الأحد, 25 أكتوبر 2026|13 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يطلق عليهم وصف المغتربين في نيجيريا، والعائدين إلى الوطن في جنوب إفريقيا، والسلاحف البحرية في الصين. إنهم أولئك المهاجرون الذين يعودون إلى الأرض التي ولدوا عليها.

تم خلال الشهر الماضي تعيين يي جانغ، الأستاذ السابق في جامعة إنديانا، وواحد من أبرز العائدين الصينيين، رئيساً للجهاز المسؤول عن إدارة احتياطي البلاد من العملات الأجنبية.

تريد الصين أن تغري بالعودة مزيداً من السلاحف البحرية (الذين أطلق عليهم هذا الوصف لأن السلحفاة هي الكلمة المرادفة لفظياً للعائدين الصينيين).

أطلقت الحكومة «خطة الألف شخص» التي تستهدف المغتربين دون سن الخامسة والخمسين من حملة شهادة الدكتوراه من الجامعات الأجنبية، حيث يمكنهم مضاعفة رواتبهم، والحصول على علاوات حكومية سخية غير خاضعة للضرائب إذا عادوا إلى الوطن، وعملوا في شركات الدولة، والمؤسسات التعليمية، أو المجمعات التجارية.

يمكن للمغتربين العائدين أن يكونوا مكافأة ذات قيمة كبرى، حيث أنهم غالباً ما يكونوا قد عملوا في الاقتصادات المتقدمة في كل من الولايات المتحدة، وأوروبا، واكتسبوا بذلك مهارات مهمة، وأقاموا علاقات، وشبكات اتصال.

غير أن إغراءهم بالعودة أمر صعب، حيث إن كثيرين من المهاجرين إلى الخارج يتعهدون بالعودة في يوم ما لمجرد أن ذلك يجعل ألم المغادرة أسهل. ولكن ما إن يزرعون جذورهم في بلدانهم الجديدة، ولا سيما حين يصبح لديهم أطفال، فإن العودة إلى الوطن تبدو تعديلاً كبيراً على المسار، شأنها في ذلك شأن المغادرة أصلاً.

حين يعودون، فإنهم لا يجدون المكان مألوفاً لديهم. وقد وصفت زميلتي السابقة في «فاينانشيال تايمز» بلادها، جنوب إفريقيا، إثر عودتها إليها في عام 1997، بعد 17 سنة من الغربة، بأنها «بلد أجنبي باهت وعادي».

تقول كاثرين صن التي عادت لتدير فرع شركة فولي ولاردنر القانونية الأمريكية في الصين، بعد أن عملت لسنوات في واشنطن، وهونغ كونغ، الشيء ذاته. وتضيف: «حين توجهت في البداية إلى واشنطن، فقد كنت مخاطرة، وأنا مخاطرة كذلك لدى عودتي إلى الصين. وقد تغيرت الصين كثيراً من البنى التحتية إلى تفكير الناس، ونهج الحكومة في إدارة البلاد».

ما الذي جعلها تعود؟ هل هي فرص العمل، أم الأسرة، أم الشعور الوطني؟ «إن الأمور أشد تعقيداً من مجرد هذه العوامل الثلاثة»، حيث هنالك أبوان متقدمان في السن، وحنين إلى «ثقافة البلد، والأصدقاء، والطعام»، وكذلك الشعور بأن «أمريكا لم تكن أبداً مثلما كانت عليه» منذ هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001.

تقول صن إنها ما إن أعادت تكييف نفسها، فإنها وجدت الصين «أكثر تنوعاً، وأكثر تسامحاً، كما أنها شفافة، بالإضافة إلى توافر المزيد من الأمور المادية بالمقارنة مع ما أتذكره».

يمكن لإعادة التكيف أن تكون مؤلمة، وبالذات لمن هم على شاكلة ساوثي التي أمضت فترات طويلة من عمرها في الخارج، حيث تقول: «إن العشرينات، والثلاثينات من عمرك هي سنوات تكوين مهمة، وألاحظ أن الناس ينتمون إلى الدوائر والأفكار التي تكونت في تلك السن التي لا يمكن العودة إليها ثانية».

كيف يكون الأمر بالنسبة للأطفال المولودين في بلد ليس هي بلد والديهم، ثم يعودون إلى بلادهم الأصلية؟ تقول ساوثي في هذا الصدد: «الأمر مرعب للغاية. وعلى الرغم من أن أطفالها مستقرون جيداً في الوقت الراهن، إلا أنها تقول إن سؤال لأي بلد أنتمي حقاً يظل يلازمك إلى الأبد».

التعويض يتمثل في الإثارة الناجمة عن المساهمة بشيء ما. فبعد فترة من كونها محررة «فاينانشيال ميل»، أصبحت ساوثي الآن مديرة للنشاط المصرفي المجتمعي في بنك ستاندرد، حيث تسعى إلى تقديم الخدمات المصرفية إلى القطاع غير الرسمي. وتقول: «إنني أحصل فقط على وقت حياتي المناسب».

ذلك الشعور بإيجاد شيء جديد ومهم يقنع بعض الناس بالعودة، حتى إلى البلدان المضطربة للغاية. ويعترف ديلي اولوجيدي، الصحفي الحائز على جائزة بوليتيزر الذي عاد إلى نيجيريا ليؤسس صحيفة بعد 20 عاماً من الاغتراب، بأن الأمر احتاج إلى بعض اللامبالاة حيث يقول: «من المرهق للغاية محاولة القيام بما نقوم به، والتحرك في بلد انهارت شبكته الكهربائية تماماً، كما أن نخبه الحاكمة غالباً ما تكون فاسدة، وغير مبالية، كما يبدو أن مواطنيه قبلوا أن قدرهم اللعين هو العيش في هذا البؤس». وذلك كما ورد في التقرير الخاص الصادر عن «فاينانشيال تايمز» حديثاً حول نيجيريا. فلماذا العودة إذاً؟ «ما الذي على الرجل أن يفعله حتى يكون رجلاً؟ إن لدينا وطناً يمكنه أن يفعل أفضل بكثير مما يفعله».

هل يمكن للمبادرات الحكومية، على غرار مبادرة الحكومة الصينية، «خطة الألف شخص» أن تقنع المغتربين بالعودة؟ لقد عبرت دراسة صادرة عن مركز جامعة سوسكس لأبحاث الهجرة عن شكوكها في ذلك. ووجد المركز حين بحث أمور الغانيين الذين عادوا لمباشرة شركات جديدة في بلادهم، أن عدداً قليلاً من العائدين سمعوا بوجود دعم حكومي.

تقول هذه الدراسة: «يمكن الجدال بأن المهاجرين، على وجه التحديد، هم أفراد مستثنون من الهياكل الحكومية والسياسات الرسمية». وربما يكون شكهم في الحكومة هو الذي دفعهم إلى الرحيل في المقام الأول، وإن مثل هذا التوجه ليس من المحتمل أن يتغير لدى عودتهم».

ربما يكون أفضل ما يمكن للحكومات عمله هو وضع نهاية للنزاعات، والفساد، والاستبداد، هذه العوامل التي تدفع المهاجرين إلى مغادرة بلدانهم.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية