حدد فضيلة الشيخ صالح بن محمد آل طالب إمام وخطيب المسجد الحرام في خطبة الجمعة الماضي أهم المعايير للمواطنة الحقة في سياق تناول فضيلته لها بمفهومها الواسع والنبيل, حينما ربط المواطنة بالغيرة على الوطن كأبرز وأدق محدداتها في ضوء المعطيات الشرعية التي جاء بها ديننا الحنيف, الذي قارب بين حب الأرض وحب النفس لقوله تعالى: ''ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعله إلا قليل منهم'', وبين فضيلته أن الناس يألفون أرضهم وبلادهم على ما فيها حتى ولو كانت قفرا مستوحشا .. مؤكدا أن حب الوطن غريزة متأصلة في النفوس تجعل الإنسان يستريح إلى البقاء فيه, ويحن إليه إذا غاب عنه, وأضاف فضيلته أن الإسلام لا يغير انتماء الناس إلى أرضهم وشعوبهم وقبائلهم, وقال: إن محبة وانتماء وولاء الإنسان لأمته المسلمة باتساعها وتلون أعراقها لا يتعارض مع مفهوم الانتماء للوطن، بل هي دوائر يحوي بعضها بعضا, كما أوضح فضيلته أنه من المغالطات الإيهام بالتعارض بين الوطنية بمفهومها الطبيعي وبين الإسلام، وأن تصور هذا التعارض ما هو إلا حيلة للنيل من الإسلام واستغلال المحبة للوطن لإيهام الناس بأن التمسك بتفاصيل الشريعة يعطل بعض المصالح. وأكد فضيلته أن من مقتضيات الانتماء للوطن محبته والافتخار به وصيانته والدفاع عنه والنصيحة له والحرص على سلامته واحترام أفراده وتقدير علمائه وطاعة ولاة أمره, واحترام نظمه والمحافظة على مقدراته الاقتصادية, وأضاف: إن لخيانة الوطن مواطن وظواهر بعضها مر على بلادنا فحسم أمره وكبت شره وبعضها لا يزال قائما يتشكل ويتلون, وبعضها يظهر باسم الغيرة على الوطن فيما هو غيرة منه، ومن ذلك ما تورط فيه شباب أغرار رفعوا شعار الإسلام وراية الإصلاح فأخطأوا سبيله فلم يجدوا سبيلا يفرغون فيه رصاصهم إلا صدور أهليهم.
ولأن الوطن ليس مجرد جغرافيا، وإنما هو شعور غريزي يتأصل في أبنائه حتى يبدوا الذود عنه، وحفظ لحمته وسداه جزء من الواجب المنوط بكل مفرداته كل من موقعه. فقد شدد فضيلته على دور الأدب في صيانة وحدة الوطن وحماية ثقافته من التغريب، مشيرا إلى بعض الروايات التي تحللت من قيم المجتمع وتقاليده وفضائله باسم الأدب وكسر الحواجز, لتصنع من بعض الانحرافات السلوكية صورة حياة متخيلة, غالبا ما وظفها المناوئون للوطن في بناء دراساتهم التحليلية عليها, ومن ثم الخروج ببعض الاستنتاجات الخاطئة والمزيفة التي لا تحاكي الواقع ولا تلامسه, قدر ما تشوه صورة الوطن والمواطن وتنال من سمعته وفضائله .. إذ لا يجوز أن توضع بعض السلبيات أو التجاوزات الشاذة التي لا يكاد يخلو منها مجتمع في مقام الصورة العامة, كما لا يجوز أن يختزل الوطن روائيا بحشر أسماء مدنه وشوارعه في بعض الأعمال الروائية التي لا تلتقط إلا الدنس لتضعه في إطار الواقع المعاش.
صحيح أننا لسنا مجتمع ملائكة, لكننا في المقابل لسنا مجتمع شياطين, واستدعاء كل ما هو خارج عن السياق العام وتوظيفه باسم الرواية أو الإبداع ثم تقديمه كملمح عام للمجتمع, إنما هو افتئات على الوطن وأبنائه حتى إن تم باسم الأدب وخيالاته .. فليس هنالك ما يسوغ هذا التنميط الافتعالي, لأن الشاذ لا يمكن أن تبنى عليه قاعدة عامة.
وباختصار فقد تناولت خطبة فضيلته كثيرا من المعاني التي تضع المواطنة في إطارها الصحيح, وتدفع باتجاه حمايتها من الخيانات الصغيرة والكبيرة، لصيانة الأمن والقيم والآداب العامة من الابتذال، والدعوة لتوظيف النقد البناء الذي يتكئ على مبدأ الغيرة والانتماء .. للإسهام في نهضة الوطن .. لا تقويض أمنه بالنيل من استقراره أو تزوير شخصيته باسم حرية الأدب من خلال بعض الصور المشوهة.
إننا مطالبون فعلا وفق هذه الرؤية الصادقة للمواطنة برفض أي سلوك قد يؤدي إلى خيانة معنى المواطنة حتى لو لم تكن الخيانة مقصودة بذاتها, مطالبون بتنقية فهمنا للمواطنة ليبقى الوطن دائما وأبدا في ذواتنا جزءا من الروح ومن القلب قولا وعملا وسلوكا, وليظل خارج حساب كل المساومات أيا كانت, سواء جاءت هذه المساومات باسم نصرة الإسلام عبر الفهم الخاطئ والمتطرف, والخروج على إجماع الأمة, أو جاءت بدافع التطوير والتحديث غير المحسوب، القائم على ضرب الحواجز وكسر التابوهات.
لا بد أن نضع الوطن، حيث يجب أن يكون في أول الضمير وآخر القلب.
