الجمعة, 16 أكتوبر 2026|4 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في إطار السعي المتواصل إلى تطوير الأنظمة القائمة وإحداث أنظمة جديدة تتلاءم والمستجدات المتلاحقة, أقر مجلس الوزراء أخيرا ''استراتيجية التوظيف'' لتشكل عنصرا مهما في مسيرة التنمية والارتقاء بالعمل الوطني, من خلال تبني أسس ومعايير تهدف بالدرجة الأولى إلى زيادة فاعلية القوى البشرية الوطنية ومشاركتها في مرحلة البناء, وتحقيق أكبر قدر من الارتقاء بمستوى الأداء, ومكافحة البطالة, وسد الاحتياج الوطني عن طريق الإحلال وفتح الفرص المتنوعة أمام الشباب للعمل. ووفقاً للقرار فإن الأهداف العامة للاستراتيجية تتمثل في:

1 ـ التوظيف الكامل لقوى العمل الوطنية.

2 ـ الزيادة المستديمة في مساهمة الموارد البشرية الوطنية.

3 ـ الارتقاء بإنتاجية العمل الوطني ليضاهي نظيره في الاقتصادات المتقدمة. وأوضح القرار أن تحقيق ذلك ضمن ثلاث مراحل (قصيرة ومتوسطة وبعيدة), ووفقا لما أوضحه نائب وزير العمل الدكتور عبد الواحد الحميد في 28/7/2009 فإن الأهداف المرحلية مرتبطة بالمراحل الزمنية الثلاث للاستراتيجية, وهي (السيطرة على البطالة في المدى القصير) عن طريق تبني عشر سياسات تنفذ من خلال مجموعة من الآليات التي يبلغ عددها 43 آلية, وأن التحدي الحقيقي بعد إقرار الاستراتيجية يتمثل في تحويلها من فكر إلى واقع. هذا الإيضاح أعطى تصوراً أولياً وعاماً عن الكيفية التي سيتم من خلالها تنفيذ هذه الاستراتيجية, حيث جاء من رجل عاش قريباً جداً من هموم التوظيف, سواء عندما كان يعمل في مجلس القوى العاملة أم من خلال مسؤولياته الحالية ومعايشته الواقع, وربما أنها المرة الأولى التي يتم فيها بيان الكيفية التي أعدت بها هذه الاستراتيجية، بأنها بواسطة مكتب استشاري وطني متخصص بمشاركة خبراء ومختصين في وزارة العمل, ومسؤولين في جهات حكومية متعددة, ونخبة من المهتمين بالقوى العاملة والتوظيف والشأن الاقتصادي, فهذه الشمولية في بنائها سيجعلها ممكنة التنفيذ على الواقع, وأن تنفيذها يمر بمراحل واضحة ومحددة, حيث إن معظم السياسات التي أعدت سابقاً لتطوير التوظيف وتحقيق فرص العمل للمواطنين إنما تفشل بسبب غياب آليات التنفيذ بشكل واضح ومحدد, ما أفقدها القدرة على النفاذ وتحقيق الأهداف. من هذا المنطلق لا بد أن يدرك المتابع المعنى الحقيقي لإشارة نائب وزير العمل بأن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه الاستراتيجية من فكر إلى واقع, ذلك أن الهدف العام من سياسة التوظيف في جميع مراحله وبجميع إجراءاته إنما يتجه نحو تمكين الجهاز الإداري في الدولة من الوفاء بالتزاماته المتجددة والمتنامية باستمرار, وأن يكون ذلك بأسرع وقت وبكفاءة عالية في استخدام القوى البشرية ذات التأهيل المناسب, وأن يتم ذلك في ضوء متطلبات الواقع وبالأعداد التي يتطلبها حجم العمل, وفي الأوقات التي تحددها خطط الدولة لإنجاز المشاريع وتقديم الخدمات. وإذا كـانت الآليـات التي ستنفـذ بواسطتـها الاستراتيجية متعـددة ربمـا تصـل إلى 102 آلية, فإن أهم الوسائل للتنفيذ يجب أن تركز على معرفة أن سياسة التوظيف لا تتوقف عند مواجهة النقص في القوى العاملة بزيادة الأعداد، وإنما ربط ذلك بتطوير أساليب العمل والتنظيمات الإدارية بمــا يــؤدي إلى قدرتــها علـى تحقــيق أهدافــها بكفــاءة عالية, ومتى تحقق ذلك تكون هذه الأجهزة قد حققت فرصاً عديدة لاستيعاب أكبر عدد من العاملين, أما التركيز على الزيادة دون تطوير الأساليب والأنظمة فإنه سيزيد المشكلة تعقيدا, ويفتح أبوابا لانخفاض معدل الأداء, ووجود التضخم، وهذا مشاهد وملموس في بعض الدول التي اتخذت منهج الزيادة المطردة دون تطوير الأنظمة, ما أوجد ترهلا في الأجهزة العاملة, وسبيلاً إلى تعقيد الإجراءات وإطالتها من أجل إيجاد عمل لهذه الأعداد, وبدلاً من رفع مستوى الأداء حدث العكس. هــذه الاستراتيجية بقدر ما تسعى إلى عــلاج تشوهـات سـوق العمـل, ولا سيما الجوانب المتعلقة بالبطالة, وتفتح فرصاً جديدة قادرة على استيعاب ما يزيد على تسعة ملايين وظيفة في مختلف القطاعات خلال 25 سنــة, حسـبما أوضحـه وزير العمل في تصريح سابق, وبقدر ثقة المواطنين بالجهود التي يبذلها معاليه وسعيه إلى تحقيق أكبر قدر من الفرص الوظيفية, إلا أن حجم التطلعات سيظل أكبر, حيث يطرح المواطن سؤالاً بل أسئلة متعددة تتمثل في: كيف تحل مشكلة التوظيف؟ ولماذا لم يظهر أي دور للأجهزة ذات العلاقة بجوانب التوظيف مثل وزارة المالية ووزارة الخدمة؟ وهل المشكلة متعلقة بالتوظيف في القطاع الخاص؟ أم الأمر مرتبط بالتنمية بشكل عام سواء في القطاع الخاص أو العام؟

الكل يدرك جهود وزارة العمل في هذا الاتجاه, وحرصها على تبني ما من شأنه الحد من البطالة, وتوفير أكبر عدد من فرص العمل, ولو لم يظهر من هذا الجهاز إلا كثرة حراكه، وتعدد محاولاته رغم ما يواجهه لكفى دليلاً على قيامه بواجبه وما يتم طرحه هنا لا يقلل من هذه الجهود، وربما أنه لا يخفى على المسؤولين وقت إعداد الاستراتيجية, وإنما من أجل الإشارة فقط. فلكي تحقق الاستراتيجية أهدافها بشكل سليم عليها مراعاة أن مشكلات التوظيف تزيد المنافسة الحادة التي تتعرض لها الأجهزة الحكومية من جانب القطاع الخاص, ولا سيما في الوظائف المتخصصة ''الطب, الهندسة, الاستشارات, التعليم العالي، تقنية المعلومات، الاقتصاد، والبحث العلمي'', وهذه المنافسة أدت إلى وجود بعض الفراغات في بعض الوظائف المتوسطة والعليا, ما تسبب في سد الاحتياج بقدرات أقل تأهيلاً وخبرة, وهذا أضعف مستوى الأداء! هناك وظائف تشغر بصفة مستمرة بسبب انفصال الموظفين عن وظائفهم إما بالترقية وإما النقل أو إنهاء الخدمة, ولا يتم التعويض فيها بالصورة العلمية, وإنما تترك لقاعدة التدرج الوظيفي الذي ربما يكون عاجزاً عن سد الاحتياج, ولا سيما في الوقت الراهن الذي يتطلب تخصصاً أكثر دقة, بينما لا تزال اشتراطات الإشغال كما هي من عام 1391هـ أي قبل 40 سنة, عندما وضعت الشهادة الابتدائية وشهادة الكفاءة المتوسطة مستوى للدخول في الوظيفة! مشكلات التوظيف سواء في القطاع العام أو الخاص ستستمر في حدتها, ولا بد من إيجاد مداخل جديدة لمواجهتها, ولا يوجد تفسير منطقي ومقنع لحرص جهات التوظيف على استيعاب أكبر عدد ممكن من القوى العاملة في الوقت الذي لا تزال فيه كثير من الأنظمة واللوائح وأساليب العمل تراوح مكانها من يوم صدرت, ولو تم تطويرها وفقاً لواقع الحال, لاكتشفت هذه الأجهزة أن نشوء البطالة مرتبط بها أكثر من أي شيء آخر, لأن جمودها وثباتها هما اللذان أديا إلى إغلاق معظم منافذ التوظيف, وإلا فإن فرص العمل كبيرة .. كبيرة .. كبيرة .. جداً .. جداً .. لكن من استفاد منها؟ في المملكة نلاحظ أن مشاريع التنمية تتطلب سرعة الإنجاز, وهي متواصلة بزيادة كبيرة, وسياسة التعليم انفتحت بشكل واسع وكبير, ولم يربط ذلك بمخرجات التوظيف, ولهذا السبب تتعطل معظم المشاريع, أو تنفذ بشكل أقل مما هو مطلوب.

لكي تحقق استراتيجية التوظيف أهدافها لا بد من تحليل عناصر الجدارة وتكافؤ الفرص في الحصول على الوظيفة من خلال المعايير الموضوعية القابلة للقياس, بمعنى أن طبيعة الوظيفة وما تحتاج إليه هي العامل الذي يحدد نوعية الموظف الذي ينبغي تعيينه عليها. كنا في الماضي نبحث مشكلة عجز التوظيف عن الحصول على الكفاءات البشرية لشغل الوظائف المتزايدة, واليوم نبحث زيادة أعداد طالبي العمل على الوظائف المتوافرة دون أن توجد عوامل الربط لهذين المتغيرين, وبالتالي أصبحت هذه الأجهزة عاجزة عن إيجاد الحلول, في الوقت الذي قطعت فيه معظم الدول شوطاً كبيراً في تحقيق متطلبات سوق العمل. أهــداف الاستراتيجيــة تتحقــق مــن خــلال النظــرة الواسعة للوظيفة العامة والخاصة, واستيعاب مهام التدريب وجعلها على رأس الأوليات, وإعادة النظر في إعداد الميزانية العامة بحيث تكون ميزانية برامج وليس ميزانية بنود, وأن تركز على المنتج وتحقيق الأهداف وفق معايير منضبطة وليس تقديرات وقتيه تعتمد على القدرة في المفاوضة أو العلاقة. التخطيــط للقــوى العاملــة يعتمــد علــى التخطيط العلمي لمواجهة احتمالات المستقبل, ولعل هذه الاستراتيجية تحقق ما عجزت عن تحقيقه تلك الإجراءات المتعددة التي لم تأخذ في الحسبان سرعة التحول, وارتباطه بالواقع, وتركيزها على الحلول الوقتية التي لا تعالج المشكلة وإنما (تطبطب) عليها. المواطن متفائل جداً بهذه النقلة النوعية في التنظيم, ويتطلع إلى أن تحقق الاستراتيجية أهدافها بكل يسر وسهولة وهذا ممكن ـ بإذن الله ـ ثم بجهود المخلصين من أبناء هذا الوطن, وهم كثر ـ بحمد الله، لكن طالما أنها تحمل المسمى العام فيجب أن تكون شاملة لكل سياسات التوظيف القائمة, سواء في القطاع الخاص أو العام، لأنه إن لم يراع ذلك ستصطدم إجراءات التنفيذ بعقبات لم تكن متصورة أصلا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية