إذا كانت الروح الخيالية للكونت ريتشارد نيكولوس إيجيرو فون كودنهوف – كاليرجي، داعية الاندماج الأوروبي، ما زالت تحوم على نوع من الطائرة الطيفية، فإنها ستولي اهتماماً كبيرا للانتخابات الوشيكة في اليابان.
ربما تكون اليابان الحديثة بعيدة جداً عن أن تشبه أوروبا التي كانت تشهد حروباً داخلية، حين أطلق كودنهوف – كاليرجي دعوته لإقامة وحدة قارية. لكن يوكيو هاتوياما، زعيم الحزب الديمقراطي الياباني، يقول إن فلسفة سياسية متجذرة في تفكير الارستقراطي النمساوي هي ما يحتاج إليه ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
في مقالة مثيرة للاهتمام، نشرت هذا الأسبوع في «فويس»Voice يقول هاتوياما، الذي توحي استطلاعات الرأي بأنه على الطريق ليصبح رئيس وزراء اليابان بعد انتخابات 30 آب (أغسطس) الجاري – إن فلسفة اليوواي Yuai (الأخوة) التي طورها جده من جهة الأب، إيشيرو، من كتابات كودنهوف - كاليرجي، تعد بوصلة تشير إلى رفض «أصولية السوق التي تقودها الولايات المتحدة».
ويمكن للأخوة أيضاً أن تدل على الطريق نحو «أهداف أعلى وأكبر» لعملة آسيوية شرقية واحدة واندماج سياسي إقليمي أكبر. والاتحاد الأوروبي الذي ساعد كودنهوف – كاليرجي في إيجاده، يوفر لليابان مثالاً لفوائد إيجاد مناطق محلية وفروع، حسبما يقول هاتوياما الذي جعل حزبه من تفويض السلطة لمناطق اليابان وعداً رئيسياً في الحملة الانتخابية.
ومثل هذا التوجه دون شك كان سيسعد كودنهوف – كاليرجي (توفي عام 1972) المتحدر من أم يابانية، ويسرّع من خفقات قلوب الأوروبيين المنزعجين، لأن آسيا تتطلع في أحيان كثيرة نحو الولايات المتحدة وليس أوروبا لاستلهام السياسة.
وسرور المراقبين في واشنطن أقل احتمالاً. فبينما يصف هاتوياما بشكل نابع من الإحساس بالواجب، تحالف اليابان طوال نصف قرن مع الولايات المتحدة بأنه «حجر الأساس» للسياسة الدبلوماسية، فإن قلبه يبدو في مكان آخر وهو يكتب: «علينا ألا ننسى هويتنا كدولة تقع في آسيا».
وفي الحقيقة، وبالنسبة لرئيس الحزب الديمقراطي الياباني، التراجع الأمريكي حجة ملحة لصالح الاندماج الآسيوي. وهو يكتب: «نتيجة لفشل الحرب العراقية والأزمة المالية، فإن حقبة العولمة بقيادة أمريكا تصل إلى النهاية، ونحن نبتعد عن عالم أحادي القطبية تقوده الولايات المتحدة نحو حقبة عالم متعدد الأقطاب».
لكن على الصعيد المحلي من غير الواضح كيف سيكون مفهوم الأخوة مفيداً في المعركة الانتخابية للحزب الديمقراطي الياباني لإنهاء الحكم الطويل للحزب الديمقراطي الليبرالي.
ويشير هاتوياما إلى أن جده إيشيرو استخدم اليوواي «شعارا» في خمسينيات القرن الماضي للإطاحة برئيس الوزراء آنئذ، ستيجيرو يوشيدا، الذي يتولى حفيده تارو أسو منصب رئيس الوزراء حاليا في اليابان.
لكن الاستعانة بمثل عليا يمكن أن تكون محفوفة بالمخاطر بالنسبة لهاتوياما، وهو أستاذ سابق ينتمي لعالم آخر في بعض الأحيان، ووصفه زملاؤه ذات مرة بـ «الغريب». ويحرص الحزب الديمقراطي الليبرالي على تصوير الحزب الديمقراطي الياباني على أنه حافل بالمبتدئين غير الواقعيين، وغير المؤهلين لمواجهة تحديات تباطؤ عالمي.
وفي إشارة ساخرة إلى فلسفة هاتوياما الأخوية، أعلن آسو في أيار (مايو) أنه لم تكن لديه أي مشكلة مع «اعتناق العاطفة» لكن «الأفكار التجريدية» قد لا تكون كافية لمعالجة أزمة اقتصادية تحدث مرة في القرن.
ومما لا شك فيه أن رئيس الحزب الديمقراطي الياباني وفر رؤية ضئيلة حول كيف يمكن له الآن أن يعمل نحو تحقيق أهداف مثل العملة الإقليمية والاندماج السياسي. فاليابان والصين، وهما الشريكان الرئيسيان في أي اتحاد، تظلان بعيدتين عن تقارب عميق من ذلك النوع الذي سمح بتجميع صناعات الفحم والحديد في فرنسا وألمانيا بعد الحرب.
ولن تؤدي حجة هاتوياما بأن بالإمكان استعادة الصحة المالية فقط بإعادة ترتيب النظام السياسي، إلى طمأنة الاقتصاديين القلقين من تبعات تعهدات الحزب الديمقراطي الياباني بالإنفاق السخي.
وليس معروفاً أيضاً مدى أهمية فلسفة هاتوياما الشخصية إذا فاز الحزب الديمقراطي الياباني.
يقول بعض المحللين إن رئيس الحزب الديمقراطي الياباني ربما يجد من الصعب أن يضع مساراً مستقلا عن سلفه، إيشيرو أوزاوا، الذي يظل مؤثراً رغم إجباره على الاستقالة بعد فضيحة جمع أموال. فحتى الزملاء والأصدقاء الذين يثنون على هاتوياما لاستقامته ومثاليته، يتساءلون بشكل غير علني ما إذا كان يملك العزيمة المطلوبة ليبقى طويلاً في المنصب.
يقول هاتوياما إن كودنهوف – كاليرجي يبين أن جميع الأفكار التاريخية العظيمة تبدأ كأحلام خيالية، لكن حتى نرى مثله العالية تسود، فإن ذلك يتطلب تعزيز إرادته على حزب وبرلمان سيكونان على الأغلب مشاكسين وليس أخويين.

