الأربعاء, 14 أكتوبر 2026|2 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

ما الأمور المشتركة بين القروض العقارية التي تم تحويلها إلى أوراق مالية، وسلاسل إمدادات التصنيع؟ ليست كثيرة كما يبدو. ورغم كل شيء، فإن فن إعادة ترزيم الديون يشكل جزءاً من مجال التمويل المعقد الغامض، بينما يعتبر عمل شحن الأجهزة إلى شتى أرجاء العالم نشاطاً ملموساً يجعل اليدين قذرتين.

لكن في ناحية واحدة، التمويل المعقد والتصنيع الحديث لديهما كثير من الأمور المشتركة: بشكل رئيسي احتضانهما للعولمة. أصبح التصنيع الغربي أكثر اعتماداً على أنظمة الإنتاج العابرة للحدود التي تهدف إلى جعل العمل أكثر كفاءة، بوضع كل مرحلة من مراحل الإنتاج في المنطقة التي يمكن فيها جعل الأداء أكثر ربحية. وبالمثل، التمويل الغربي احتضن رؤية أسواق رأس المال المتكاملة عالمياً باسم المصرفية الأكثر كفاءة.

الاضطراب المالي الأخير مزّق العديد من الافتراضات السابقة في عالم مصرفية القرن الحادي والعشرين. وأصبح من الواضح بشكل مؤلم أن نقل المخاطر الائتمانية إلى شتى أرجاء العالم ضمن سلسلة معقدة، لم يجعل النظام أكثر أمناً وكفاءة، مثلما ادعى المصرفيون في الماضي.

بناءً على ذلك، حين يتراجع المصرفيون مصدومين، فإن هذا الأمر يفرض سؤالاً جديداً محيراً: هل تفرض التجربة الحديثة إعادة التفكير في الافتراضات في المجالات غير المالية كذلك؟ ورغم كل شيء، فإن ما يطلق عليه في السنوات الأخيرة «رجل دافوس» أخذ الأمر مسلماً به من حيث إن العولمة، ورأسمالية السوق الحرة، والابتكار، كانت جميعها أمورا جيدة تمــامـــــاً. لكن حين يزول الاعتقــــاد، هــــل يعيد قادة الأعمال الأقوياء التفكير في اعتمادهم على سلاسل إمدادات التصنيع العابر للحدود كذلك؟

هناك ملامح تغيير يحدث. هذا الأسبوع مثلا، قال جيرارد كليستيرلي، الرئيس التنفيذي لمجموعة فيليبس للإلكترونيات، لـ «فاينانشيال تايمز» إنه كان يتوقع أن تبتعد شركات كبيرة عن سلاسل الإمدادات المعولمة النائية. ووجه اللوم إلى التحول نحو قضايا «البيئة»، موضحاً أن «المستقبل الذي تكون فيه الطاقة أكثر تكلفة، وأقل توافراً، سيؤدي إلى مزيد من سلاسل الإمدادات الإقليمية».

غير أن قضايا البيئة ربما لا تكون العامل الوحيد الذي يتحرك. وفي السنوات الأخيرة، تخبطت شركات الصناعة الغربية لتوجه عملياتها بطرق كانت أكثر تشابهاً في الغالب (مثلا، تحولت جميعها نحو الصين مقابل التصنيع رخيص الثمن). لكن هذا التركيز خلق انكشافات جديدة، وأشكالاً من المخاطر المعدية. أو كما يشير تقرير مذهل تم إعداده للمنتدى الاقتصادي العالمي في العام الماضي: «الاستغلال الاقتصادي الأمثل لسلاسل الإمدادات، بوجود التركيز الجغرافي للمخاطر كنتيجة متكررة، ساهم في تعزيز الانكشاف الشامل لإخفاق أي سلسلة إمدادات».

حتى فترة قريبة تماماً، لم يبد أن معظم تنفيذيي العمل قلقون للغاية بشأن تراكم تلك المخاطر. وعندما أجرت شركة مارش آند مكلينان Marsh & McLennanاستطلاعا للشركات العالمية التي لديها عمليات في آسيا قبل عامين، مثلا، وجدت أن خُمس الشركات فقط لديها خطط لاستمرار العمل في وقت الكوارث الطبيعية، أو الهجمات الإرهابية. غير أن التجربة الملتهبة لأزمة الائتمان أثبتت لقادة العمل، وصانعي السياسة، أن الأمر ربما يكون خطيراً عند تجاهل المخاطر النائية الواضحة، وتحديداً حين تكون هذه المخاطر متجسدة في سلاسل معقدة لا يمكن فهمها. ولم تعد العدوى تبدو مجرد فكرة مجردة.

كذلك الأمر بالنسبة إلى مخاطر التركيز. (انظر مثلا، إلى الكيفية التي اضطرت بها بورش Porsche، شركة صناعة السيارات، إلى تعليق إنتاجها أخيراً لفترة من الوقت بعد أن انهارت الشركة التي تصنع الخيوط المستخدمة لأحزمة أمان المقاعد في سياراتها). إن ما تدركه شركات التصنيع الآن هو أن التعامل مع أي أزمة يصبح صعباً بشكل مضاعف حين تكون الشركات مبعثرة في شتى أرجاء المعمورة.

لا يعني هذا أن مفهوم سلاسل الإمدادات المتكاملة عالمياً سينتهي، وكذلك الأمر لن تختفي فكرة تداول المخاطر المالية في شتى أرجاء العالم. وتتعرض الشركات بشكل متزايد إلى ضغوط تخفيض التكاليف. لذا، عليك أن تنتظر لتسمع مزيدا من الجدل حول قضية «سلسلة الإمداد». وإذا كان بمقدور شركات التصنيع تعلم الدروس من الأزمة المصرفية حول المشاكل المحتملة للعولمة والابتكار، فسيكون ذلك أمراً جيداً تماماً.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية