تهدد الأزمة التي طال أمدها في ماينمار النظام الإقليمي في جنوب شرق آسيا، إضافة إلى صدقية اتحاد دول جنوب شرق آسيا (آسيان). وتمثل محاكمة داوسوكي رئيسة حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، بتهمة السماح لمتطفل أمريكي بالإقامة في بيتها، أحدث التصرفات المتعجرفة من جانب النظام العسكري في مواجهة الضغوط الدولية. ويرى المراقبون أن هذه التهمة ضد سوكي هي تهمة ملفقة لمنعها من خوض الانتخابات العامة المقررة في عام 2010، حيث ستكون أول انتخابات يشهدها هذا البلد المحكوم بنظام عسكري خلال 20 عاماً.
إن عدم القدرة على التنبؤ بالشؤون السياسية في البلاد، وزيادة ثقة النظام الحاكم بنفسه، يجبران المجتمع الدولي على إعادة تفسير الوضع في هذا البلد في جنوب شرق آسيا، وكذلك إعادة تعديل أساليبه، ونهجه للتعامل مع مستغلي السلطة فيه.
لا بد لهذا البلد من القبول ببعض الحقائق، حيث من المشكوك فيه أن تكون الانتخابات المقبلة حرة وعادلة، نظراً لغياب حزب الرابطة الديمقراطية.
وكان من المتوقع أن تفوز هذه الرابطة لو أتيحت لها فرصة المشاركة في الانتخابات. وصحيح أنه ليس هنالك إجماع بين أفراد الشعب على أيديولوجية الرابطة، ولكن الناس يرغبون في دعم أي حزب سياسي تعبيراً عن رفضهم النظام العسكري الذي يعي تماماً هذه الحقيقة، وسيسعى بالتأكيد إلى تجنب أوضاع عام 1990، حين فازت الرابطة فوزاً كاسحاً في الانتخابات العامة.
وظلت هناك أسئلة كثيرة تدور حول الظروف التي أعقبت تلك الانتخابات حول القوى المشاركة في السلطة، وسياساتها، وكيف يمكن للعالم مساعدة هذا البلد في التحرك إلى الأمام. وهناك وجهتا نظر رئيسيتان متعلقتان بقضية شرعية الحكم في هذا البلد. وإذا كان من المتوقع استمرار معارضة الغرب لنظام الحكم القائم، فإن من المتوقع كذلك أن تدعم دول الآسيان هذا النظام تطبيقاً لسياستها المعلنة الخاصة باستمرار الحوار الإيجابي.
غير أن محاولة قراءة عقلية الجنرال ثان شوي، رئيس مجلس الدولة للسلام والتنمية، أمر صعب، حيث لا يمكن التنبؤ بمستقبل هذا البلد. ويرى هذا الرجل أنه كان بمثابة الزعيم العظيم الذي خلص البلاد من الاشتراكية، وفتح المجال أمام الاستثمار الأجنبي، وتوصل إلى اتفاقيات سلام مع المتمردين العرقيين، وأعاد بناء بورما العظيمة في عاصمتها الجديدة، والأهم من ذلك أنه جلب الديمقراطية من خلال التعديلات الدستورية، وإجراء الانتخابات. وإن دور هذا الجنرال في فترة ما بعد الانتخابات كان بارزاً تماماً. وسيستمر في التأثير في السياسات المحلية، كما سيستمر في تلاعبه لإدامة فترة حكمه. ولم يبق سوى الجيش جهة موحدة الصفوف في بورما. وكلما ظن المراقبون الأجانب أنهم يعرفون الأكثر عن هذا البلد، تبين أنهم لا يعرفون. وإن عدم فهم عقلية الجيش يؤدي في الغالب إلى سوء الحكم، وسوء الفهم، وإلى أساليب خاطئة في التعامل مع كل ذلك.
وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كوندوليزا رايس، ترى أن بورما بؤرة للطغيان، ولكن الولايات المتحدة تفتقر إلى موقف سياسي إزاء هذا البلد الآسيوي، وذلك على النقيض من موقفها من كل من كوريا الشمالية، وإيران. ولا يبدي كثير من المسؤولين في واشنطن اهتماماً فعلياً بما يجري في بورما، وبالتالي فإنه ينظر إلى السياسة الأمريكية تجاه هذا البلد أنها مجرد خطابات حماسية.
لا تزال سوكي تملي السياسة الأمريكية تجاه بورما، وكذلك وجهة نظر الشعب الأمريكي. وبينما يعترف الرئيس أوباما أن هناك حاجة إلى إعادة تعديل سياسته إزاء بورما، فإنه لا يستطيع فعل ذلك الآن طالما أن هذه السيدة المعارضة تواجه المحكمة. وبدلاً من أن تحاول الولايات المتحدة تحرير نفسها من عدد من القيود في بورما، فإنها مستمرة في التزامها إزاء سوكي. وقد حال ذلك الأمر دون ممارسة الولايات المتحدة لسياسة أوسع نطاقاً إزاء هذا البلد.بالنسبة إلى الصين التي ينظر إليها كراع سيد لبورما، فإن النظرة إلى قدرتها على التأثير في النظام العسكري القائم هناك، مضللة تماماً، من حيث إمكانية التقدم على طريق الإصلاح السياسي. والواقع هو أن الاعتماد الصيني الكبير على كثير من موارد بورما، وموادها الخام، أجبر الحكومة الصينية على كثير من التراجع، وعدم السماح بإغضاب نظام الحكم العسكري الحاكم هناك، حيث إن المصالح الاقتصادية تتوقف على مسؤولية الصين العالمية حين يتعلق الأمر بعلاقاتها مع بورما.
وأتاح توقيع ميثاق الآسيان في كانون الأول (ديسمبر) من عام 2008، فرصة للصين لمشاركة بقية دول هذه المجموعة في عدد من التوجهات، ومنها تحقيق الديمقراطية في بورما. وقد يكون ذلك الميثاق موضوع نقاشات حادة للغاية، حيث إن التساؤل عن وجود آسيان قوية يظهر أنه مجرد وثيقة خالية من عوامل الإلزام. غير أنه مع ذلك يقدم للزعامة الصينية ''بعض الشروط المرجعية الشرعية'' في الوقت الذي تواصل فيه الصين اتصالاتها مع بورما، ومع الآسيان.
إن هذا الوضع يعود إلى أن بورما عضو في الآسيان، كما أن الصين تعتبرها شريكاً استراتيجياً. غير أن الصين تظل تتحمل مسؤولية التزام هذه البلدان الآسيوية بمبادئ هذا الكيان الجديد. وستكون للصين القدرة على الدوام على الإشارة إلى ذلك الميثاق، أو حتى استغلاله، حين تدير علاقاتها مع بورما. ومن خلال ذلك، يصبح بإمكان الصين تحمل إعادة هيكلة سياسة بورما بطريقة أبعد عن الجوانب الشخصية، وأقل مرونة، ولكن ليس أقل حميمية.
أما من جانب الآسيان، فإن الوضع المتدهور في بورما سيعرض ميثاقه إلى اختبار حمضي إذا لم يكن قد فعل ذلك على أرض الواقع. وإن التحدي الحقيقي أمام الآسيان هو قدرة دوله الأعضاء على استخدام المواد المرجعية المتوافرة في هذا الميثاق لمواجهة التحديات في بورما. وستثبت محاكمة سوكي، وانتخابات العام المقبل، ما إذا كان ميثاق الآسيان يمكن أن يكون على قدر المسؤولية. ولم يثبت إلى الآن أنه كذلك.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: Opinion Asia
1
