نستطيع القول إن من أهم القرارات التي أصدرها مؤتمر القمة العربي الذي عقد في العاصمة الرياض في 2007 هو القرار المتعلق بالموافقة على المقترح الذي طرحه أمير الكويت بعقد قمة عربية اقتصادية لمناقشة القضايا الاقتصادية والتنموية في العالم العربي، والهدف الرئيسي من المؤتمر اتخاذ التدابير والسياسات المناسبة والموصلة إلى تحقيق السوق العربية المشتركة. والواقع أن قضية البحث عن صيغ مناسبة لتحقيق الوحدة الاقتصادية العربية أو ما كان يعرف باسم التكامل الاقتصادي العربي ليست جديدة، ففي عام 1950 وقعت الدول العربية على اتفاقية الوحدة الاقتصادية والدفاع المشترك ولكن هذه الاتفاقية على أهميتها كانت مجرد اتفاقية بعيدة عن التفعيل لأكثر من نصف قرن.
ولكن يبدو أن إرادة التنفيذ ظلت غائبة في أروقة الجامعة العربية لنصف قرن من الزمان وأن غياب الإرادة أدى إلى تجميد الكثير من مشاريع العمل العربي المشترك الذي عانى كثيراً شللا أصاب كل شرايين الجامعة العربية.
ولكن يبدو أن عصراً جديداً بدأت ملامحه تتضح تحت قبة الجامعة العربية مع بداية التسعينيات، ومن أهم ملامحه أن المصالح الاقتصادية بين الدول العربية أصبحت تهم كل الدول الأعضاء، ولا ننكر أن المشهد العربي الاقتصادي بدأ يشهد صعود دول عربية جديدة تقود الاقتصاد القومي العربي، ولعل أهم هذه الدول هي المملكة العربية السعودية بخاصة ودول الخليج بعامة، كما أن الأشخاص الذين استوزروا وزارات الاقتصاد في دول الخليج البترولية غير أولئك البيروقراطيين ممن كانوا وزراء لا يؤمنون بالعمل الاقتصادي العربي المشترك، فجاء وزراء يؤمنون بأهمية دفع عجلة الاقتصاد العربي باتجاه تنفيذ المشاريع التي سبق اعتمادها، واختراع المزيد من مشاريع التكاملات الاقتصادية التي ستعود بالفائدة على كل الدول العربية الأعضاء في الجامعة العربية، ومن أهم هذه الشخصيات التي تولت وزارات الاقتصاد الوزير السعودي الدكتور إبراهيم العساف وزير المالية والاقتصاد الوطني (وزير المالية حالياً).
ولقد عمل الدكتور العساف مع زملائه وزراء الاقتصاد العرب على تصميم ثلاث مراحل رئيسة للوصول إلى السوق العربية المشتركة. تمثلت المرحلة الأولى في المضي قدماً نحو تنفيذ منطقة التجارة العربية الحرة التي اعتمدت في عام 1993 ووقعت على هذه الاتفاقية 18 دولة عربية من أصل 22 دولة وحقق هذا المشروع نجاحاً لافتاً ارتفعت بسببه معدلات التجارة البينية العربية العربية إلى الضعف تقريباً.
ولذلك اتخذت القمة العربية التي عقدت في تونس في عام 2003 قراراً بالمضي قدماً في تنفيذ مشروع الاتحاد الجمركي العربي وحددت عام 2015 موعداً لبدء تنفيذ الاتحاد الجمركي العربي، ثم قررت في قمة تونس بأن يتلو تنفيذ الاتحاد الجمركي تحقيق السوق العربية المشتركة بحلول عام 2020.
ولكن في قمة الرياض .. قمة الإنجاز والتنفيذ اتخذت قراراً ـ كما ذكرنا - بعقد قمة عربية اقتصادية همها الأول والأخير تحقيق السوق العربية المشتركة في موعدها المحدد وهو عام 2020.
بمعنى أنه بحلول عام 2020 سوف تصبح الدول العربية جميعها سوقاً واحدة للرساميل العربية، وسوف يسوح فيها البائعون والمشترون العرب ويتجول في أسواقها العمال والمهندسين ورجال الأعمال العرب دون قيود أو عوائق.
وإذا كان الدكتور إبراهيم العساف قد لعب ـ مع زملائه الوزراء العرب - دوراً مهما في نجاح مشروع منطقة التجارة العربية الحرة، فإن الدكتور محمد التويجري الذي عين أميناً عاماً مساعداً للشئون الاقتصادية والاجتماعية سوف يكون له دور مهم للدخول في أهم المراحل وهي مرحلة الاتحاد الجمركي العربي الموحد ومرحلة السوق العربية المشتركة.
وإذا ما تحققت السوق العربية المشتركة التي هي تعبير عن الوحدة الاقتصادية العربية، فإن الوحدة الكونفيدرالية بين الدول العربية تكون قد أصبحت عند أبواب الدول الأعضاء في السوق العربية المشتركة، إذ إن الوحدة الاقتصادية هي مقدمة لازمة لتحقق الوحدة السياسية والجميع يعرف أنه لن يتحقق التضامن العربي إلا من بوابة الوحدة الاقتصادية.
ونحن هنا لا نريد أن نتفاءل أكثر من اللازم بل دعونا نكتفي بالدخول معاً في السوق العربية المشتركة وبعد ذلك تكون المفاجأة ويكون التأهيل الطبيعي للولوج في وحدة كونفدرالية من المحيط إلى الخليج.
إن القمة العربية الاقتصادية الأولى التي ستعقد في غضون الشهر القادم بمقر الجامعة تحتاج إلى التنسيق مع المنظمات العربية والمجالس الوزارية المتخصصة واتحاد الغرف التجارية العربية ومؤسسات رجال الأعمال حتى تكون مخرجاتها ذات فائة قصوى لمشاريع التكاملات الاقتصادية على كل الأصعدة ولكل الدول العربية.
ولذلك تحرص الأمانة العامة في جامعة الدول العربية على جودة المدخلات وقوة الإعداد لأول قمة عربية اقتصادية.
ولعل أهم الملفات التي سوف تطرح على القمة هو ملف خفض معدلات الفقر والبطالة بين أبناء الوطن العربي، وتحسين الأحوال المعيشية للمواطن العربي، وزيادة حجم التجارة البينية بين الدول العربية، وزيادة حجم الاستثمارات العربية ودراسة أسباب هجرة رؤوس الأموال والعقول والكفاءات العربية إلى الخارج، وضعف البنية التحتية لكثير من البلدان العربية وعدم مواكبة مخرجات التعليم لاحتياجات التنمية، وتشجيع القطاع الخاص العربي للقيام بدور فاعل في المنظومة الاقتصادية العربية. كذلك ستُعنى القمة بمناقشة تفعيل الاتفاقيات الثنائية والجماعية وتعزيز آليات التعاون العربي الدولي خاصة مع التجمعات الإقليمية والدولية.
إن الوصول إلى حلول عملية لهذه الملفات سوف يجعل الاقتصاد يحقق للشعوب العربية ما عجزت السياسة عن تحقيقه طوال أكثر من ستين عاماً من الخلافات والتشرذمات ولذلك فإن الشعوب العربية تنظر بأمل وارف إلى مؤتمر القمة العربي الاقتصادي القادم.
ونؤكد أن القمة إذا استطاعت أن تكون واقعية وتحلل هذه الملفات وتضع لها الحلول المناسبة فإنها تكون قد خطت خطوات فعالة نحو حل الكثير من المعضلات التي أعاقت تقدم العالم العربي وأصابته بمجموعة من أمراض التخلف على جميع الصعد وبالذات على الصعد السياسية والأمنية والعسكرية.
