شن الجيش الباكستاني هجوما جديدا على طالبان، وتأمل أمريكا أن يكون أكثر جدية الآن بشأن القضاء على المقاتلين.
حين كشف باراك أوباما عن سياسته الجديدة لباكستان وأفغانستان في آذار (مارس)، حذّر من أن القاعدة وطالبان والعصابات الجهادية الأخرى "يقتلون باكستان من الداخل". وقال إن الجنرالات الذين يحرسون الأمن القومي في باكستان أظهروا "نتائج مختلطة" في مكافحة هذا التهديد. ولن يحصلوا بعد الآن على "شيك على بياض"؛ فعليهم أولا أن يثبتوا أنهم يقاتلون بحسن نية.
وفي السادس والعشرين من نيسان (أبريل)، أعطت باكستان لمحة من هذا: عن طريق شن هجوم على طالبان باكستانية في أجزاء من المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية التي سيطر عليها المسلحون أخيرا. وبدأت بشن هجوم في Lower Dir، قرب الحدود مع أفغانستان، التي يزعم الجيش أنه قتل فيها 70 مسلحا وفقد عشرة جنود، وتم تشريد نحو 30 ألف شخص.
وفي الثامن والعشرين من نيسان (أبريل)، شن الجيش هجوما أكبر في وادي Buner، الذي يبعد 100 كم (62 ميلا) فقط عن إسلام أباد، العاصمة الباكستانية. وقصفت الطائرات المقاتلة مواقع طالبان، وأخذت طالبان نحو 70 من رجال الشرطة والجنود رهائن. ولكن في بادرة تظهر تصميما أكبر من ذي قبل، قال الجيش إنه تم إنزال القوات المحمولة جوا وراء خطوط طالبان وإنها حررت 18 من الأسرى. وقال اللواء Athar Abbas، المتحدث العسكري، إنه تم قتل 50 مقاتلا في أول يومين من القتال. وقال إن طرد طالبان من Buner سيستغرق أسبوعا من الزمن.
ويبدو أن أحد الأسباب التي أدت إلى إثارة ردة الفعل العنيفة المفاجئة هذه هو التقارير الإعلامية المحرجة عن سيطرة طالبان على Buner. وجاء كثير من المقاتلين الملتحين من مقاطعة سوات القريبة، وهي معقل طالبان، والتي توسطت فيها حكومة المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية، تحت إلحاح الجيش، لاتفاق لوقف إطلاق النار مع المقاتلين في شباط (فبراير). ووفقا لشروط هذا الاتفاق، وعدت الحكومة بإقامة قانون الشريعة الإسلامية في جميع أنحاء قسم Malakand (التي تشكل مقاطعاتها السبع، بما فيها سوات وBuner، نحو ثلث منطقة المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية). وفي المقابل، يجب على طالبان المحلية، بقيادة المتشدد الملا فضل الله، أن تضع أسلحتها.
وكان تقدم طالبان في Buner، المنطقة التي قاومت حكم طالبان، انتهاكا للاتفاق، ولكن في البداية، لم يبدُ أن الحكومة أو الجيش مهتمان بذلك. وشعرت أمريكا، التي عارضت اتفاق سوات منذ البداية، بالغضب. وفي الثاني والعشرين من نيسان (أبريل)، قالت وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، إن باكستان بدأت تتحول إلى "خطر مميت" على العالم؛ ويجب على حكومتها وشعبها "رفع أصواتهم لمعارضة السياسة التي تتنازل عن مزيد من الأراضي للمتمردين". وفي الخامس والعشرين من نيسان (أبريل)، عبرت عن قلقها على سلامة ترسانة باكستان النووية إذا "أسقطت طالبان الحكومة".
واعتبر الدبلوماسيون الغربيون هذا إنذار خطر يثير الخوف دون مبرر. فطالبان قريبة من إسلام أباد لأنه تم بناء العاصمة بالقرب من المنطقة الحدودية الوعرة التي تعيش فيها قبائل البشتون. إلا أن استيلاءها على إسلام أباد أمر مستحيل. وإذا حدث أن اتحد قادة الحرب المتفرقين الذين يشكلون طالبان باكستانية لشن هجوم، سيسحقهم الجيش الباكستاني، البالغ عدد أفراده 620 ألفا والذي يملك خبرة كبيرة في الحروب التقليدية. وفي الواقع، يعتقد كثير من النقاد أنه لن يتمكن الإسلاميون في باكستان من الاستيلاء على السلطة إلا إذا حصلوا على دعم الجيش.
ولا تتمتع طالبان، التي ينحدر معظم أفرادها من البشتون، بالشعبية في الباكستان. فمعظم باكستانيين معتدلين، وإن كانوا غالبا مناهضين لأمريكا وساخطين بسبب الحدود المتطرفة المتزايدة. وخلافا لبعض قادة طالبان، لا يعرف عن فضل الله أن له علاقات مع القاعدة. إلا أن تحذير كلينتون يشير إلى حقيقة مزعجة: منذ عام 2001، وعلى الرغم من الرعاية الأمريكية الكبيرة، بما في ذلك أكثر من 10 مليارات دولار كمساعدات عسكرية، إلا أن باكستان تزداد اضطرابا وعنفا.
وحتى رئيس الدولة، آصف زرداري، أقر أن طالبان تسيطر على "مساحات كبيرة من الأراضي". ويتحمل الجيش مسؤولية كبيرة في هذا. فخلال الحملة التي دامت سبع سنوات في المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية والمناطق القبلية البشتونية المتاخمة لها، التي ينتشر فيها حاليا 12 ألف جندي، تأرجح الجيش بين قتال المسلحين وعقد الصفقات التي تعطي المسلحين عادة الحق في إدارة مناطقهم مقابل وعد (لا يتم الالتزام به غالبا) بحسن السلوك.
وترتبط طالبان في باكستان بالعقيدة وقرابة الدم بين قبيلة البشتون وأولئك الذين يحاربون في أفغانستان. وفي وزيرستان الجنوبية والشمالية، وهما منطقتان قبليتان معاديتان، يعتقد على نطاق واسع أن القادة العسكريين المحليين، بمن فيهم بيت الله محسود قائد طالبان الباكستانية، يستضيفون القيادة الأساسية للقاعدة. ويرسلون أيضا رجالهم المسلحين عبر الحدود لمقاتلة القوات الغربية والأفغانية.
وبالنسبة إلى أمريكا وبريطانيا ودول غربية أخرى، هناك علاقة مباشرة بين القتال على طول الأراضي الحدودية غير الخاضعة للقوانين "لأفغانستان - باكستان" وتفجيرات الجهاديين في المدن الغربية. إلا أن باكستان أكبر ضحية للتيار القتالي. ويقدر عدد المشردين بسبب القتال في المنطقة الشمالية الغربية بنحو نصف مليون شخص. وقد شنت عديد من الجماعات الإرهابية الجهادية من ملاذاتها الآمنة هناك هجمات على الدولة. وعانت باكستان أكثر من 60 هجوما انتحاريا في كل من العامين الماضيين، على الفنادق والمطاعم والمساجد في بيشاور ولاهور وإسلام أباد، وعلى منشآت الجيش. وإحدى الشخصيات المهمة التي وقعت ضحية هذه الهجمات هي بناظير بوتو، زوجة زرداري، والتي شغلت منصب رئاسة الوزراء مرتين وزعيمة حزب الشعب الباكستاني، وقد تم اغتيالها في كانون الأول (ديسمبر) 2007. والأجانب عرضة للخطر أيضا. ففي بيشاور، عاصمة المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية التي تزداد توترا، تم اختطاف اثنين من الدبلوماسيين الأفغان ودبلوماسي إيراني. وفي العام الماضي، تم إطلاق وابل من الرصاص على سيارة القنصل الأمريكي (المضادة للرصاص).
وحتى إن كانت طالبان لا تستطيع التغلب على إسلام أباد، فقد تتمكن قريبا من الاستيلاء على مكان أقل أهمية استراتيجية - مثل بيشاور مثلا، أو قد تغلق الطريق التي تربطها بإسلام أباد. وتهدف سياسة أوباما، التي تعد باكستان الخطر الرئيس الذي يهدد الاستقرار الإقليمي، إلى وقف هذا الانزلاق. وسيتم تحقيق ذلك عبر منح مزيد من المال، بما في ذلك 1.5 مليار دولار سنويا كمساعدات غير عسكرية خلال الأعوام الخمسة المقبلة. وفي مؤتمر عقد في طوكيو في السابع عشر من نيسان (أبريل)، تعهدت أمريكا وبريطانيا واليابان والسعودية وكوريا الجنوبية وغيرهم من "أصدقاء باكستان" أيضا بتقديم 5.3 مليار دولار لدعم الميزانية ولمساعدات أخرى. ويتوقع من باكستان تقديم تفسيرات أوضح حول الكيفية التي تنفق فيها هذا المال؛ لطالما تم انتقاد إهدارها للأموال التي كانت تدفعها أمريكا لتمويل الحرب على الإرهاب.
الفوضى في Malakand
مثل الشبح، كان وقف إطلاق النار في Malakand يترصد لاختبار التزام أمريكا المتجدد بضمان أمن باكستان. وقد تم الاتفاق عليه بين الحكومة المحلية في المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية والإسلامي صوفي محمد، وهو والد زوجة الملا فضل الله، وذلك قبل وقت قصير من زيارة ريتشارد هولبروك، مبعوث أوباما إلى "أفغانستان - باكستان"، لإسلام أباد. واعتبرت أمريكا الاتفاق تنازلا آخر لطالبان من قبل الجيش الذي يسوء أداءه بصورة غير مفسرة أحيانا. ووفقا لأحد التقديرات الغربية، خسر الجيش 70 في المائة من معاركه ضد طالبان، وخسر كذلك أكثر من 1.500 جندي.
وهناك سبب آخر يدعو إلى القلق، وهو أن سوات ليست مثل المناطق القبلية، التي لا تخضع إلى حد كبير لسلطة باكستان. إلا أن سوات وجهة سياحية سابقة مكتظة بالسكان، اشتهرت بكونها مكانا لقضاء شهر العسل وركوب مصاعد التزحلق فوق الثلوج. لذا فإن استيلاء طالبان على سوات يعني ضمنا توسعا عسكريا أكبر، حتى داخل البنجاب، أكثر مقاطعات باكستان ثراء وازدحاما بالسكان. وبالحكم من فشل الاتفاقات السابقة، لا يبدو أن وقف إطلاق النار سيضعف المقاتلين، كما كانت تأمل الحكومة. وحين تمت الموافقة عليه أخيرا في 13 من نيسان (أبريل) من قبل زرداري بعد كثير من المماطلة، قال متحدث أمريكي إنه ينتهك مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان.
ولكن يبدو أن معظم الباكستانيين يرحبون بالاتفاق، حيث يعتقدون أنه سينهي المجازر الأخيرة في سوات. ومنذ منتصف عام 2007، حين حمل الملا فضل الله وأتباعه السلاح احتجاجا على غارة شنها الجيش على قلعة الجهاديين في إسلام أباد، المسجد الأحمر، فجروا 200 مدرسة غير إسلامية في المقاطعة، وقطعوا رؤوس عشرات العمال الحكوميين والجواسيس المشتبه فيهم، وكانوا أحيانا يخطفون مجموعات من الجنود الذين يتم إرسالهم لمحاربتهم. وتحت زعم محاربة التمييز الطبقي، وبذريعة الجهاد أيضا، استولوا على مئات المنازل والأراضي، بما في ذلك عديد من بساتين سوات. وهرب نصف ضباط الشرطة في المنطقة وكثير من الإداريين، وكذلك معظم أصحاب الأراضي. ولقي نحو 800 شخص مصرعهم، الذين قتل معظمهم خلال حملة عسكرية خرقاء للجيش بدأت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وتم تشريد ما لا يقل عن 100 ألف شخص.
وتصرفت طالبان بعنف بغيض خلال ذلك الهجوم. فقد كان سكان Mingora، أكبر مدينة في سوات، يستيقظون يوميا ليجدوا الجثث متناثرة في الساحة العامة، أو متدلية من أعمدة الإنارة هناك. وكانوا يلقبونها "الساحة الدموية". إلا أن الجميع تقريبا يتفقون على أن الجيش قتل عددا أكبر من المدنيين مما فعل المقاتلون. ويتساءل فضل الرحمن نونو، وهو أحد السكان المحليين: "لقد كان الجيش يوجه قذائفه على الناس العاديين. وإلا هل كانوا يضربون منازلنا كل يوم عن طريق الخطأ؟".
