في مقالة الأسبوع الماضي تحدثت عن الأساس الذي يعد منطلقاٌ لمفهوم عدالة توزيع الدخل. هذا الأساس مبني على عدالة توزيع الدخل بين طبقات المجتمع الثلاث: المرتفعة، المتوسطة، والمنخفضة الدخل. وفي نظام رأسمالي يعتمد على الحافز الفردي لتحقيق أعلى المنافع نحتاج إلى عدة وسائل لنضمن بها تحقيق هذا التوازن الطبقي في الدخل بحيث لا تتركز الثروة في أيدي ملاك عناصر الإنتاج (رأس المال). هذه الوسائل والإجراءات المترتبة عليها هي ما يطلق عليه في الاصطلاح الاقتصادي عملية إعادة التوزيع Redistribution.
ومرة أخرى نواجه مشكلة التفرقة بين اقتصاد قائم على الضريبة وبين اقتصاد ريعي كاقتصاد المملكة. ففي الاقتصاد الضريبي يستخدم النظام الضريبي بشكل واسع لضمان إعادة التوزيع ولتحميل أصحاب الدخول المرتفعة نسبة أكبر من عوائد النظام الضريبي نفسه. بينما تكمن المشكلة في اقتصاد ريعي كاقتصاد المملكة أننا لا نعتمد على الضريبة كمصدر أساسي للدخل، ما يجعل من عملية إعادة توزيع الدخل أكثر صعوبة. والسؤال الآن هل تتضمن السياسات المالية والاقتصادية المتبعة ما يمكن أن يطلق عليه عملية إعادة توزيع للدخل؟ أم أن نظامنا المالي يساعد على تركيز الثروة في أيدي فئات معينة ما يرسخ وبشكل كبير التمايز الطبقي بين أفراد المجتمع؟
واقع الحال يقول إنه لا يوجد في نظامنا المالي ما يمكن أن يطلق عليه عملية إعادة توزيع حقيقية للدخل، فضرائب الشركات التي يعتقد البعض أنها عملية إعادة توزيع للدخل لا تفرض إلا على الشريك الأجنبي، ثم إن تكلفة الضريبة المفروضة على الأجنبي وتكلفة الزكاة المفروضة على السعودي يتم تحميلهما على تكلفة البضاعة أو الخدمة ومن ثم ترحل بشكل غير مباشر إلى المستهلك النهائي، ما يعني في النهاية تخفيض الدخل الحقيقي للطبقة ذات الدخل المتوسط والمنخفض.
انظر إلى السياسات الأخرى المتعلقة برسوم الخدمات التي تفرض على المواطن العادي ذي الدخل المحدود وعلى المواطن ذي الدخل المرتفع (المالك لعناصر الإنتاج الرأسمالي)، فسنجد أنها في الغالب لا تميز بين هذا وذاك، حيث تتساوى – على سبيل المثال – رسوم تأشيرة الخادمة المنزلية التي يستخدمها المواطن ذو الدخل المنخفض مع رسوم تأشيرة الخبير الأجنبي الذي يتحصل على راتب شهري يساوي أو يزيد على ما تكسبه هذه الخادمة طيلة حياتها والذي توظفه أكبر الشركات وأكثرها ثراء. أضف إلى ذلك رسوم الخدمات الأخرى لتجديد الجوازات واستصدار رخص القيادة ورخص البناء وغيرها من الرسوم التي تمثل ضرائب غير مباشرة تفرض بشكل تنازلي لا تصاعدي ما يعمق بشكل كبير هوة التمايز الطبقي بين أفراد المجتمع.
ما هو الحل إذاً؟ الحل هو الرجوع إلى المبدأ الذي أشرت إليه في بداية هذا المقال وتحدثت عنه بشكل موسع في مقالة الأسبوع الماضي والمتضمن أن تتحمل الطبقة ذات الدخل المرتفع نسبة أعلى من تكلفة تمويل الخدمات العامة مما تتحمله الطبقتان ذواتا الدخل المتوسط والمنخفض. وهناك عدة وسائل يمكن الاعتماد عليها لتحقيق ذلك ولو بشكل نسبي. من ذلك ربط تكلفة الخدمات البلدية المقدمة للمنازل بمساحة المنزل، فكما هو معروف أن مساحة المنزل تتناسب بشكل طردي مع مستوى الدخل الفردي، ما يجعل من المنطقي أن يتم تحميل صاحب المنزل الأكبر (صاحب الدخل المرتفع) قيمة أعلى للخدمة المقدمة مما يتحمله صاحب المنزل الأصغر (الأقل دخلاً). أيضاً وكما أشرت سابقاً التمييز في رسوم الخدمات الأخرى المفروضة على المواطن ذي الدخل المنخفض وعلى الشركات وقطاع الأعمال بحيث لا يؤدي ذلك إلى إرهاق ميزانية ذوي الدخل المنخفض وفي الوقت نفسه يتم تعويض ذلك من خلال رسوم أعلى على الشركات وقطاع الأعمال.
يبقى سؤال آخر لم تتم الإجابة عنه بعد يتعلق بمدى التباين في مستويات الدخل الفردي بين فئات المجتمع الثلاث، الذي يستدعي تفعيل سياسات إعادة التوزيع, أو بشكل آخر ما نسبة السكان التي تملك 10 أو 40 أو 90 في المائة من الدخل القومي؟ الإجابة عن هذا السؤال هي الأساس الذي يجب الانطلاق منه من أجل وضع سياسات إعادة التوزيع التي أؤكد أن الإجابة عنه ستكون مفاجأة للجميع. والإجابة عن هذا السؤال رهن فقط بتوفير البيانات اللازمة التي لا أجدها في أي من تقارير الجهات المالية والاقتصادية الحكومية.
