو مشروع الموانئ المتنقلة، وهي فكرة يعتقد العلماء بأنها يمكن أن تغير وجه شبكات النقل العالمية.

لم يكن هناك توقيت أفضل من توقيت الاجتماع الذي عقد بين الرجلين. في نهاية العام الماضي، وجدت حكومة كوريا نفسها في فترة البحث عن الروح، حول ما إذا كان النموذج الاقتصادي القديم للصناعة الثقيلة الملطخة بالسخام والتكتلات غير العملية، قابلاً للدوام في تنافسها على الأعمال مع الصين المزدهرة.

أكد لي علانية على الحاجة إلى «محركات نمو جديدة صديقة للبيئة، ولكن الكثير من البرامج لم تكن أكثر من مجرد كلام أو مناورات سياسية. غير أن أفكار سوه وقدرته على ترجمتها إلى واقع – أوحت للرئيس أن يجرب نموذجاً مثيراً للاهتمام برعاية الإبداع.

ضخت الحكومة 50 مليار وون (40 مليون دولار، 28 مليون يورو، 24 مليون جنيه استرليني) وهو مبلغ كبير بالنسبة لجامعة، مباشرة في معهد العلوم والتكنولوجيا المتقدمة، لكي يتسنى له تطوير مزيد من نماذج السيارات الكهربائية والموانئ المتنقلة. إن السيارات الكورية تتحدى الفرضية السائدة في أوساط صناعة السيارات، من أن السيارات الكهربائية ينبغي أن تستخدم البطاريات. ويجادل نموذج معهد العلوم والتكنولوجيا المتقدمة بأن الإمدادات العالمية من الليثيوم، نادرة لدرجة لا يمكن معها صنع أعداد كبيرة من بطاريات الليثيوم والحديد، وأن وزن البطاريات نفسها ثقيل جداً، وبالتالي فإنها غير مناسبة للأغراض العملية.

لذا، وبدلاً من ذلك، ينبغي أن تحصل السيارات على الطاقة اللازمة من الطريق، في عملية مشابهة للطريقة التي تشحن بها فرشاة الأسنان الكهربائية وهي على حاملها. ويستدل من الأبحاث التي أجراها معهد العلوم والتكنولوجيا المتقدمة، أن بإمكان محطتين للطاقة النووية أن توفرا طاقة تكفي لستة ملايين سيارة، ما يخفض واردات البلد من النفط الخام بـ 35 مليون برميل سنوياً.

وبالنسبة للموانئ المتنقلة، فإنها يمكن أن تغير الخطوط الملاحية في العالم، حيث إنها تقلل حاجة سفن الحاويات الضخمة إلى الرسو في موانئ المياه العميقة لتفريغها. وبدلاً من ذلك، يمكن تصميم الخطوط الملاحية لتناسب موانئ المياه الضحلة، التي ترسل الأرصفة العائمة إلى الناقلات. وحالما أنتج معهد العلوم والتكنولوجيا المتقدمة النماذج الأولى، أبدت بعض الأسماء الكبيرة في عالم الشركات الكورية، من أمثال شركة هيونداي للصناعات الثقيلة ودايو اهتماماً شديداً بها.

إلا أن فكرتين جيدتين لا تستطيعان تغيير بلد، إذ يقول سوه وهو شخص صريح وبعيد النظر، إن مفتاح تحويل كوريا إلى بلد أكثر إبداعاً يكمن في إصلاح النظام الأكاديمي، الذي يعتمد على التعلم عن طريق الاستظهار.

لقد أجرى إصلاحات طموحة في المعهد الذي يرأسه، من قبيل إجراء مقابلات دقيقة. ويقول في هذا الصدد: إنني أرغب في معرفة كيف يفكرون حقاً، وأن أرى ما إذا كان لدينا ماسة أو مجرد زركون براق.

ويدعو لي الجامعات الأخرى لكي تحذو حذو معهد العلوم والتكنولوجيا المتقدمة، سعياً وراء النموذج الاقتصادي الجديد. ولكنه يواجه مقاومة من المؤسسات التعليمية. ذلك أن النظام التعليمي في كوريا محاط بصناعة قوية من المدارس الليلية والمدرسين الخصوصيين الذين يكسبون عيشهم عبر إقناع الآباء بأنهم يستطيعون تدريس أبنائهم حتى يلتحقوا بالجامعة.

ويشعر الكثير من الآباء بأنهم رهينة هذا النظام، إذ تعتبر تكاليف التعليم أحد الأسباب الرئيسية التي يتوقع أن تؤدي إلى انخفاض المدخرات الأسرية إلى نحو 3 في المائة من الدخل، وذلك من 25 في المائة في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. ويعتبر لي أن هذه المصاريف، أحد الأسباب التي لها تأثير كبير في المرارة التي يشعر بها الناخبون.

في هذا الأثناء، يقول سوه إنه يقدم دورات تشجع الطلبة على أن يفكروا في المشاكل من منظور عالمي، دون أن يحصروا أنفسهم في مجال واحد من مجالات الهندسة. مع استمرار هذه المشاريع، فإنني أعتبر أن القادة الذين يستطيعون رؤية الصورة الكبيرة أكثر دعماً. أما الأشخاص الذين يعملون على السيارات أو السفن تحديداً، فتواجههم مشاكل أكثر في تصور الأشياء.

هذا، ولا يتصور أحد أن تخلو الخطط الخاصة بالسيارات الكهربائية أو الموانئ المتنقلة، من التحديات الفنية والتجارية. غير أن سوه يؤكد أن العامل الأهم هو حدوث تحول في العقلية الكورية. إن ما أقوله هو: حاولوا تنفيذ عشرة مشاريع، فإذا نجح واحد منها، فإنه سوف يسد تكاليف جميع المشاريع الأخرى.

لقد طلبت مدينة سيئول وجزيرة جيجو السياحية إمدادهما بالحافلات الكهربائية، ويقول سوه إن جزيرة بويرتوريكو التابعة للولايات المتحدة، أبدت اهتماماً بتطوير أولى الموانئ المتنقلة.

غير أن أساتذة آخرين يرون أن تلك المشاريع لن تسفر عن أي شيء- حيث يقولون إن هناك خطر الصدمات الكهربائية، وأن تثبيت الموانئ في البحار المائجة غير ممكن. ويصر سوه على أن السيارات مأمونة، وأنه سيمكن التغلب على مشاكل تثبيت الموانئ واستقرارها. غير أن النقد الوحيد الذي يوجهه هو ببساطة الخوف من المجهول. ويقول: إن الذي نفعله لم يتم فعله من قبل.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية