انتشرت حمى الشهادات في المجتمعات الخليجية خلال السنوات الماضية، فأقبل عاشقو الألقاب العلمية على دكاكين بيع الشهادات المنتشرة في معظم المدن السعودية، للحصول على شهادات من جامعات وهمية أو غير معتمدة. فحصل بعض رجال الأعمال ومدرسي المرحلة الابتدائية على شهادات دكتوراة دون رصيد علمي، يدفعهم إلى ذلك تقديس الشهادات والطمع في كسب مكانة اجتماعية زائفة.
إلى جانب هذا الطريق السهل للحصول على الشهادة برزت على الساحة ظاهرة أخرى لا تقل خطورة، وهي الحصول على الشهادات العليا من بعض الجامعات العربية التي لا تحترم سمعتها أو سمعة الدول التي تنتمي إليها. هل تصدق أن بالإمكان الحصول على شهادة الماجستير أو الدكتوراة في ستة أيام! كان نتيجة ذلك أن تدفق عدد كبير من حملة هذه الشهادات إلى وزارة التعليم العالي بطلب معادلة هذه الشهادات, ولكن الوزارة تصدت لهذه الظاهرة من خلال تدقيق الشهادات وتمحيصها قبل معادلاتها. وللحقيقة، تُعد إدارة المعادلات في وزارة التعليم العالي أحد صمامات الأمان لحماية المجتمع من تسلل الشهادات المزيفة والوهمية إلى سوق العمل.
وهناك ظاهرة أخرى تستحق الاهتمام ولو أنها أقل خطورة من سابقتيها. وأقصد بها اختيار بعض الطلاب الدراسة في جامعات مغمورة وكليات صغيرة وذات مستوى علمي متدن. ألا يطمح هؤلاء أن يفخروا بالحصول على شهادة من جامعة معروفة ومرموقة؟! حقاً إنه لمثير للاستغراب أن ''يتغرب'' الطالب بعيداً عن وطنه وأهله، ليدرس في كلية صغيرة وهزيلة، وينطبق على حالته المثل القائل: ''يصوم دهراً ويفطر على بصل''، أي يسافر للدراسة في بلدان بعيدة ليقضي سنوات من عمره في جامعة لا موقع لها من الإعراب على خريطة التعليم الجامعي.
ولكن مما يطمئن أن وزارة التعليم العالي اتخذت خطوات جديرة بالتقدير لمعالجة القضايا الثلاث التي أشرت إليها من خلال الجهود التالية: (1) قامت – مشكورة – خلال الأسابيع القليلة الماضية بإقفال 52 مكتباً من مكاتب التنسيق للحصول على شهادات وهمية. (2) قامت – أيضاً - بتشجيع الجامعات السعودية ودعمها – مادياً - لفتح برامج موازية لبرامج الدراسات العليا، من أجل استيعاب الراغبين في الدراسات العليا الذين لا يمكن قبولهم في برامج الدراسات العليا القائمة, وكذلك هي خطوة رائدة تمكن الطلاب الذين لا يستطيعون السفر خارج المملكة، وتحد من تسجيل الطلاب (الطموحين) في جامعات هزيلة في بلدان مجاورة، خاصة أن الجامعات السعودية تتمتع بمستوى جيد مقارنة بالجامعات العربية وبعض الجامعات الأجنبية. (3) تستمر الوزارة في تنفيذ برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث.
وعلى الرغم من هذه الجهود التي ستسهم في حل كثير من المشكلات، وستؤدي – بإذن الله – إلى رفع مستوى كفاءة القوى العاملة الداخلة لسوق العمل، إلا أن هناك مسؤولية على وسائل الإعلام، وجميع أفراد المجتمع لإنكار الشهادات التي تفتقر للرصيد العلمي، امتثالا لتعاليم ديننا الحنيف الذي يحث على إتقان العمل، ويمقت الغش والخداع.
وفي الختام ينبغي ألا ننسى أن المنافسة على المستوى العالمي تزداد ضراوة، وأن تقدم المجتمع السعودي لا يمكن أن يستمر على أكتاف العمالة الوافدة، خاصة إذا كان طموح البعض لا يتجاوز الحصول على الشهادة وتقلد الألقاب بأية طريقة.
