الأحد, 25 أكتوبر 2026|13 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

استطاعت الزيارة الإنسانية الناجحة التي قام بها الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، إلى بيونج يانج، إعادة كل من لوررالنج، وإيونالي إلى محبيهما وإلى بلدهما، ولكن تبعات ومضامين هذه الزيارة المفاجئة التي استغرقت 20 ساعة، أوسع من مجرد الإفراج عن هاتين الصحافيتين الأمريكيتين السجينتين.

بينما امتدح كثيرون دور كلينتون، ورأوا أن إطلاق سراحهما يمكن أن يفتح نافذة فرصة لتخفيف التوتر في علاقات البلدين، وتمهيد الطريق إلى عودة كوريا إلى المحادثات سداسية الأطراف، فإن المنتقدين يرون أن هذه الزيارة غير حكيمة، كما أنها خطيرة لأنها تمنح نظام كيم جونج إيل نقطة الضوء التي لا يستحقها، بل إنها يمكن أن تعد سابقة في التفاوض مع الإرهابيين. وإذا نحينا الخلاف في وجهات النظر، تبقى هنالك قضايا خطيرة، وأمور لا بد من معالجتها. وكانت الزيارة بمثابة إعادة تركيز على مسألة الأسلوب المناسب في التعامل مع كوريا الشمالية، أي هل المفاوضات أم الاحتواء، أم العزل، أم مزيج من كل ذلك؟

إذا كانت تطورات علاقات الجانبين خلال العقدين الماضيين تقدم أي دليل، فإنه يتضح أن التفاوض وفقاً لشروط صحيحة يمكن أن يؤدي إلى مكاسب مهمة، حيث نجحت سياسة للتفاوض في زمن رئاسة كلينتون، على الأقل بصورة مؤقتة، وذلك في تجميد برنامج كوريا الشمالية النووي القائم على استخدام البلوتونيوم، وكذلك الحصول على موافقة بيونج يانج على وقف برنامج التجارب الصاروخية. ويمكن للمنتقدين أن يجادلوا بأن ما أطلق عليه وصف النجاح في صورة ما تم الاتفاق عليه من إطار عمل عام 1994، وكذلك في صورة اتفاقية برلين لعام 1999، كافأ نظام حكم كوريا الشمالية على أمور ما كان عليه أن يقوم بها على الإطلاق، حيث إن ذلك يعد خرقاً للاتفاق مع ذلك النظام حول الأمور المتعلقة بعدم انتشار الأسلحة النووية، كما أنه مخالفة لاتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية، دون وقف للبرنامج النووي الكوري الذي كان متعلقاً هذه المرة باستخدام اليورانيوم المخصب والذي تم ضبط كوريا الشمالية وهي متلبسة به خلال الفترة الأخيرة من حكم كلينتون.

هنالك بعض الجوانب المشروعة في مثل هذا الجدل، كما أن التعامل مع أنظمة كتلك القائمة في كوريا الشمالية، يتطلب مزيدا من الحذر على الدوام، وكذلك وجود التوقعات الواقعية. ولكن فشل تلك الاتفاقية يشير إلى نية كوريا الشمالية المبيتة في عدم تنفيذها، وإلى عدم وفاء الولايات المتحدة بوعدها بتقديم مفاعلين يعملان بالماء الخفيف لكوريا الشمالية، وكذلك قضية محادثات تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين. وعلى ذلك فإن الفشل كان في تطبيق سياسة التفاوض، وليس في النهج ذاته. وقد يجادل البعض بأن التقدم الذي حصل عامي 2005، و 2008، كان نتيجة لجهود الدول الأخرى الأعضاء في مجموعة الست، حيث كان لهذه الدول، وللولايات المتحدة، دور مؤثر في البدء في تفكيك مكونات البرنامج النووي الكوري الشمالي.

على افتراض أن المفاوضات تظل أسلوباً مجدياً، ومع الاعتراف بأن مسألة التنفيذ بالغة الأهمية، فما آفاق علاقات الطرفين بعد زيارة كلينتون؟ وهل يمكن أن يسهم ذلك في عودة الحوار الثنائي، وعودة كوريا الشمالية ثانية إلى عملية عدم انتشار الأسلحة النووية؟

هنالك معضلة تواجهها الولايات المتحدة في هذا الشأن، حيث إذا كان عليها اختيار الحوار الثنائي المفتوح مع كوريا الشمالية، فإن ذلك يمكن أن يفسر بأنه خضوع لشروط كوريا الشمالية، وتجاوز محادثات مجموعة الدول الست. وقد تطلب كوريا الشمالية كذلك إنهاء العقوبات المفروضة عليها.

غير أن رفض المشاركة في أي شكل من أشكال الحوار ربما يعني، كما تقول إدارة أوباما، إقفال نافذة هذه الفرصة. ومن المنتظر استمرار الطريق المسدود المتعلق برفض كوريا العودة إلى المحادثات المشتركة، وكذلك تلك المشكلات المتعلقة بنتائج العقوبات التي فرضها مجلس الأمن الدولي بعد التجربة النووية الأخيرة التي أجرتها كوريا الشمالية.

على إدارة أوباما أن تتمسك بالفرصة، وأن تحدد الأولويات المناسبة في الأجل القصير، وأن تلجأ إلى أساليب تعامل جريئة. وبالاستفادة من قوة الدفع الناجمة عن إعلان كوريا الشمالية عن أنها على استعداد للدخول في حوار ثنائي مع الولايات المتحدة بعد الأجواء الإيجابية التي أشاعها إطلاق سراح الصحافيتين، فإن بإمكان واشنطن البدء في محادثات أولية مع بيونج يانج من خلال أروقة الأمم المتحدة. ويمكن لمثل هذه المحادثات أن تركز على عدة قضايا مثل المساعدات الإنسانية لكوريا الشمالية، بل حتى التفاوض حول التطبيع الدبلوماسي، وكذلك التوقيع على معاهدة سلام بين البلدين. وعلى واشنطن الإصرار على قيام بيونج يانج بما يجب عليها إزاء مسألة إيقاف البرنامج النووي، والعودة إلى المحادثات المشتركة، والتأكيد على أهمية العملية التي تشارك فيها دول عدة كإطار مناسب لمعالجة القضايا الحيوية التي تهم جميع الأطراف ذات العلاقة. ويجب هنا التركيز على نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، وعلى أن أمن كوريا الشمالية يمكن أن تضمنه الترتيبات الإقليمية، وعلى أن بإمكان المجتمع الدولي أن يقدم مساعدات اقتصادية مهمة، إضافة إلى دعم في مجال الطاقة لكوريا الشمالية، حيث إن بيونج يانج في حاجة إلى كل ذلك. ولا بد من ربط أي تقدم للاتصالات مع كوريا الشمالية التي هي في حاجة إلى المساعدات الدولية، بعودة بيونج يانج إلى إطار المحادثات المشتركة الخاصة بالأسلحة النووية.

لن يكون ذلك بالأمر السهل، غير أن إعادة التفاوض مع كوريا الشمالية حول البرنامج النووي أمر حيوي للغاية، بحيث لا تستطيع واشنطن وحلفاؤها أن يدعوا هذه الفرصة تضيع. وكلما طال أمد الطريق المسدود، زادت المشكلات التي يمكن أن تسببها كوريا الشمالية، وزادت مخاطر نقل الأسلحة النووية وتقنياتها إلى أطراف أخرى. إن المنشأة التي كان هنالك شك بأنها نووية التي دمرتها إسرائيل في سورية في العام الماضي هي عامل تذكير خطير بأن كوريا الشمالية عازمة على توسيع انتشار الأسلحة النووية، كما أن الأنباء التي تواترت خلال الفترة الأخيرة عن علاقات قائمة بين كوريا الشمالية وماينمار يمكن أن تكون بمثابة قنبلة نووية جديدة.

لقد أشارت إدارة أوباما إلى أنها ستتبنى نهجاً جديداً ضمن جهودها الدبلوماسية, وآن الأوان للعودة إلى دبلوماسية المحادثات متعددة الأطراف، والدخول في المفاوضات، واللجوء إلى الأساليب العملية ضمن أهداف وأولويات واضحة. إن رؤية الرئيس أوباما لعالم خالٍ من السلاح النووي، ومحادثات إدارته الخاصة بتسريع تخفيض الترسانة النووية لدى كل من واشنطن وموسكو، سيتم تقويضها ما لم تحل المشكلات النووية الخاصة بكل من كوريا الشمالية، وإيران. وعلى واشنطن أن تستمر في إصرارها على بقاء محادثات الدول الست كإطار ملائم لمناقشة القضايا المتعلقة بالتسلح النووي الكوري الشمالي، ولكن عليها كذلك ألا تستبعد المحادثات المباشرة مع الكوريين الشماليين.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: Opinion Asia

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية