المنافسة وحرية ممارسة الأنشطة الاقتصادية هي العامل الحاسم لتمتع المجتمعات بمزايا كفاءة الأسواق من حيث التكلفة والنوعية. ومن أجل ذلك وضعت القوانين المانعة للاحتكار، بناء على ما دلت عليه الدراسات الاقتصادية من المكاسب التي ستجنيها المجتمعات من سياسة تعزيز حرية الأسواق ونشر مظلة المنافسة لتغطي مختلف القطاعات الاقتصادية. وقد وصل هذا التدليل إلى الحد الذي أشار فيه الاقتصاديون في العقود الأخيرة إلى أن المنافسة يمكن أن تطول حتى الأنشطة التي سمح فيها سابقا بالاحتكار الطبيعي كنشاط الخدمات العامة. وذلك بعد تفتيتها إلى أنشطة متعددة، كتفتيت نشاط تقديم خدمات الكهرباء إلى أنشطة للتوليد، وللنقل، والتوزيع.
وما زالت الجهود مستمرة على مستوى المنظمات الاقتصادية الدولية وعلى رأسها منظمة التجارة العالمية لتوسيع مجال المنافسة ما أمكن ذلك من أجل أن تجني المجتمعات الدولية ثمرات المنافسة الحقيقية. وفي عديد من الدول الصناعية جرى تفكيك بعض الاحتكارات التقليدية وصدرت أحكام تجرم السلوك الاحتكاري سواء كان سلوكا صريحا أو ضمنيا. وقد واجهت شركة مايكروسوفت خلال السنوات الأخيرة دعاوى قضائية في الولايات المتحدة وفي دول الاتحاد الأوروبي لاحتكارها الخدمة المتصلة بصناعة البرامج الكمبيوترية وصدرت أحكام مكلفة بحقها.
وفي بلادنا أخذت السياسات العامة في السنوات الأخيرة توسع مجالات المنافسة، فكسرت احتكار نشاطات كانت وقفا على شركة واحدة، كما جرى في قطاعي الاتصالات والنقل الجوي وسواهما. ومما دلت عليه التجارب، أن كل خدمة يمكن أن تباع وتشترى بمنطق السوق، فإنه يجب أن يترك تقديمها للقطاع الخاص. فهو أكثر كفاءة على ذلك، سواء من ناحية توفير الكم اللازم من العرض الذي تتطلبه السوق، أو من ناحية إدارة تكاليف الإنتاج أو أسعار المنتجات أو مستوى جودتها، لكن شرط نجاح كل ذلك يتطلب فتح أبواب المنافسة للجميع.
ومع ذلك، فإن المراقبين يلاحظون بين حين وآخر قيام بعض المنتجين أو التجار العاملين في نشاط معين بممارسات تعد في الواقع مخالفة صريحة لمنهج المنافسة، حيث يجرى بينهم اتصالات واتفاقات حول وقف المنافسة في الأسعار. ومثل هذه الاتفاقيات - صريحة كانت أو ضمنية - تعد في قوانين كثير من دول العالم اتفاقات مخالفة للقانون.
وقد شاهدنا مثل هذه الاتفاقات في فترة مضت بين منتجي الألبان، واليوم لوحظ في بعض المناطق اتفاق صريح بين مكاتب الاستقدام على وقف حرب الأسعار بينهم في مجال توفير العمالة المنزلية. حيث أطلقت بعض هذه المكاتب سلسلة من تخفيضات الأسعار للفوز بحصة أكبر من السوق من أجل تغطية مصروفاتها وديونها. إلا أن أطرافا فاعلة في هذا النشاط قامت بجهود لوقف هذه التخفيضات. فبعد أن كانت الفوارق السعرية بينها لا تتجاوز 200 ريال، جرى الاتفاق على عودتها لتكون 500 ريال. فعادت تكلفة الاستقدام لتراوح بين 8800 و9000 ريال بعد أن وصلت في فترة المنافسة إلى 8500 ريال.
صحيح أن القوانين تمنع خفض الأسعار لأدنى من سعر التكلفة، لكنها تشجع المنافسة فيما هو فوق ذلك. لذا فنحن في حاجة لأجهزة رسمية فاعلة لمتابعة مثل هذه التصرفات والاتفاقات الجماعية التي ترقى لمستوى التواطؤ السعري، وتميزها عن سياسة البيع بأقل من سعر التكلفة الهادفة إلى تخريب قوى السوق وإخراج المنافسين.
ومع نمو حجم الأنشطة الاقتصادية وتعددها ربما صعب على الأجهزة الرسمية وحدها متابعة ومراقبة مثل هذا السلوك. وقد يكون من الملائم الآن تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، بما فيها جهات الحسبة، ومكاتب المحاماة، وجمعيات حماية المستهلكين وتسليطها لمراقبة التصرفات التجارية ومقاضاتها إن دعا الأمر.. فكثيرا ما يكون مجرد تسليط سيف أجهزة تفعيل القانون كافيا لمنع بعض التصرفات الاحتكارية ابتداء.
