السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

حقوق السحب الخاصة عملة دولية رسمية، أي ليس من حق المؤسسات الخاصة أو الأفراد الاحتفاظ بهذه العملة، وهو ما يميز هذه العملة عن عملات العالم الأخرى، ولذلك فإن المتخصصين فقط هم الذين لديهم علم بوجود هذه العملة، وقد تم إصدارها لأول مرة عام 1969 لتوفير سيولة إضافية للدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي عندما لم تكف الاحتياطيات الدولية في ذلك الوقت من الذهب والدولار الأمريكي لمواجهة النمو في حجم التجارة العالمية فقرر العالم إنشاء أصول احتياطية دولية إضافية من خلال الصندوق. غير أن انهيار نظام الذهب في بداية السبعينيات وتحول العالم إلى أسعار الصرف المعومة ونمو أسواق المال العالمية جعل أهمية حقوق السحب الخاصة كأصل احتياطي دولي هامشية جدا. ولذلك توقف الصندوق عن إجراء أي تخصيص إضافي لوحدات حقوق السحب الخاصة بعد عام 1981. ويرتكز تحديد قيمة وحدات حقوق السحب الخاصة على سلة من أربعة عملات هي الدولار الأمريكي واليورو والجنيه الاسترليني والين الياباني، وهي حاليا نحو 1.5 دولار أمريكي تقريبا، ويقتصر الاحتفاظ بحقوق السحب الخاصة على البنوك المركزية للدول الأعضاء.

وعندما يتم تخصيص حقوق السحب الخاصة للدولة العضو يفترض أن يحتفظ العضو بها، فإذا كانت محتفظات العضو من حقوق السحب الخاصة أكبر من المخصصات التراكمية للعضو فإن صندوق النقد الدولي يدفع للعضو فائدة على هذا الفرق، أما إذا كان ما يحتفظ به العضو من حقوق السحب الخاصة أقل من الكمية التراكمية المخصصة للعضو فإنه يدفع فوائد للصندوق على الفرق. ويتم حساب معدل الفائدة من خلال متوسط موزون لمعدلات الفائدة على أدوات الدين لمدة ثلاثة أشهر للعملات الأربع المستخدمة في تحديد قيمة حقوق السحب الخاصة، ويصل معدل الفائدة على حقوق السحب الخاصة حاليا 0.3 في المائة، وعندما يتم استخدام حقوق السحب الخاصة من قبل العضو، فإن العضو يدفع رسوما ضئيلة لتغطية تكاليف العمليات من قبل إدارة وحدة حقوق السحب الخاصة، وحتى هذه اللحظة كان الدور الذي تلعبه حقوق السحب الخاصة في المدفوعات الدولية هامشيا للغاية، حيث تم تخصيص حقوق السحب الخاصة من قبل صندوق النقد الدولي مرتين الأولى في 1970-1972 بنحو 9.2 مليار وحدة حقوق سحب خاصة والثانية في 1979-1981 بنحو 12.1 مليار وحدة حقوق سحب خاصة. معنى ذلك أن إجمالي تخصيصات حقوق السحب الخاصة حاليا هو 21.4 مليار وحدة حقوق سحب خاصة، أو ما يعادل 33 مليار دولار أمريكي، وهي كمية ضئيلة للغاية قياسا إلى حجم السيولة الدولية.

في اجتماع مجموعة العشرين اقترح قادة تلك الدول أن يقوم الصندوق بإصدار 250 مليار دولار في صورة وحدات حقوق سحب خاصة, (أي ما يعادل 161.2 مليار وحدة حقوق سحب خاصة) لمساعدة دول العالم على الخروج من الأزمة المالية ولتوفير سيولة احتياطية إضافية، ومن ثم تسهيل مهمة معالجة اختلال موازين مدفوعات الدول الأعضاء، ومحاربة الضغوط الانكماشية الناجمة عن الأزمة المالية العالمية، وتبدو أهمية هذا القرار بصورة أوضح بالنسبة للدول الناشئة والدول ذات الدخل المحدود، والتي تأثرت بشكل أكبر من الأزمة. من ناحية أخرى، فإن الإصدار سيؤدي على الأجل الطويل إلى تقليل الحاجة إلى اتباع سياسات احتياطيات مكلفة لدول العالم. والتخصيص المقترح يمثل ما نسبته 74.13 من حصص الدول الأعضاء في الصندوق لذلك ستحصل كل دولة على تخصيص يساوي النسبة نفسها من الحصص الحالية للأعضاء في الصندوق. وسيتم التصويت على التخصيص في السابع من آب (أغسطس) المقبل، وإذا ما حصل التخصيص على الأصوات اللازمة (85 في المائة من الأصوات) فإن التخصيص سيبدأ من 28 آب (أغسطس) المقبل.

التخصيص الجديد لحقوق السحب الخاصة يعد إذنا جوهريا جدا، حيث يزيد على أكثر من سبعة أضعاف التخصيصات التي تمت مسبقا من قبل الصندوق. ولكن ماذا تفعل الدول بمخصصاتها من حقوق السحب الخاصة؟ وكيف يتم التعامل فيها؟ يتم التعامل في وحدات السحب الخاصة من خلال إدارة وحدات حقوق السحب الخاصة في صندوق النقد الدولي، ويمكن للدول التي تم تخصيص حقوق السحب الخاصة لها بأن تحتفظ بها كجزء من احتياطياتها الدولية (لدى البنك المركزي)، أو يمكن استبدالها وحدات بالدولار أو اليورو أو أي عملة حرة أخرى، أو تستخدمها في تسوية أي معاملات مع صندوق النقد الدولي مثل دفع الفوائد على قروضها من الصندوق أو دفع أقساط قروضها أو استخدامها في تسديد أي زيادة في حصصها المستقبلية في رأسمال الصندوق، أو يمكن أن تقوم بالتنازل عن مخصصاتها لدولة أخرى من باب المساعدة، أو لصندوق النقد الدولي ليتولى تقديمها إلى الدول الأعضاء التي تحتاج إلى المساعدة، وفي جميع الأحوال يجب أن تتقدم الدولة إلى صندوق النقد الدولي لإعلامه برغبتها في الكيفية التي سيتم على أساسها استخدام حصتها. معنى ذلك أن هذا التخصيص الجديد سيوفر تسهيلات سيولة للدول التي تحتاج إليها، بصفة أساسية يشير الصندوق إلى أنه سيتم تخصيص 100 مليار دولار من هذا الإصدار الجديد إلى الدول الناشئة، ومن بينها نحو 20 مليارا للدول ذات الدخل المنخفض. وبالنسبة لهذه المجموعة الأخيرة يمثل هذا التخصيص زيادة بنحو 20 في المائة من إجمالي احتياطياتها الدولية، وهو ما يمثل زيادة جوهرية في مستويات السيولة لديها، الأمر الذي يمكن أن يساعدها على التكيف مع أوضاع الأزمة. هذه الزيادة الجوهرية في محتفظات العالم من حقوق السحب الخاصة تعني أن السنوات المقبلة ستشهد تطورا في الدور الذي تلعبه حقوق السحب الخاص على المستوى العالمي.

ووفقا لاتفاقية صندوق النقد الدولي فإن أساس تخصيص حقوق السحب الخاصة هو حصة الدولة في رأسمال الصندوق، ولذلك فإن حصة الدولة في رأسمال الصندوق تعد مهمة جدا لأنها تحدد القوة التصويتية للدولة في قرارات الصندوق من جانب ومخصصاتها من إصدارات حقوق السحب الخاصة من جانب آخر. ويوضح الجدول رقم (1) أكبر عشر دول في صندوق النقد الدولي، وتعد السعودية ثامن دول العالم من حيث القوة التصويتية في الصندوق. حيث تبلغ حصة السعودية في رأسمال الصندوق 3.21 في المائة، ومن ثم فإن 3.21 في المائة من القوة التصويتية في الصندوق وكذلك 3.21 في المائة من مخصصات حقوق السحب الخاصة تملكها السعودية.

ويثور حاليا بعض القلق من أن هذا التخصيص الجديد يمكن يؤدي إلى زيادة معدل التضخم عالميا، ولكن الصندوق يؤكد أنه من خلال الإدارة الجيدة لهذا الإصدار يمكن تجنب هذه المخاطر، خصوصا أن التخصيص المزمع وهو 250 مليار دولار يمثل نسبة ضئيلة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومن حجم الاحتياطيات على المستوى العالمي، وكذلك حجم التجارة العالمية. هذا هو الأثر الأساسي لهذا التخصيص في الأجل القصير، أما في الأجل الطويل فإن هذا التخصيص الجوهري سيؤدي إلى زيادة احتياطيات دول العالم دون تكلفة لهذا المصدر المميز من الاحتياطيات الدولية.

ويوضح الجدول رقم (2) مخصصات دول مجلس التعاون من التخصيص الجديد لحقوق السحب الخاصة، ومن الجدول يتضح أن التخصيص الجديد سيضيف إلى الاحتياطيات الدولية للمملكة نحو 5.2 مليار وحدة حقوق سحب خاصة، أو ما يعادل 7.8 مليار دولار، يليها وبفارق كبير الكويت، التي ستحصل على مليار وحدة حقوق سحب خاصة تقريبا. وبالنسبة للبحرين، أقل الدول من حيث التخصيص، ستحصل على 100 مليون وحدة حقوق سحب خاصة.

ولكن كيف يعمل سوق حقوق السحب الخاصة؟ حتى هذه اللحظة يعمل سوق حقوق السحب الخاصة على أساس اختياري، وذلك من خلال اتفاقيات بين صندوق النقد الدولي و13 من أعضائه للتعاون مع الصندوق في بيع أو شراء حقوق السحب الخاصة، وهذه الاتفاقيات الاختيارية تشكل سوق حقوق السحب الخاصة، وفي حالة ما إذا رغب عضو ما في بيع حقوق السحب الخاصة ولم يجد الصندوق مشترين كافيين على أساس اختياري فإن من حقه أن يلزم أعضاءه الذين يتسمون بموقف ميزان مدفوعات قوي بالشراء وتقديم العملة الحرة التي يرغب فيها البائع لوحدات حقوق السحب الخاصة وهو ما يسمى آلية الإلزام أو التعيين Designation mechanism، وقد ساعد صغر الإصدار من حقوق السحب الخاصة في الماضي على نجاح مثل هذه الاتفاقيات الاختيارية.

وفي رأيي أنه ربما كان هذا النمط المؤسسي للسوق مناسبا في الماضي، حيث كان الإصدار من حقوق السحب الخاصة محدودا، الآن من المؤكد أن الصندوق سيحتاج إلى البحث عن أطر أفضل لضمان سوق أكثر ديناميكية لحقوق السحب الخاصة، فربما لا تكفي اتفاقيات الشراء الاختياري لسوق يزيد على 280 مليار دولار. ويسعى الصندوق حاليا إلى إنشاء اتفاقيات اختيارية جديدة وتوسيع نطاق الاتفاقيات الحالية لضمان زيادة التعامل في حقوق السحب الخاصة، ولتمكين الدول التي تحتاج إلى احتياطيات من الحصول على الكميات الكافية للوفاء باحتياجات ميزان مدفوعاتها دون تأخير. وإن كنت أعتقد أن مثل هذه الاتفاقيات غير كافية وقد تهدد جاذبية حقوق السحب الخاصة إذا ازداد الطلب على عمليات تحويلها ولم يتمكن الصندوق من توفير المشتري لهذه الحقوق في الوقت المناسب.

بهذا الإصدار يدشن صندوق النقد الدولي حقبة جديدة لحقوق السحب الخاصة. نحن إذن على أبواب دور جديد تلعبه حقوق السحب الخاصة على المستوى العالمي، حيث من المتوقع أن تلعب دورا أكبر في هيكل احتياطيات دول العالم، خصوصا إذا ما قرر الصندوق تخصيص كميات إضافية منها في المستقبل. ولكن هل ستلعب حقوق السحب الخاصة الدور المأمول لها عالميا، والذي ألمحت إليه الصين أكثر من مرة؟ الإجابة لأسباب كثيرة هي لا، وذلك للقيود العديدة على حقوق السحب الخاصة كأصل احتياطي عالمي، ولكن من المؤكد أن دورها الدولي في تصاعد.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية