الاثنين, 12 أكتوبر 2026|29 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

تنطلق الأصوات من مقهى في منطقة كاكوري، وهي حي يعلوه الغبار في مدينة كادونا شمالي نيجيريا. لكن بالنسبة لكثير ممن في المقهى تعتبر آفاق الخلاص في هذه الحياة مظلمة وكئيبة.

خارج المقهى، هناك أناس يتسكعون بلا هدف ويشعرون باليأس الشديد، وهم يؤلفون جزءاً من ربع مليون عامل انقطع دخلهم بسبب تراجع صناعة الغزل والنسيج، التي كانت منذ فترة طويلة القطاع التصنيعي الوحيد الذي له شأن في هذه المنطقة.

يقع المقهى على أحد جانبي الهوة التي تزداد اتساعاً بين المسلمين والمسيحيين في كادونا، الذين يتراجعون بصورة متزايدة إلى الضفتين المتقابلتين للنهر الذي يقسم المدينة من المنتصف. لكن الفقر المزمن لا تعوقه الحدود التي من هذا القبيل.

يقول جون نباي، البالغ من العمر 44 سنة، الذي يعاني شظف العيش منذ انهيار الشركة التي كان يعمل فيها (شركة كادونا المحدودة للغزل والنسيج) قبل سبع سنوات: «بعض الناس هنا أخرجهم أصحاب البيوت من مساكنهم. لا نستطيع دفع الرسوم المدرسية. ومن الصعب تماماً إطعام أطفالنا».

يتمتم الحاضرون ويغمغمون بالموافقة على هذا الكلام، الذي يعطي صوتاً قوياً يدل على الإحساس الطاغي لدى هؤلاء الناس بأن القوى الوطنية في العاصمة تخلت عن سكان هذه المنطقة الفقيرة التي تمتد من العاصمة المركزية أبوجا إلى المناطق الحدودية ذات الحرارة اللاهبة.

ويضيف: «لو أنهم يهتمون بالشمال، لبذلوا ما في وسعهم لإعادة تجديد مصانع الغزل والنسيج في المنطقة».

وحتى لو وصل في نهاية الأمر المبلغ الذي وعدت به الحكومة الفيدرالية (470 مليون دولار) لإنقاذ المعامل، فإنه يبدو من المرجح أن يظل قطاع النسيج في حالة مَرَضية، وعلامة رمزية على مأزق اقتصادي ينظر إليه كثيرون على أنه يقع في قلب التوتر العرقي في الشمال.

يتساءل محمدو بوهاري، وهو حاكم عسكري سابق ومرشح المعارضة في الانتخابات الرئاسية في الدورتين السابقتين، ويعيش الآن في كادونا: «كيف تستطيع الحكومة أن تنعم بالنوم ليلاً حين يفقد ربع مليون شخص وظائفهم في صناعة واحدة فقط؟».

لكن حين تحكم على الأمور بعد أن تشاهد المنطقة الممتدة من السوق المركزي وعبر البلدة، فإنه يبدو أن صناعة النسيج المحلية في حالة ازدهار. في صباح الأحد يعرض التجار لفات من الأقمشة ذات الألوان البراقة التي توجد عليها ملصقات تقول إنها مصنوعة في نيحيريا.

لكن حين تضغط على هؤلاء التجار فإنهم يعترفون بأن كل خيط تقريباً في تلك الأقمشة يأتي من الصين. عند وصول الأقمشة إلى البلاد يضع المستوردون عليها علامات مزورة عن شهادة المنشأ، وبالتالي يلتفون على قرار حكومي بحظر الأقمشة المستوردة، كما يقول آيكه أوكايرت، البالغ من العمر 20 سنة، ويتولى البيع في أحد الأكشاك. بعض لفات القماش تعرض بكل جرأة ملصقات تقول إن القماش مصنوع في مراكز التصنيع في مقاطعة زيجيانج.

يقول ريموند أوكوانيينو، وهو تاجر يبلع 33 سنة من العمر: «كل شيء يصنع في نيجيريا يكون مرتفع الثمن إلى حد كبير. أما هذا فإنه أرخص»، مشيراً إلى قطعة ملابس رياضية من صنع الصين.

بالتالي، في الوقت الذي تمتلئ فيه الأكشاك بالأقمشة، فإن الكائنات الوحيدة التي تعبر عتبة المصنع القريب (النسيج النيجيري المتحد) هي السحالي ذات الرؤوس الصفراء التي تزحف وتتنقل نحو أشجار المانجو الضخمة. العاملون الذين كان عددهم يبلغ ستة آلاف عامل غادروا المصنع للمرة الأخيرة قبل 18 شهراً، وهم يدعون الله الآن من أجل وصول مبلغ الإنقاذ.

من الشمال خرج عدد من الحكام، بمن فيهم الرئيس الحالي للجمهورية، لكن خلافاً للرأي السائد في بعض المناطق في الجنوب، فإن حصة الشمال من ثروة وموارد البلاد تعتبر صغيرة. مثلا، ولاية كانو في أقصى الشمال، ستتجمع لديها هذا العام توزيعات فيدرالية وإيرادات داخلية لا تصل في مجموعها إلا إلى ربع المبالغ التي تجمعها ولاية ريفرز الجنوبية المنتجة للنفط، على الرغم من أن عدد سكان الولاية الشمالية أكبر ثلاث مرات، كما يقول أودو جريما، وهو خبير للتنمية في كانو.

لكن المشكلة ليست فقط الافتقار إلى المال. الأراضي الواسعة والعمران المترامي الأطراف من شأنه أن يجعل تقديم الخدمات صعباً حتى لو توافرت جميع الأموال حسبما هو مقرر لها. الشركات الشمالية، شأنها شأن الشركات في بقية أنحاء البلاد، تدفع مبالغ باهظة تشل حركتها، بسبب التكلفة العالية لإدارة المولدات الكهربائية للتعويض عن النظام الكهربائي الذي لا يكاد يعمل. وهذا يؤدي بسهولة إلى تناقص طاقاتها بصورة كبيرة.

مع ذلك الضعف العضال بفعل تراجع قطاع النسيج هو أيضاً علامة على المشاكل الأوسع في الشمال، التي شاهدت قطاعها المالي يتقلص ليصبح بنكاً واحداً فقط خلال عمليات الدمج الأخيرة للبنوك النيجيرية.

هذه الأزمة هي تذكرة بإخفاق أحد المشاريع الحكومية الذي كان يرمي إلى وضع قطاع التصنيع في الشمال في أعقاب اكتشاف النفط في الجنوب قبل نصف قرن.

البيانات المتوافرة هي في أحسن أحوالها بيانات متفرقة وشحيحة، لكن تشير بعض التقديرات إلى أن معدل وفيات الأطفال في المنطقة أعلى من أية منطقة أخرى في العالم، رغم أن جريما يقول إن هذا الاتجاه العام أظهر تحسناً يسيراً في الفترة الأخيرة. والأطفال الذين ينجون من الوفاة المبكرة لا توجد أمامهم فرص تذكر للتعليم، وهو وباء تسعى الحكومة الفيدرالية إلى التخفيف منه باستخدام المدخرات التي تتوافر بعد تسديد الدين.

مع ذلك هناك مخاوف من أن شظف العيش يعمل الآن على تسخين القلاقل التي كانت تشتعل بصورة دورية بين الغالبية المسلمة والمسيحيين. أدت الصدامات التي وقعت في السنوات الأخيرة إلى مئات القتلى، وكانت هناك تقارير تشير إلى أن قوات الأمن ضالعة في العنف.

يقول الجنرال بوهاري: «الضغوط الاقتصادية تعمل على زيادة حدة هذا الموقف». ويضيف أنه يأمل في الدخول في الانتخابات الرئاسية المقبلة على الرغم من اختلافه مع حزبه. ويتابع: «الوضع في حالة غليان الآن، ونخشى حين ينفجر أن يحرق معه البريء والمذنب».

الأب ماثيو حسن كوكا، نائب رئيس الأساقفة في كادونا، يقول: «في حالة غياب المؤسسات، الدين فقط هو الذي يصبح السمة التي تحدد هوية الشخص. وماذا لديهم غير ذلك ليتمسكوا به؟».

وفي حين أن البلاد بكاملها هي نسيج غير متماسك من الجماعات العرقية والدينية، إلا أن القس يجادل بأن حظ هذه المنطقة أسوأ من حظوظ غيرها، لأنها لا يوجد فيها عدد يذكر من الشباب المتعلمين، أو من الفرص التي يمكن أن تكسر حاجز التحيز.

ويقول: «الشمال هو مكان لحضانة الفقر».

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية