د.مصطفى عيد مصطفى ابراهيم:
أتذكر وأنا في سن الصبا- نعم لقد كبرت وترك الزمن علاماته على ملامحي المادية والنفسية،لعل من أقلها أن شعر رأسي أصبح كحقول البترول فى توزيعه ،حيث المسافات المتباعدة بين خصلاته لحد جعلني أمازح أصدقائي بأنه فقط ثمة سوء في التوزيع - أعود وأذكرك معي بأنني كنت -ومازالت- شغوفا بالسينما المصرية وكلاسيكيتها على وجه الخصوص ـ وأتذكر دوما فيلم العملاق طه حسين دعاء الكروان وانبهاري بعبقرية أداء فاتن حمامة وبراءة رجاء الجداوي وسذاجة زهرة العلا وفروسية احمد مظهر وقسوة عبد العليم خطاب وإنسانية أمينة رزق وبراعة القدير بركات .
حيث الأسرة الفقيرة التي توفى عائلها ليتركها تتلاطم وتتصارع مع الحياة وقسوتها.ولم أكن أعي وقتها ما سبب نبرات الحزن الدفين في أصوات اليتامى وقسوة الزمن في صوت الأم ،وعجز عقلي عن إستيعاب بعد الأهل والخلان وترك الأسرة المتهالكة ذات الولايا عديمي الحيلة في مهب الريح.وشل تفكيري تماما عن معرفة دوافع مهندس بمكانة اجتماعية مرموقة أن ينهش أعراض العذارى ولماذا إنكسر على طريقة غرام الأسياد. وأقنعت نفسي وقتها ولحين من الوقت وبحكم العمل والتخصص في مجال علم الاقتصاد بان السبب وراء ذلك هو'الفقر' ذلك اللعين الذي يقهر الرجال ويدفن القدرات الجسمية والذهنية ويجعل الناس أسرى للاحتياجات الدنيا من الأشياء فتدق أعناقهم وعقولهم وتجرد إنسانيتهم.
وبمرور الوقت والأيام،وزعمي بصقل المعرفة وتكاثر الخبرات والتجارب،وجدت -ووفقا لرؤيتي التي قد تكون ضيقة-إن ما نعيشه فى أيامنا هذه ما هو إلا فيلم دعاء الكروان---وعرفت أن السر وراء الهجر والقسوة والوحدة والغلظة-مع الفقر- هو 'أزمة الحب' أعذرني قارئي العزيز فانا اقتصادي لذلك فأنا أميل إلى تعبيرات أزمة وفائض وعجز .
نعم هو غياب الحب الذي جعل عائل الأسرة لا يكترث بأسرته، فراح يلهو حتى أؤتى حتفه دون أن يخلف لهم أي ضمانات للحياة ولا السمعة الطيبة التي تيسر عليهم سبل العيش. وغياب الحب الذي جمد أحاسيس الخال فقسا على أخته وبناتها،وغياب الحب الذي جعل بالمهندس ينهش الأعراض كحفار القبور.وهو الحب الذي أصلحه وهو الحب الذي جعل من أسرة المأمور أسرة هادئة وراضية.
وهو الحب الذي جمع اللدودين وهو أيضا دافع التضحية بالنفس قبل المال لما كانا لدودين. ورأيت أن حياتنا بكل مشاكلها وما بها من أزمة مالية وعمالية وإنتاجية و تصديرية وإدارية وضميرية بل وارتباطيه وفك الارتباطين 'زواج وطلاق' ومالذ وطاب من أزمات أخرى وراءها محرك هام أسمه 'أزمة الحب' آسف فالطبع غلاب، غياب الحب. نعم غياب الحب بين الأسرة وفى المؤسسات وبين الأفراد والحكومة بل وغياب الحب بيننا وبين الخالق سبحانه وتعالى،هذه العلاقة التي لخصتها رابعة العدوية في تصوف المحبين منادية ربها :يا رب إن كنت أعبدك طمعا في جنتك فلا تدخلني إياها،وان كنت أعبدك خوفا من نارك فأدخلني إياها،فهو الحب للحب وليس المظاهر والشكليات والجلباب والذقن وتقدم قدم عن قدم . لقد أصبح غياب الحب هو المنسق العام 'الفوضوي'لأدائنا.
لا ترميني سيدي القارئ بالرومانسية ـرغم أنها تهمة لا أنفيها ،وشرف لا أدعيه- ولكن أليس المولى عز وجل هو القائل لرسوله صلى الله عليه وسلم'ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك'.
أصبح البغض محرك حياتنا فبغض الأب أسرته والولد أبويه والموظف لمديره والمدير لمرؤوسيه والتلميذ لمدرسته ومدرسيه وأصبحنا نعيش في دوائر مفرغة من البغض والكره،وامتلأت صفحات الجرائد وشاشات التلفاز بجرائم الهجر والقتل والانتقام . ،ألم نكره المكان واستملحنا القبح فساد وطاغ وانتشر وحكم.ألم ينعدم الحب في مؤسساتنا فأنخفض الأداء وضعفت الإنتاجية حتى أصبحنا أمة مستباحة بين الأمم، يحافظون عليها فقط من أجل الاستهلاك وتشغيل الأسهم واستيراد منتجاتهم وتحولنا لآمة مشاهدة في استاد الحضارة الإنسانية.
إن الحب كفضيلة وقيمة اختفت من قاموس حياتنا واختفى معها الابتسامة وكلمة الشكر والعرفان بالجميل. ولم يعد الحب كفضيلة وقيمة ايجابية إلا لكل ما هو سلبي، حب للمال دون جهد،حب للفهلوة والسمسرة دون كد،حب للجاه والمنصب المصحوب بالغرور والغطرسة دون علم.
وارتبط تهاوى قيمة الحب للايجابيات في حياتنا بتهاوي قيم أخرى ساعدت على تهاوى المجتمع ،فانعدم الحب لقيمة التعليم الحقيقي ليستبدل بحب ظاهري أختزل في تحقيق درجات وهمية ونجاح زائف لا يأخذ بيد المجتمع من ظلمات الأمية والجهل ،وأنعدم الحب للإنتاج الحقيقي لقيمة العامل المنتج والحرفي الماهر ليتطنتع شبابنا على المقاهي أو في كازينوهات المهجر كغاسلين للأصحن والأواني أو بائعي جرائد وورود أو متعهدي شركات نظافة ثم نتساءل لماذا نحن غير مؤثرين كغيرنا.
إن الحب يجعلك تفعل ما لا تحب وما لا تستطيع.الحب هو الذي جعل شاب بسمرة الأرض والنيل يعبر مانع مائي ويقهر ساتر ترابي في بضع ساعات ليسترد شرفه وأرضه والحب هو الذي جعل قادته يخططون ويبتكرون وينتصرون. والحب يجعلك لا تنتظر نتيجة ولا تنظر للسبب، فتضيع معه 'إن' و 'لو' ،فلا شرط لكي تقدم وتضحي وتنتج وتعمل وتدافع وترتقي وتسمو. فالحب فضيلة في حد ذاته تجعلك تسمو بنفسك وان تمنح قدر استطاعتك.
نحتاج إلى بث الحب بيننا،ونحتاج أن يحبنا وزرائنا وحكامنا ونحتاج أن نحبهم، نحتاج أن يعلم الوزير انه يخدم الناس لأنه يحبهم ولأنه منهم ، ونحتاج أن يكون الحب للإنسان لكونه إنسان وليس لأنه ابن فلان أو علان،ونحتاج أن نحب أوطاننا، فلا نسمع عن سرقة أنفسنا،فكيف نسرق كابلات التليفونات وأسلاك الكهرباء وإشارات الطريق وأغطية البالوعات،وكيف نترك الطرق تزينها الحفر والمصائد والمطبات العلوية والحفر السفلية، وكيف نحرم الناس من ماء الشرب وان نتركهم محاصرين في مياه المجارى،وكيف نترك مستشفياتنا وأقسام الشرطة والسجل المدني والمدارس والنوادي وغيرها. أبدا ،،أبدا،،ليس قصورا فى الموارد والإمكانيات ....بل قصورا في الحب ،نعم والانتماء للمكان،،،،هذا القصور الذي يجعل المسئول يأمر برصف الشارع ليهدمه في اليوم التالي،ونجدد النوافذ بالمدارس ونحليها بالزجاج لتتساقط بالحجارة والطوب في ظهيرة نفس اليوم،والطلاءات والتجديدات التي تكلف الملايين والملايين من الجنيهات.