وإذا كان القليل فقط من سكان سوات يكنون بعض الحب لطالبان، فلا أحد يعبر عن رغبته بشن عملية عسكرية لطردها؛ وهذا هو موقف الجيش وحكومة المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية أيضا. ويقول الجنرال Abbas إنه إذا واصل الجيش هجومه الأخير في سوات، "سيتم تدمير الوادي بأكمله". ويدافع أيضا عن اتفاق وقف إطلاق النار، إذ يقول إنه عزل الملا فضل الله المتطرف عن طريق دعم محمد، الذي كان حتى وقت قريب في السجن ويشعر بالخزي، بعد أن قاد جيشا من سكان سوات ليلاقوا حتفهم تحت قصف الطائرات الأمريكية في أفغانستان عام 2001.
ولكن بدلا من كبح جماح النزعة الجهادية لزوج ابنته، كان محمد يؤكد عليها. فقبل تجمع في 19 نيسان (أبريل) للاحتفال بتوقيع زرداري اتفاق وقف إطلاق النار، يزعم أنه تم تدريب محمد من قبل حكومة المقاطعة على الطلب من طالبان نزع السلاح. وبدلا من ذلك، ندد، وهو يتحدث أمام حشد من 40 ألف شخص في Mingora، بدستور باكستان وقال إن الديمقراطية هي للكفار. وبالمثل، يقول القادة العسكريون للملا فضل الله إن الاتفاق هو الخطوة الأولى نحو فرض الشريعة في جميع أنحاء باكستان.
ومن الواضح أنه لم يكن لديهم نية للتنازل عن سوات للحكومة. وبدلا من ذلك، مكّنهم وقف إطلاق النار من تشديد قبضتهم عليها. وفي الأسبوع قبل الماضي، احتلوا مكتب منظمة أطباء بلا حدود غير الحكومية، في Saidu Sharif. وفي مطلع نيسان (أبريل)، احتلوا مدينة البحرين الواقعة شمال سوات، وفي 28 نيسان (أبريل) أطلقوا النار وأصابوا شرطي هناك واختطفوا شرطيا آخر. ويقول أحد السكان المحليين وهو يتحدث عبر الهاتف: "نحن نعيش حياة خوف وموت." ولكن كان يمكن للحكومة أن تتقبل هذا، لو لم تحرجها طالبان عن طريق الاستيلاء على Buner.
خطوة جريئة جدا
وفي 24 نيسان (أبريل)، قبل أربعة أيام من هجوم الجيش، رحب زعيم طالبان في Buner، القائد خليل، بكاتب هذا التقرير في منزله الذي استولى عليه في قرية Sultanwas. وهو يزعم أنه تم إرساله إلى المقاطعة من قبل الملا فضل الله للتأكد من تطبيق الشريعة الإسلامية، وفقا، كما قال، لشروط اتفاق وقف إطلاق النار. إلا أنه شرع هو ورجاله بمطاردة رجال الشرطة في المقاطعة وبعض عناصر المقاومة المحلية، وقتلوا منهم ثمانية. ثم قاموا بنهب كل مكتب حكومي ومنظمة غير حكومية والمنازل والشركات الغنية التي وجدوها. وقال وهو يشير إلى كومة كبيرة من المسروقات من أجهزة الكمبيوتر والمساعدات الغذائية التي تبرعت بها أمريكا وصفائح البنزين: "سنعطيها للفقراء الذين يحتاجون إليها حقا. وهذه المنازل كانت أيضا ملكا لأشخاص أثرياء هربوا حين وصلنا لأنهم يخافون من مواجهة عدالتنا".
وأمريكا سعيدة بهجوم الجيش على Buner؛ وقد وصفه متحدث باسم وزارة الدفاع بأنه "الاستجابة الملائمة تماما". ويعتقد بعض المسؤولين الأمريكيين أن الجيش سيستأنف هجومه في سوات؛ وسيسحق هذه المرة الملا فضل الله. وقد يبدو هذا التفاؤل مبررا بالتحسن المتواضع في حظوظ باكستان على جبهات أخرى. فبفضل قرض صندوق النقد الدولي البالغ 7.6 مليار دولار، والعروض التي قدمها أصدقاء باكستان، والإدارة الاقتصادية الأكثر حكمة في الإنفاق، لم تعد باكستان في خطر التخلف عن سداد التزاماتها المالية، كما كان حالها في أواخر العام الماضي. وفي آذار (مارس)، بفضل الدبلوماسية الماهرة من قبل الجيش وأمريكا، تم تجنب أزمة سياسية أثارتها محاولات زرداري جعل منافسه الأكثر شعبية، نواز شريف، غير مؤهل للانتخابات. وإذا كان أمام باكستان الآن فرصة لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، فهل يمكن أن يتبين أن Malakand نقطة تحول في حرب باكستان مع التطرف؟
ربما لا. فالحكومة لم تبذل أية جهود لاستغلال وقف إطلاق النار لتوسيع سلطتها في سوات. ولم تعلن أيضا عن أي خطط لإلغاء الاتفاق. ولا يظهر الجيش أي بوادر تذكر على رغبته باستئناف القتال في سوات. وإذا كان هذا يشير إلى أن كبار الضباط في باكستان قد يقومون، تحت ضغط أمريكا، بالحد الأدنى فقط (أو أقل بقليل) مما هو مطلوب منهم، فلن تكون تلك المرة الأولى. فإحدى الحيل التي كان يستخدمها الرئيس السابق، برفيز مشرّف، هي اعتقال عدد قليل من العناصر الجهادية السابقة لوكالة الاستخبارات العسكرية للجيش ثم إطلاق سراحهم لاحقا.
وقد عانت أمريكا كثيرا من مثل هذه الآمال الزائفة في باكستان. وأحدها كان في أوائل عام 2007 حين دعمت وكالة الاستخبارات العسكرية أحد قادة طالبان في وزيرستان الجنوبية، محمد نذير، لطرد بعض المسلحين من أوزبكستان الذين وجدوا لهم ملاذا هناك. واقترح الجيش ألا يكون المقاتلون الأجانب موضع ترحيب في المنطقة القبلية. إلا أن نذير لم يطرد ضيوفه من المتشددين العرب، وفي شباط (فبراير) أعلن تحالفا جديدا مع قائد طالبان في وزيرستان الجنوبية، وهو محسود، العقل المدبر المفترض لاغتيال بوتو.
وفي نكسة حدثت أخيرا، تم إطلاق سراح رئيس المسجد الأحمر في إسلام أباد، عبد العزيز، من السجن في 16 نيسان (أبريل). وكان قد نجا من هجوم الجيش على المسجد (مع أن أكثر من مائة، وربما أكثر، من أتباعه قتلوا) عن طريق الهرب مرتديا عباءة نسائية سوداء. وفي غضون ساعات من إطلاق سراحه، عاد عبد العزيز إلى المنبر، ونسب إلى نفسه الفضل في إدخال الشريعة إلى سوات، وتنبأ بتطبيق الشريعة في جميع أنحاء باكستان.
وهناك حادثة أخرى على المراوغة الباكستانية، وهي فشل الحكومة في تفكيك آخر تجسيد لجماعة Lashkar-e-Taiba الإرهابية التي يزعم أنها نفذت هجوما مميتا في مومباي في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وقد يكون هذا أكثر إثارة للقلق. واستجابة للضغوط القوية من جانب أمريكا وبريطانيا، والهند طبعا، اعتقل ستة من أعضاء الجماعة من المستوى المتوسط وتعهدت بمحاكمتهم على هذه الجريمة. ولكن هناك احتمال ضئيل بأن يواجه كبار قادة الجماعة، الذي يخضعون حاليا للإقامة الجبرية، العدالة. ولم تف الحكومة بالتزامها بالاستيلاء على أصول الجماعة، التي تشمل المدارس والمستوصفات والمستشفيات. وفي البنجاب، موطن جماعة Lashkar-e-Taiba (الجماعة التي تم تدريبها في السابق من قبل وكالة الاستخبارات العسكرية لمحاربة كشمير الخاضعة لسيطرة الهند)، استولت الحكومة على 20 مدرسة وخمسة مستشفيات للجماعة. إلا أن التقديرات تشير إلى أن الجماعة لا تزال تحتفظ بسيطرتها على ما يقدر بـ 50 و60 من الممتلكات الأخرى، تحت أسماء أخرى.
ويدعو فشل باكستان في قمع جماعة Lashkar-e-Taiba إلى التفكير بأن الجيش لم يتخل تماما عن وكيله القديم. ولا يزال يعد الهند، التي حارب ضدها ثلاثة حروب واسعة النطاق، العدو الرئيس. ويثير هذا الهوس بالهند إلى حد ما مشكلات الجيش في المنطقة الشمالية الغربية. وعن طريق الحفاظ على استعداده بخوض حرب تقليدية في سهول البنجاب، كان بطيئا في الحصول على المهارات اللازمة لمكافحة التمرد؛ ومن هنا يأتي اعتماده على نيران المدفعية في سوات.
والأسوأ من ذلك هو أن الجيش متهم بحماية بعض حلفائه المقاتلين السابقين في المناطق القبلية، للاستعانة بهم في المستقبل (أو حاليا) في أفغانستان وكشمير الخاضعة لسيطرة الهند. وكثيرا ما يتم الاستشهاد بهذا الزعم لتفسير فشل الجيش. ولكن نادرا ما يتم إيجاد أدلة على ذلك. إلا أن كبار المسؤولين الأمريكيين بدأوا بصورة متزايدة بانتقاد هوس باكستان بالهند. ويقول الجنرال ديفيد بتراوس، قائد القيادة المركزية الأمريكية، إن باكستان تواجه خطرا أكبر من التطرف المحلي. ويشير الجنرال Abbas مبتسما إلى أنه لا يعتقد أن هذا صحيح: "حين يأتي الناس هنا ويخبرونا عن جارتنا، كم هي سيئة أو جيدة، فاسمحوا لنا أن نتشكك بعض الشيء".
والجيش الصارم المضلل مقتنع، كما يبدو، بأن خطر التشدد الإسلامي على باكستان أقل بكثير مما تعتقد أمريكا، وسيظل دائما حليفا مزعجا على طول الحدود الشمالية الغربية. إلا أن أمريكا صديقة صعبة لباكستان. وهدفها الأكثر إلحاحا هو وقف تدفق طالبان إلى أفغانستان وسحق قيادة القاعدة؛ وتلك ليست أولويات لكثير من الباكستانيين. وإذا لم تكن جهود الجيش الباكستاني ضد طالبان ناجحة، يمكن القول أيضا إن التمرد العابر للحدود ازداد حدة بسبب أخطاء أمريكا الكبيرة في أفغانستان وهجماتها الصاروخية على باكستان.
ويرى الجيش أنه ينظر إلى الأمور من منظور أطول أجلا فيما يتعلق بما هو مطلوب للمنطقة الشمالية الغربية المضطربة. ففي سوات مثلا، يبدو أنه يعتقد أنه سيكون من غير المجدي سحق طالبان، وقتل كثير من المدنيين أثناء ذلك، في حين أن المؤسسات المدنية في باكستان ضعيفة جدا بحيث إنها غير قادرة على ملء الفراغ الذي سيتم إيجاده. وهذا معقول إلى حد ما. فالسخط المحلي من نظام العدالة الباكستاني الفاسد- الأسوأ بكثير، كما يقول سكان سوات، من النظام التقليدي للشريعة المعدلة التي حل محلها عام 1969, ساعد على إذكاء تمرد الملا فضل الله.
ويبدو أيضا أن الكثيرين يعتقدون أنه بمجرد إقامة الشريعة سيتلاشى المسلحون الوحشيون. ويقول أنعام الرحمن، رئيس لجنة سوات للسلام، وهي جماعة تتحدث مع كل من الجيش وطالبان: "دعونا ننفذ الاتفاق، فهو سيجلب السلام". إلا أن هذا يبدو ساذجا للأسف. ولكن حتى الحكومة المصممة على سحق طالبان ستكافح دون دعم السكان المحليين. ويضيف أنعام الرحمن: "حتى لو أخذت شخصا من البشتون إلى الجنة بالقوة، لن يذهب. فلن يذهب معك إلا إذا كنت ودودا معه".
