السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في الوقت الذي يُنشَر فيه هذا الكتاب، يستمر الجدل حول الهدف من وجود القوات البريطانية، و جميع قوات حلف شمال الأطلسي، «الناتو»، في أفغانستان. وفي الوقت الذي تتصاعد فيه بحدة أعداد القتلى، وفي الوقت الذي يشتكي فيه قادة الجيش الذين يزدادون تسييساً أمام الحكومة البريطانية ويعلنون عدم كفاية المعدات، وفي الوقت الذي يوجه فيه الصحفيون والمراسلون أسئلة إلى الأهالي الذين يشعرون بالألم والحزن على قتلاهم حول ما إذا كانوا يعتقدون بأن الحرب تستحق أن يذهب ضحيتها القتلى الذين يبكون حزناً عليهم، يزداد مع ذلك كله احتمال التبادل بين الغرق أو الهرب، ويزداد معه الانتقاد في كل تعليق افتتاحي يُنشَر. وكذلك تزداد الحاجة إلى جواب محدد، جواب يمكن أن يثق به الناس.

أحد الأجوبة التي من هذا القبيل هو ما يسمى بالشرف. كان هناك تعهد بتنفيذ أمر معين، وهو تعهد صريح وضمني، أي مساندة الحكومة في كابول في أن تبذل ما في وسعها لتكون ممثلة للشعب، وبالتالي فإن الانسحاب في وقت تكون فيه سيطرة القوات المسلحة الأفغانية على البلاد ورغبتها في القتال لا تزال غير مكتملة، هذا الانسحاب سيُعَدُّ بمثابة خيانة. لكن الجواب الذي يعطيه الكثيرون هو جواب ذو طابع نفعي، بمعنى أن وديان وكهوف هيلمند هي أماكن الحضانة التي ينشأ فيها الإرهاب الذي ينطوي على الانتشار العالمي، وأن الهزيمة في هيلمند وفي الأماكن الشبيهة بها، مهما أقر بها أصحابها، ستجعل خلايا الإرهاب في برادفورد وروتردام وكليشي سو بوا أقدر على البروز من مكامنها وأكثر ثقة في النجاح، حتى لو كان ذلك من خلال الاستشهاد.

الكتاب القيم الذي وضعه المؤلف بيتر نُويْمان، وهو قيم لأنه سهل ومفهوم، يغوص بصورة مباشرة وعميقة خلال عقدين من «دراسات الإرهاب» المكثفة. يذكرنا هذا الكتاب بأن الإرهاب «الجديد» المنتشر في شبكات يستطيع العمل، على الأقل لفترة محدودة، من داخل الكهف أو الوادي، وأن النصر في هيلمند تتردد أصداؤه عبر جميع المواقع الجهادية على الإنترنت وعبر جميع العقليات الجهادية في مختلف أنحاء العالم، وأن هذه الشبكات تترابط وتنفلت من عقالها ضمن هذه الكهوف والوديان.

إنها تربط بين الذين يستوحون ويستلهمون أفكارهم الجهادية من شخصيات طاغية، وتعيش في أذهانهم رؤى متعالية خارج الأمور الدنيوية، ثم يطلقون الأشخاص الذين تلقوا هذا الإلهام ليذهبوا إلى بلادهم، بعد شحنهم بالأفكار وإعطائهم الحرية لإحداث أكبر قدر ممكن من الدمار، في أي مكان وزمان يكون ذلك بوسعهم، وبالذات في التعويض عمن يذهب، ضمن تسلسل هرمي شبه عسكري (الجيش الجمهوري الأيرلندي المؤقت كان متمسكاً بذلك بصورة خاصة، رغم أنه تكيف مع الظروف)، وبيد كل منهم هاتف خليوي ضمن شبكة أو أخرى، تنطلق منها الأوامر الحاسمة بشن الحرب على الصهاينة أو الصليبيين، المذنبين بحكم دينهم وأعراقهم وماضيهم الاستعماري.

الرسالة الباعثة على الاطمئنان من كتاب المؤلف هي أن الطاقة الشيطانية التي دفعت بهذه الحملة الجهادية ربما تكون في حالة تراجع في بعض المناطق، ويعود بعض السبب في ذلك إلى سلسلة من الردود القوية من الدول الغربية، وبعضه يعود إلى أن المبادئ اليقينية الراسخة للقاعدة يجري الآن تحديها من الداخل. يعتمد المؤلف في تحليله على عمل لورنس رايت، وهو مؤرخ أمريكي معاصر للحركات الجهادية، ويبرز الأصوات المعارضة التي تظهر من داخل القاعدة ونطاقها خلال السنتين السابقتين، وبصورة قوية من سيد إمام الشريف، وهو الإسلامي المصري الذي اشتهر بكنيته «الدكتور فضل»، الذي كان في السابق زعيماً لمجموعة الجهاد الإرهابية. الأمر الذي يثير الدهشة أنه يجادل بأنه «لا يوجد في الشريعة أي شيء يقضي بقتل اليهود والنصارى. . .إذا اختلطت الرذيلة بالفضيلة، فإن الكل يصبح خاطئاً».

الأمر الذي لا يبعث على الاطمئنان هو أن محركات العولمة التي لا تعرف الندم لا تزال تتحرك بقوة، على نحو يجعل الارتباطات التي دامت سنين عديدة كأنها فارغة ولا جدوى منها، ومن ثم «الهويات التقليدية تصبح خاوية بالتدريج، ويصبح من الأرجح أن يبحث الناس عن وسائل أخرى لتأمين المعنى واليقين، بما في ذلك الدين الأصولي والحكايات التخصيصية الأخرى».

من السمات المميزة الأساسية للإرهاب القديم في مقابل الإرهاب «الجديد» هي أن القديم كان في الغالب مقيداً بارتباطه بالعالمية، أو بالافتراض القائل إن المجموعة الإرهابية ربما تعمل عاجلاً أو آجلاً في تحويل نفسها إلى مفاوض مسؤول، حتى ضمن الحكومة (مرة أخرى يعتبر الجيش الجمهوري الأيرلندي أكبر مثال على ذلك). الجماعات الماركسية على وجه الخصوص كانت متصارعة بقوة حول طابعها العالمي، إذ كيف تستطيع القبول بالإرهاب على نطاق واسع حين يكون من الممكن أن تكون البروليتاريا ضحية لهذا الإرهاب؟ الواقع أنه كما يذكر المؤلف فإن هذه المجموعات اختفت بصورة كبيرة (لكن ليس إلى الأبد بالضرورة). لكن الإرهاب الجهادي لم يُظهر هذا القدر من التردد، فهو تخصيصي بصورة عنيفة، حيث يعتبر المسلمين «المتعاونين» على أنهم على الأقل أصل المشكلة، شأنهم في ذلك شأن غير المسلمين، ولم تكن، حتى الجدالات الأخيرة، تشغل نفسها أو تكترث بالحقيقة التي تقول إن كثيراً من ضحاياها كانوا هم أنفسهم من المسلمين.

هذا الكتاب ليس عملاً من أعمال الصحافة التي يلجأ فيها المؤلف إلى دراسات معمقة ومترابطة، مثل الكتاب الرائع من تأليف رايت بعنوان «البرج الذي يظهر في الأفق» (2006)، ولا هو يتمتع بالطاقة النظرية والتاريخية التي نجدها في كتاب فيليب بوبيت بعنوان «الإرهاب والرضا» (2008). لكن المؤلف يذكرنا بأن «الحداثة المتأخرة والعولمة»، حين تقترن «بإشباع وسائل الإعلام ونزع الحساسية من الناس»، فإنها تدفع بالإرهابيين على الدخول في «أشكال تزداد شراً من العنف في سبيل النفاذ»، ولذلك فإنني أوصي بقراءة الكتاب نظراً لمنهجه الذي يتسم بالتواضع الحذر (وإيجازه). كما أن الكتاب يوضح أكثر من ذي قبل السبب في «أننا» في أفغانستان، ولا بد لنا أن نبقى هناك.

عنوان الكتاب: الإرهاب قديماً وحديثاً

المؤلف: بيتر نُويْمان ــ الناشر: دار بوليتي

Old and New Terrorism

By Peter Neumann

Polity

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية