لا أعرف كيف أصبحت "الدرع" وسيلة شكر وتقدير وجائزة تعطى في المناسبات والاحتفالات, فأنا بتاريخ الدروع غير مطلع. ولا أعرف كيف تم تطورها من آلة حربية دفاعية إلى أن أصبحت الدرع اليوم وسام فخر يحتفظ بها المدير والعامة من الناس ممن حظوا بحظ الفوز بها. كذلك أنا لست من خبراء اللغة لمعرفة الربط اللغوي واللفظي بين درع اليوم ودرع الأمس وأيتهما أشرف معنى وأفضل قيمة؟ كيف أصبح هذا الصفيح المعدني ذا معنى كبير في ثقافتنا وفي تعبيرنا ومكافآتنا لمن قيمنا تمييزهم؟ ولا أعرف أيضاً كيف أصبحنا نمنح الدروع بعداد كبيرة ومتزايدة وبالذات في العقدين الماضيين؟
حضور الدروع في ثقافتنا الإدارية السعودية قوي مقارنة بالدول والثقافات الإدارية الأخرى, فتجد الدروع حاضرة ومتزاحمة في مكاتب المسؤولين الحكوميين والمديرين التنفيذيين والمديرين الذين ما زالوا في طور البروز. هل هذا لنجاحنا إدارياً أم أن الدرع تحمل رسائل أخرى لا يعيها من زخرف وجمل مكتبه بدروع اليوم؟ أم أن السبب يرجع إلى كثرة احتفالاتنا الخطابية التي أصبحت أكثر من روتينية فحضرت الدرع فيها لتضفي عليها شيئا من الحضور التجسيدي المُذّهب وللتذكير بتلك الحفلة التي غُيّبت خلف الخطب! لماذا أصبح حضور الدروع مرتبطا بأي حضور جماعي؟ وهل كان للحضور أن يتم إذا لم تحضر الدرع؟
كثرة الدروع تدل على رخص جوائزنا وزيف تقييمنا لما هو مهم في حياتنا وعلى عدم اهتمامنا بتمييز من يستحق التقدير حقاً. أصبحت الدروع وسيلة لإخفاء الإخفاق وستارة على الفشل وحجاب على الوجه الإداري الحقيقي الذي أخفته دروع النجاح والتقدير! إن أصبح منح الدروع عادة فهي وبلا شك سيئة فيجب ألا يصبح تقديرنا مجرد عادة! بما أن الدروع في مجملها تعد تقديرية لعمل أو نجاح معين فإن كثرتها يعني أننا من أنجح الشعوب وأنشطها, غير أن هذه العادة تعني أننا من الشعوب القليلة التي زادت في تقديرها "الدرعي" على أبسط الجهود! هذه العادة سيئة لأنها تغمر الذات الإدارية بما لا يوجد فيها, قاصمةً لظهر الطموح والتطلع للمستقبل, سيئة لأنها تشبع الذات بالإطراء فلا تدع سبيلاً أمام "المدرّع" (من فاز بدرع) سوى الإحساس بالاكتفاء النفسي الافتخاري سالبةً منه الطاقة اللازمة للإنتاج والإبداع وهو الذي يظن أنه حقق أعلاها وأسماها!! الخطر يتمثل في عدم وجود درع أمام عواقب التدريع المفرط والسهل جداً.
حكاية "الدرع" حكاية تغير ثقافي بدأت بمواجهة الحياة وتحدياتها فكانت تصون الأرواح والأوطان في معارك الذات وتصديقها والدفاع عن عقيدتها لتصبح اليوم حكاية كرم رخيصة لم تعد تحقق التحفيز أو الرفع من معنويات المجتهدين في معارك اليوم الإدارية فتسلم الدروع أصبح أمرا مسلما به ومتوقعا! ما يقلق في الأمر وفي ظل قوة حضور الدروع في حياتنا اليوم هو الدلالة على أننا نحب الحصول على الجائزة حتى وإن لم نعمل على إنجازها أو لم نكن من حقق الإنجاز. الدروع والجوائز تعطى لتشجيع الآخرين على العمل بجهد أكبر لنيل مثل هذه الجوائز ولكن عندما يكون مسلما بها أو تعطى بكميات كبيرة لمن قدم القليل فإنها ضارة وعواقبها على ثقافتنا وإنتاجيتنا سلبية. ما نقوم به اليوم له تأثيره فينا في الغد, فالرسالة التي يستقبلها أطفالنا في كرمنا غير الدقيق في إعطاء الدروع لن يشجع ثقافة العمل الجاد والشاق لتحقيق ما يستحق عليه الجائزة.
