الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026|1 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

بلغ الأمر حد أن أعلى شركات التقنية ربحاً في العالم تختار أن ترسم لنفسها صورة الجهة الضعيفة المثقلة بوزنها، والتي أصبحت مضرباً للأمثال.

مع ذلك، فإن هذه الصورة بالضبط هي التي حددتها شركة مايكروسوفت لنفسها في الأسبوع الماضي حين أعلنت عن تحالف طال السعي إليه مع شركة ياهو في تجارة البحث عن المعلومات على شبكة الإنترنت. فما الكيان المندفع ذو العضلات الذي ينثر الرمل في وجه «مايكروسوفت»؟ إنه شركة جوجل. وبغض النظر عما إذا كان تحالف الإنترنت الجديد هذا لن يصبح حتى مراهقاً لعامين مقبلين، فإن الأطفال ينمون سريعاً في تجارة التقنية.

لخص ستيف بالمر، الرئيس التنفيذي لـ»مايكروسوفت»، بعد يوم من ذلك، معضلة شركته، حين قال: «ربما يكون أعظم مصدر لتوليد القيمة الاقتصادية في هذه الصناعة هو اختيار الدخول في الشركات الملائمة في وقت مبكر. وحين لا تختار أن تدخل في وقت مبكر، فإنك تواجه مشكلة».

كانت استراتيجية «مايكروسوفت» ضد «جوجل» معدة منذ فترة طويلة، حيث تمتد إلى الوراء لخمس سنوات على الأقل، أي حين أطلقت «مايكروسوفت» أول محرك للبحث لديها، كما أن ذلك الجهد تكثف بعد عامين ونصف من ذلك حين انطلق بالمر في ملاحقة «ياهو».

آتت هذه الاستراتيجية ثمارها على الرغم من ذلك تم في الوقت الذي بدأ فيه حجم «جوجل» المتزايد يلقي بظلال طويلة على وادي السيلكون. وشأنها في ذلك شأن الأطفال المحبوبين، فإنه تم التسامح معها وتحملها خلال مرحلة الطفولة المبكرة، حين بدا أن مراوغاتها المميزة خفيفة الظل، مثل «لا تكن شريراً» كانت تقربها إلى نفوس الآخرين. غير أن الأثرة تتراجع وتذوي في نهاية الأمر.

لم تكن «جوجل» على الإطلاق كارهة لصنع الأعداء في صناعات أخرى مثل وسائل الإعلام، أو الاتصالات. وأما فقدان الأصدقاء في عالم التقنية، فهو ظاهرة أحدث. وإذا حكمنا على الأمور من خلال أحداث الأسبوع الماضي، فإنه أمر عليها أن تبدأ في التعود عليه.

كان أول شيء هو ارتداد «ياهو» إلى معسكر «مايكروسوفت». وعلى الرغم من أنه أقل إثارة من الاستحواذ الكامل الذي اقترحته «مايكروسوفت» في العام الماضي، فإن هذه لحظة حاسمة بالنسبة إلى وادي السليكون. وفي المركز التقني لولاية كاليفورنيا الذي طالما انتعش بروح التعاون، كانت «مايكروسوفت»، على الدوام، هي الدخيل الخارجي، أي العملاق النهاب المقبل من الشمال، والمصمم على توسيع نفوذه بما يتجاوز كثيراً مجال سيطرته على الحاسوب الشخصي.

الارتباطات والعلاقات في وادي السليكون شخصية بصورة عميقة. ولجأ سيرجي برن، ولاري بيج، حين كانا يحاولان تحويل تجربتهما العملية بعد الحصول على شهادة الدراسات العليا إلى شركة أطلقا عليها فيما بعد اسم «جوجل»، إلى استشارة طالبين سابقين في جامعة ستانفورد كانت لديهما فكرة عبقرية، وهما جيري يانغ، ودافيد فيلو، اللذان أسسا «ياهو». وأدت هذه الصداقة، وذلك الخوف المتأصل من «مايكروسوفت» في نفس إيريك شميدت، الرئيس التنفيذي، إلى التقارب بين الشركتين معاً في العام الماضي، بعد أن أطلقت «مايكروسوفت» عرضها الاستيلائي غير المرحب به. وكان تدخل الجهات التنظيمية في واشنطن هو العامل الوحيد الذي حال دون تعزيز «جوجل»، و»ياهو»، لصداقتهما من خلال تحالف متعلق بمحركات البحث كان يمكنه أن يحقق تفوقاً كبيراً على «مايكروسوفت».

تبدلت الأزمان، والولاءات. فمع الإبعاد الفظ ليانغ كرئيس تنفيذي في أواخر العام الماضي، هبطت على «ياهو» حالة من الذرائعية الجديدة بتعيين كارول بارتز الذي يتحدث بصورة مباشرة وقوية والذي حل محله. وبالنسبة إلى يانغ الذي طالما ادعى أنه دائماً أن «ينزف دماً أرجوانياً» من أجل «ياهو» (نسبة إلى لون شعار الشركة)، فإن النتيجة كان يمكن أن تكون خارج نطاق التفكير بأن يحمل بالمر قلماً أرجوانياً ضخماً الأسبوع الماضي لتوقيع اتفاقية سوف تربط بين شركتي الإنترنت.

كانت هنالك صداقة ثانية في وادي السليكون قد أظهرت كذلك علامات تفككها واهتراءها بالنسبة إلى «جوجل» في الأسبوع الماضي.

أصبح تحالفها مع شركة أبل إحدى العلاقات الحاسمة في وادي السليكون التي نشأت في هذا العقد من حطام الانهيار التقني. وكان شميدت عضواً في مجلس إدارة «أبل» منذ عام 2006، وتم تعزيز العلاقة حين جرى إطلاق جهاز أيفون من جانب «أبل» قبل عامين، حيث تمتعت أدوات وتطبيقات «جوجل» بعرض بارز على هذا الجهاز. ولذلك فإن الأمر كان إشارة إلى كيفية تغير الأزمان حين تخلصت «أبل»، في الأسبوع الماضي، من «صوت جوجل»، وهو خدمة هاتفية طموحة على شبكة الإنترنت، وأبعدته عن جهاز الأيفون.

بينما ابتعدت الشركتان عن بعضهما فيما يتعلق بأشد أسواق التقنية الجديدة سخونة، بدت مثل تلك التوترات أموراً حتمية. وبعد أشهر من إطلاق جهاز أيفون، أعلنت «جوجل» عن خططها المتعلقة بالاتصال على الهاتف الجوال، الأمر الذي أرغم شميدت على تخليص نفسه من اجتماعات مجلس إدارة «جوجل» التي كانت تناقش خلالها قضايا الهاتف الجوال. وأما إعلان «جوجل، خلال الفترة الأخيرة، عن خطط لنظام تشغيلي للحاسوب الشخصي، فإنه وإن كان موجهاً بصورة مباشرة إلى «مايكروسوفت»، إلا أن من المحتمل أنه وضعها في حالة من الصدام مع «أبل».

حتى بينما تبدأ قوتها المتزايدة بفرض إعادة تعديل وتوازن ضمن عالم التقنية، فإن «جوجل» ليست هي التي أثارت المخاوف والكره اللذين كانا العلامة البارزة لهيمنة «مايكروسوفت» على البرمجيات، أو على الأقل إن «جوجل» لم تفعل ذلك لحد الآن.

سبق أن كان الأمر بمثابة رد فعلي آلي في الغالب بين مؤسسي المشاريع، ورأسماليي المشاريع المشتركة من ذوي التأثير الواسع في مجال التقنية، أن يتجنبوا الأسواق الجديدة التي من المحتمل أن تشارك فيها «مايكروسوفت». ولم يكن لـ»جوجل» التأثير ذاته، حيث إن الشركات الجديدة التي تحاول إعادة اختراع تجارة محركات البحث، وتحركاتها باتجاه الأسواق الجديدة، لم تؤد بعد إلى جعل الآخرين يتراجعون.

يعود ذلك جزئياً لأنه ما زال على «جوجل» أن تحدث أثراً كبيراً خارج نطاق تجارة محرك بحثها المركزية، على الرغم من أنها دفعت أموالاً كثيرة من محاولات طموحة لإعادة اختراع مجالات كبرى من النشاطات على شبكة الإنترنت، وذلك امتداداً من دفعات (من خلال خدمة «جوجل» التدقيقية) إلى الاتصالات. ويقول تريفور هيلي الذي كان يعمل في السابق لدى شركة بى بال PayPal : «حين ظهرت الخدمة التدقيقية، قال إن الناس سيدفعون فقط مقابل خدمات الإنترنت عن طريق جوجل، الأمر الذي تبين أنه ليس كذلك». وأما الآن فإن هيلي، رئيس شركة جاجاه، وهي شركة خدمات اتصالات هاتفية على الإنترنت منافسة «صوت جوجل»، يصرح بفقدان شيء من نومه بسبب طموحات «جوجل».

يقول تود داجرس، الشريك في شركة سبارك كابيتال ذات رأس المال المغامر الذي ينفي أن يكون نفوذ «جوجل» المتنامي هو الذي شكّل خططه الاستثمارية: «شهدنا كثيراً من الحالات التي تكون فيها شركات التقنية الكبرى، والقوية في مجال معين، فاشلة حين حاولت الانتقال إلى مجالات أخرى».

يشير داجرس إلى سبب أعمق وراء احتمال عدم وجود ذلك الأثر القوي للغاية من جانب «جوجل» على الابتكار الذي ينافس الادعاء الذي ادعته «مايكروسوفت» في السابق. وعلى شبكة الإنترنت، حيث تسود معايير التقنية المفتوحة، فقد يكون من الأصعب على عمالقة التقنية الاحتماء وراء ذلك النوع من حواجز الدخول التي تمتعت بها «مايكروسوفت» منذ فترة طويلة بفضل سيطرتها الفعلية على معايير برمجيات الحاسوب الشخصي. ويمكن لشركة صغيرة، أن تنتعش وتزدهر في هذا العالم الجديد، دون الخوف من قطع إمدادات الأكسجين عنها، وذلك في اقتباس بكلمات أخرى لتهديد كان أحد تنفيذيي «مايكروسوفت» أطلقه ضد شركة نتسكاب، صانعة المتصفح.

لا تتمتع «مايكروسوفت» نفسها بمثل هذه الرفاهية. كما أن عدداً من المبادرات الحديثة من جانب «جوجل»، بما في ذلك تحركها باتجاه التطبيقات على الشبكة، وإطلاقها في العام الماضي لمستكشف على الشبكة، بدت بصورة مشكوك فيها أشبه بهجمات متعمدة على نقاط القوة لدى «مايكروسوفت»، أي تطبيقات برنامج أوفيس ومتصفح الإنترنت. وكان الإعلان الذي تم في الشهر الماضي عن خطط لإطلاق برنامج تشغيلي للحاسوب الشخصي من جانب «جوجل»، أطلق عليه اسم «كروم أو إس»، هو القشة الأخيرة.

أما من الجانب العملي، فمن المحتمل أن تمر سنوات كثيرة، إذا كان لهذا النظام الجديد أمل في منافسة نظام التشغيل وندوز المتخندق والمتأصل. وأخفقت تطبيقات «جوجل» على الشبكة كذلك في إضعاف تطبيقات مايكروسوفت أوفيس، كما أن «مايكروسوفت»، من خلال إعلانها، الشهر الماضي، عن تطبيقاتها الخاصة بها على الشبكة، جعلت نفسها في مركز يبقيها متفوقة على «جوجل». ولكن ذلك لا يعني أن بإمكان «مايكروسوفت» أن تجلس، ببساطة، مكتوفة اليدين وأن تتجاهل التهديد الذي يحيق بمراكزها الربحية الرئيسة.

«جوجل» و»مايكروسوفت» تشبهان مصارعين دهنا جسديهما بالزيت على الحلبة، وأخذا يدوران حول بعضهما البعض، بحثاً عن فرصة للهجوم، مع تنفيذ هجوم مخادع مصمم لإخراج الطرف الآخر عن توازنه.

بعد هذا الصراع المزيف الطويل، فإن تحالف «مايكروسوفت – ياهو» الذي أعلن عنه في الأسبوع الماضي يمكن أن يعتبر بمثابة نقطة تحول. وانطلاقاً من داخل ثالث بعيد في عالم تجارة محركات البحث، فإنه ستكون هنالك فرصة في يوم ما أمام «مايكروسوفت» لكي تتحدى «جوجل». وسيكون ذلك بعد رحلة طويلة، ولكن جائزة ذلك كبيرة، أي امتصاص بعض الأرباح التي تغذي طموحات «جوجل» الأخرى. ويقول داجرس في هذا الصدد: «إنهم يطاردون جوجل حيثما يعيشون، وهم يتوجهون مباشرة إلى البوابة الأمامية للقصر. ولا يمكن لأحد سوى مايكروسوفت أن يفعل ذلك».

ربما يفسر ذلك لماذا كان بالمر المتحمس يستخدم لغة متواضعة بصورة مشكوك فيها في الأسبوع الماضي بينما توصل إلى صفقته مع «ياهو»، حيث من المؤكد أنها لا ترقى إلى طموحاته السابقة، كما لن يكون من السهل ضمان نجاحها. ولكن بالمر كان يجد أن من الصعب عليه إخفاء حقيقة أنه حقق في النهاية ما كان يسعى إليه.

لا تتوقع «مايكروسوفت» أبداً أن تحقق الأرباح ذاتها من محرك البحث التي حققتها «جوجل». وكما يقول أحد الأشخاص المقربين إلى استراتيجيها الخاصة بمحرك البحث: «ربما ينتهي الأمر بأن يكون أقل ربحاً بدرجة عالية للغاية من نموذج جوجل».

لم يكن الهدف على الإطلاق معادلة هامش «جوجل» الربحي، حيث إن مجرد الفوز بفرصة لمهاجمة مصدر ثروات منافستها يعد أمراً كافياً. وبعد هذه الحرب المزيفة، فإن المعركة الحقيقية تظهر في النهاية إلى العيان.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية