الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

ستذهب ألمانيا قريباً إلى الانتخابات العامة في الشهر المقبل وهي تعاني من أسوأ ركود اقتصادي منذ الحرب العالمية الثانية. حتى عهد قريب لم يكن من الممكن تصوُّر أن تصاب دولة صناعية متقدمة ومستقرة سياسياً مثل ألمانيا بهذا النطاق الواسع من الانكماش الاقتصادي، الذي بلغ نحو 4 في المائة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام.

مع ذلك كان من الصعب أن يشعر الناس بوقوع الأزمة الحادة. كنت أعيش في ألمانيا في أواخر التسعينيات، حين كان البلد يعاني من آثار ما بعد توحيد ألمانيا الشرقية والغربية، ولاحظت قدراً كبيراً من اللوم الذاتي والجدال حول أنموذجها الاقتصادي. العبرة المستفادة من الأزمة الحالية هي أنه بصرف النظر عن مدى تقارب الاقتصادات العالمية، فإن ألمانيا تتبع نهجاً مختلفاً.

فيما يلي أذكر عشرة جوانب مثيرة للاستغراب في الاقتصاد الألماني والفكر الألماني، يمكن بمجموعها أن تفسر السبب في قدرة الألمان على الصمود في هذه الظروف العصيبة.

الأول، أن ألمانيا يمكن أن تسبق بريطانيا والولايات المتحدة في الهروب من الركود الاقتصادي. ذلك أنه مع انتعاش آفاق الاقتصاد العالمي، فإن الاقتصاد الألماني المدفوع بالصادرات على وشك الانطلاق بقوة. الطلبات الصناعية، المحببة إلى قلوب الألمان، ارتفعت 13 في المائة منذ شباط (فبراير). أما بيانات التصدير والإنتاج الخاصة بحزيران (يونيو)، التي صدرت يوم الجمعة الماضي، فإنها حتى تجعل الاحتمال قائماً في أن أرقام النمو للربع الثاني يمكن أن تكون موجبة.

من رأي يورج كريمر، كبير الاقتصاديين لدى كوميرزبانك Commerzbank، وكان في السابق واحداً من أكبر المتشائمين الألمان، أن الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن يحقق نمواً بنسبة تصل إلى 1 في المائة في الربع الحالي. ولو أنك كنت أمريكياً من الذين يفضلون الأرقام بالمعدل السنوي، لأنها أكبر من أرقام المعدلات الربعية، فإن نسبة النمو المذكورة ستكون 4 في المائة. صحيح أن حظوظ ألمانيا معلقة بآفاق الاقتصاد العالمي، لذلك يتوقع كريمر أن تشهد ألمانيا تعافياً اقتصادياً مصغراً على شكل V، بمعنى أن يظل النمو «معتلاً» لفترة أطول. لكن أي شيء خلاف النمو الإيجابي الضعيف سيبتعد عن الاتجاه العام الذي كان سائداً خلال العقد الماضي.

الثاني، أن المستهلكين تعرضوا لانتقادات ظالمة ومجحفة. منذ فترة طويلة وألمانيا تستهلك أقل من المعدلات اللازمة، وفي الوقت نفسه تستثمر بكثافة وتتمتع بمعدلات كبيرة من الفائض التجاري، وبالتالي تساهم في الاختلالات الاقتصادية العالمية. وهكذا، منذ بداية الأزمة تعرضت برلين لانتقادات حادة ولاسعة من المجتمع الدولي على عدم قيامها بما يكفي لتعزيز الطلب المحلي. لكن الواقع هو أن الإنفاق الاستهلاكي ارتفع بنسبة 0.5 في المائة في الربع الأول، وهو أكبر ارتفاع منذ منتصف عام 2007، ويعود الفضل في ذلك بصورة كبيرة إلى الحوافز الحكومية لتشجيع مبيعات السيارات الجديدة، ومعدلات التوظيف المستقرة. ويُقَدِّر بنك جولدمان ساكس أن الإنفاق الاستهلاكي ارتفع بنسبة 0.2 في المائة في الربع الثاني، في حين أن الولايات المتحدة شهدت هبوطاً بمعدل 0.3 في المائة.

الثالث، أن برلين لا تزال عاجزة عن فهم الموضوع. لم يصدق الاقتصاديون أعينهم حين اطلعوا على المقابلة التي نشرتها صحيفة «دي تسايت» في أيار (مايو) مع وزير المالية، بير شتاينبروك، والتي على ما يبدو نسي فيها موضوع عادات التسوق المحافظة التي يوصم بها المتسوقون الألمان، حين اشتكى من «أننا كمجتمع، قياساً بما ننتج، فإننا نستهلك أكثر مما يجب ونستثمر أقل مما يجب».

الرابع، أن معدلات البطالة في واقع الأمر هبطت منذ نيسان (أبريل) في ألمانيا الشرقية، التي هي أقل اعتماداً على الصادرات من ألمانيا ككل. لا تزال معدلات البطالة هناك عالية على نحو لا يغتفر، ولا يتوقع أي شخص أن يستمر الاتجاه العام الهابط. لكن الهبوط يبين أن الوظائف لا يتم التخلص منها بالسرعة التي كانت تسير بها في حالات الركود السابقة، ويعود الفضل الكبير في ذلك إلى برامج ساعات العمل المخفضة التي تمولها الحكومة.

الخامس، أن السياسيين لا يزالون يعتقدون أن بإمكانهم خلق الوظائف بمجرد الإعلان عن الأرقام المستهدفة. فرانك فالتر شتاينماير، المرشح المنافس من الحزب الديمقراطي الاجتماعي في الانتخابات المقبلة في أيلول (سبتمبر)، تعهد في الأسبوع الماضي بخلق أربعة ملايين وظيفة بحلول عام 2020. لعله نسي التعهدات المماثلة التي التزم بها المستشاران السابقان، هيلموت كول وجيرهارد شرويدر، والتي تبين أنها تافهة لا قيمة لها.

السادس، أن سوق الإسكان التي ظلت أسعارها ثابتة على مدى عقد من الزمان، بدأت الآن في التململ. الدراسة الأخيرة التي أصدرها البنك المركزي الألماني حول قروض البنوك أظهرت أن الطلب على القروض السكنية يتعافى على نحو أسرع بكثير من معدل منطقة اليورو ككل. الألمان الشباب يعتبرون الوقت الحاضر وقتاً جيدا للاقتراض بأسعار فائدة متدنية وثابتة. أو لعلهم بعد أن شعروا باليأس من الموجودات المالية، فإنهم يتحولون الآن إلى الموجودات الفعلية الملموسة لادخارها لمرحلة الشيخوخة.

السابع، رغم كل شيء، الاعتماد على الصادرات والفائض التجاري لا يزال يُنظَر إليه على نطاق واسع على أنه الخيار الوحيد لمجتمع يزداد فيه بسرعة عدد الأشخاص كبار السن. في السنة الماضية هبطت معدلات ولادة الأطفال في ألمانيا لتصل إلى 8.2 فقط لكل ألف من السكان، وهو أدنى معدل في الاتحاد الأوروبي. ويشعر السياسيون بالقلق الشديد من نزعة الخوف المتزايدة من الأطفال، كما يظهر في الشكاوى التي نسمعها حول رياض الأطفال في المناطق السكنية. منذ فترة قريبة قال متحدث باسم السياسة الاجتماعية للحزب الديمقراطي الاجتماعي في مقابلة مع إحدى الصحف المحلية: «المجتمع الألماني خرج إلى حد ما من عادة التفكير في احتياجات الأطفال، والسبب البسيط لذلك هو أنه لا يوجد عدد كبير من هؤلاء الأطفال».

الثامن، على خلاف التصورات السائدة، الألمان ربما لا يشعرون بالقلق حول التضخم المستقبلي. في استطلاع برعاية «فاينانشيال تايمز/هاريس» في الشهر الماضي تبين أن الناس في الولايات المتحدة يشعرون بقدر أكبر من القلق من أن الإجراءات التي تتخذها الحكومة والبنك المركزي الأمريكي يمكن أن تشعل فتيل التضخم في الأجل القصير.

التاسع، أن العطلات الألمانية تظل متينة لا يمكن المساس بها. الاستطلاع نفسه أظهر أن 9 في المائة فقط سيعملون على تقليص الميزانية المخصصة للعطلات هذا العام.

العاشر، أن مبيعات الجعة الألمانية ربما تكون في حالة هبوط بسبب الأزمة. فقد وصلت في النصف الأول من عام 2009 إلى أدنى مستوى لها منذ توحيد شطري ألمانيا، لكن الجهات المنظِّمة لاحتفالات الخريف في ميونيخ (التي تشتهر بالرقص واستهلاك كميات كبيرة من الجعة) تقول إن حجوزات الفنادق لهذا العام منسجمة مع معدلات السنوات السابقة. سيكون احتفال الجعة على أوجُه حين تتجه البلاد للتصويت في 27 أيلول (سبتمبر). الأزمة العالمية بكل آثارها لن تكون قادرة على إيقاف الألمان من ارتداء الملابس التقليدية والرقص على الطاولات.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية