"الفقر هو الموت بشكل مختلف"
مثل لاتيني - روماني
في الماضي ـ وربما في الوقت الحالي ـ كانت الأسر الفقيرة في غالبية دول العالم، تلجأ إلى شعر بناتها، في سياق مواجهتها لأزمة مالية أسرية ـ لا عالمية طبعا ـ وذلك ببيع الشعر إلى الحلاقين والمزينين، الذين يبيعونه بدورهم، إلى النساء القادرات على التزين به. وكانت أسر من الشريحة نفسها، تبيع أيضا أسنان أفرادها الذهبية ـ إن وجدت - في أوقات الشح المالي، فقد كانت تتعاطى مع هذه الأسنان كنوع من "الادخار الأصفر" لليوم الأسود. وفي الأزمنة الحديثة، نشطت "تجارة" بيع الأعضاء ـ غير الشرعية ـ و"التبرع" بالدم، وحتى بالحيوانات المنوية بمقابل مالي، لا أعرف كيف يتم تحديده. ونشطت أيضا ـ في حدود ضيقة ـ عمليات بيع البويضات الأنثوية، إلى النساء اللواتي يرغبن في الإنجاب، لكنهن لسن قادرات على ذلك ذاتيا. أما لماذا "في حدود ضيقة"؟ لأن هذا النوع من الأعضاء البشرية، ليس مطواعا في الاستخدام، فهو يخضع لمعايير طبية دقيقة، فلا المانحة تضمن الجودة الدائمة لبويضاتها، ولا المتلقية قادرة على الاستقبال التلقائي لها.
الأزمة الاقتصادية العالمية ـ ويا لها من أزمة - أعادت الازدهار إلى نوعين من هذه "التجارة"، ولكن بصورتين مختلفتين، وإن تماثلتا في الهدف. الأولى: بيع البويضات الأنثوية بصورة معلنة، عن طريق عيادات متخصصة ومشرعة الأبواب. والثانية: بيع الأعضاء البشرية بصورة سرية، بواسطة عيادات ـ مغلقة الأبواب إلا "للزبائن"- تفتقر غالبيتها إلى المعايير الأخلاقية، والتدقيق الحكومي، فالحراك السري ـ بصرف النظر عن ساحته ـ هو أكثر النشاطات الخارجة عن ضوء الرقابة، وحقائق الأرقام. وأوجدت الأزمة ـ من ضمن ما أوجدت ـ ثقافة تستهل هذا النوع من التجارة، وتنزع عنها جزءا من شكلها الإنساني، وتبرز طلتها المشينة. وإذا ما استمرت وتيرة ضربات الأزمة من الناحية الاجتماعية - المعيشية، فلا غرابة في تحول هذه "التجارة" إلى "صناعة"، تقف جنبا إلى جنب مع الصناعات المختلفة الأخرى.
ووفق هذه المتغيرات، تجاوزت الأزمة الاقتصادية في استحقاقاتها الاجتماعية، بيع "مجوهرات الزوجة"، أو "نحاس المنزل".. أو حتى بيع المنزل نفسه، وفتحت "أسواقا" جديدة، بعدما وسعت الأسواق القديمة، لـ "البضائع البشرية". ولأن الأزمة عالمية، فقد "عولمت" هذه التجارة، لتشمل الدول الغنية والفقيرة، بكل مسمياتها: المتقدمة والنامية والناشئة، ففي الولايات المتحدة وأوروبا، ازداد ـ حسب الأرقام المتداولة ـ عدد النساء اللائي يعرضن بويضاتهن للبيع، فالمبلغ الذي تطلبه "البائعة" يصل إلى عشرة آلاف دولار. وحسب "المركز الأمركي لخيارات البويضات" The Center for Egg Option، الذي يتخذ من ولاية إيلينوي مقرا له، فقد ارتفعت طلبات الحصول على معلومات للتبرع بالبويضات منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية، أكثر من 40 في المائة. أما "مجموعة نورث إيست" الأمريكية أيضا Northeast Assisted Fertility Group، المتخصصة في المساعدة على التخصيب، فقد أعلنت من جانبها، أن هذه الطلبات ارتفعت إلى الثلثين، وفي مركز كولورادو الأمريكي لعلاج الخصوبة Infertility Treatment، فقد زادت الطلبات نفسها التي تتلقاها بنسبة 10 في المائة. واللافت أن الجمعية الأمريكية لعلاج الخصوبة American Society for Reproductive Medicine ، قامت بتحديد سقف سعر البويضة، على أن لا يتجاوز العشرة آلاف دولار. وحسب الجمعية نفسها، فإن متوسط ما يدفع للمتبرعة- البائعة الأمريكية، يبلغ 4216 دولارا.
إنها التجارة التي تزدهر إذا. إنها "البويضات البيض.. للأيام السوداء"!. إنها مثل نحاس المنزل، ومجوهرات الزوجة، وشعر البنت، والسن الذهبي. ولاشك أن الأسعار تتحدد حسب "جودة" المنتج ـ بفتح التاء ـ والمنتج ـ بكسر التاء، وربما يكون جمال "البائعة"، محفزا للإقبال على بويضاتها، وعليها ألا تقلق في تسديد فواتير بطاقاتها الائتمانية، بعدما خسرت عملها! إنها الأزمة التي حولت الأرحام، إلى ماكينة إنتاج لـ "التصدير" لا لـ "الاستهلاك المحلي"! إنها الأزمة.. التي خفضت مبيعات السيارات، لكنها رفعت مبيعات البويضات! وضربت الأسواق المالية، غير أنها دعمت أسواق الأعضاء البشرية بشكل عام.
وإذا كانت "سوق" البويضات واضحة المعالم، بأرقامها وإحصائياتها. فالأمر ليس كذلك بالنسبة لبيع الأعضاء البشرية الرئيسية الأخرى. فحتى الآن، لا يوجد قانون محكم في هذا المجال، في كل دول العالم المتقدمة وغير المتقدمة. والقوانين التي تنظم عمليات التبرع بالأعضاء، من أكثر التشريعات ضبابية، ليس من جهة "الزراعة"، بل من جهة أصلها ومنشئها. وفي خضم الأزمة العالمية، ارتفعت أيضا هذه " التجارة" المريعة. فإذا كانت البويضات الأنثوية خاضعة طبيعيا للإنتاج المستمر، فهل تخضع أعضاء مثل الكلى والكبد والرئة لنفس عملية الإنتاج الطبيعي؟ بالطبع لا. فهي كالمسافر بغير رجعة.
لا أحد يستطيع أن يوفر أرقاما واقعية لبيع الأعضاء البشرية. وقد جهدت مؤسسات ومنظمات عديدة للوصول إلى حجم تقريبي لحركة البيع هذه، لكنها فشلت. فـ "البائع" و"المشتري" و"الوسيط"، والطبيب لا يرغبون في الإعلان عن عملياتهم التجارية، لماذا؟ لأن السرية هي أساس هذا الحراك الطبي، الذي حصل على الوقود الكافي من الأزمة للازدهار والنمو. وإذا كانت "تجارة" البويضات قد ازدهرت أكثر في الدول المتقدمة، نظرا للتقدم الطبي فيها، وتراجع مستويات الخصوبة أيضا (حسب الإحصاءات الرسمية في الولايات المتحدة سيصل عدد النساء اللائي سيعانين من عدم الخصوبة بحلول عام 2025 إلى 7.7 مليون امرأة)، فإن تجارة الأعضاء البشرية أكثر ازدهارا في الدول الفقيرة، ويستفيد منها ـ غالبا ـ أشخاص في الدول الأكثر ثراء.
تحاول وسائل الإعلام الرصينة في الدول الغربية، أن تلقي الضوء بصورة مستمرة على هذه "التجارة"، غير أنها تواجه ـ مثل المؤسسات الأخرى ـ مشكلة تحديد حجمها، مرة أخرى.. بسبب السرية المفرطة التي تنشط في ظلها هذه "التجارة"، علما أن القضايا التي رصدت - في هذا الشأن ـ كثيرة وكبيرة، وفي كثير من الأحيان قبيحة، ولاسيما في أعقاب استفحال الأزمة الاقتصادية العالمية. فبيع الكلية الواحدة، ربما يزيح عجزا لعدة أشهر في أقساط القرض العقاري، ويمنح الأسرة مزيدا من الوقت للعيش في منزلها، قبل أن تطرد منه. ويمكن أن يسدد قسطا جامعيا، أو أقساط بوالص التأمين ـ إن وجدت. ومع ارتفاع عدد العاطلين عن العمل ـ ولا سيما في الدول الفقيرة ـ فإن عمليات بيع الأعضاء سترتفع بصورة مطردة، مع تراجع مخصصات الدول المانحة للبلدان النامية، وفي ظل الفوضى الاقتصادية في هذه البلدان، التي وصلت إلى أوجها بفعل الأزمة.
إن بيع الأعضاء البشرية، بسبب الحاجة المادية، هو أبشع أنواع "التجارة" قاطبة. وإذا كان هناك طبيب مجرد من الأخلاق، فيجب أن يكون هناك مسؤول يعيش بها. وعلى الحكومات أن تتحرك الآن وبسرعة، قبل أن تتحول هذه التجارة إلى صناعة، لأن الأزمة الاقتصادية أصابت حتى المحرمات، ولا تزال تنشر حممها في كل الأرجاء، فبعد أن أنعشت "تجارة" الأعضاء البشرية والبويضات الأنثوية، قد تنعش سوق الاتجار بالأطفال، وهي أيضا من أشد الأعمال بشاعة ودناءة، وأكثرها سرية.
