.. عجيب!
كل المفكرين العرب هم تقريبا "حي بن يقظان" الذي عاش وحيدا في الغابة، أو "روبنسون كروزو" الذي أمضى عقودا وحيدا على جزيرة. ليس بين الكتاب العرب (ولا حتى على المستوى الداخلي لكل إقليم عربي) من ينفتح بانتظام على العالم المفتوح. ولا ترى مدرسة فكرية عربية بعينها، وإنما كل المفكرين العرب هم مثل من يفتح فمه تحت ميازيب تنهمر منها مياه المطر من أسطح مختلفة، فيأتيه الماءُ ممزوجاً بشوائب كل سطح، فيعتبره الماءَ الطيبَ الزلال. بينما هي نتاج مفكرين من المدارس البروجماتية، والحداثية، والواقعية، واللاواقعية، والليبرالية مدارس كلها غربية. من كل ميزابٍ.. إلا ميزاب لنا يحمل فكرنا وطبيعتنا.
وهذا ليس رأيا جديدا أخترعه، طالب به مفكرون عرب نابهو الفكر والإخلاص للأمة العربية وحضارتها، وقد قال "زكي نجيب محمود" الفيلسوف العربي الوحيد -برأيي- الذي دعا إلى مجدٍ متوازن جديد للعقل العربي، بآلية التناول من الغرب وصبه ببوتقة حضارتنا الموروثة، وبعدُ تطوير توجُهٍ فكري لنا خاص قابلٍ للنمو والتطور الانفتاح ليحميه من الضياع أو الذوبان، على أن زكي نجيب مات، ولم يتحقق الحلم .. مات وهو يحلم في "دماغ عربي" لأن التفكير إنما هو وظيفة الدماغ، فلو صار دماغنا عربيا لصار فكرنا عربيا.
أقرأ لكاتب أمريكي بعينه، وأجده بسهولة في "نيويورك تايمز"، وفي "لوس أنجلوس تايمز"، في "دلهي تايمز" الهندية، وفي "جارديان" البريطانية، وأتابع رسامي كاريكاتير في أكثر من صحيفةٍ في أكثر من بلد، هذا سر انتشار "الدماغ الأمريكي" وقوة سطوة تأثيره وأثره.
لم لا يكون لدينا جمعية أو منظمة أو وكالة عملية للكتاب العرب تكون مهمتها التعاقد مع الكتاب العرب من جهة، والصحف العربية من جهة أخرى (وهذه نجحت مع الوكالات التي تُعنى بالفنانين، فوكالة سعودية ناجحة توزع الفن والفنانين العرب، أغنياتهم، وحفلاتهم، وأسطواناتهم، ولقاءاتهم إلى كل العرب والعالم، فهل يستحيل تطبيق هذه الآلية مع الكتاب العرب، أو أن عليهم أن يغيروا مهنتهم للغناء؟!).
المهم، تأخذ تلك الجمعية أو المنظمة مقالة الكاتب المصري وتنشرها في أكثر من صحيفةٍ عربية، أو السعودي، أو ألمغاربي، أو السوداني، هنا ننفتح فكريا على بعضنا، وينطلق فكرُنا على مساحة الوطن العربي، ويكون هذا في تصور كل كاتب قبل أن يكتب حرفا، فيلائم فكره ليناسب الامتداد العربي. تأكد، بعد عقد من الزمان، سيتخلـََّقُ دماغُنا العربي، وسنخرج من جزرنا المحاطة ببحر الشوفينية والنرجسية، ونتكلم بفكر واحد، بطريقة واحدة، مهما تشتتت أو تنوعت أو تماثلت الرؤى والنظريات. وسيكون كل كاتبٍ من أي إقليم هو كاتب للقراء العرب جميعا.. أما كان هذا حلمنا، أن نسعى إلى أي نوع من الوحدة العربية؟
ولا أجد أنسب من هذه البلاد لتنطلق منها المنظمة الجديدة، فهي الأوسع استطاعةً، والأكثر في أعداد الصحف سواء التي في داخل البلاد، أم التي يملكها سعوديون خارجها، لتـُنشأ وكالة تتعاقد مع الكتاب السعوديين والعرب، وتتعاقد مع الصحف، ليس ذلك فقط، فسيكون من أهم مهامها (التنقيب) عن الموهوبين من الكتاب والشعراء والنقاد، والكتّـاب المتخصصين في المجالات العلمية والتخصصية، لأن بضاعتها هي الكـُتـّاب، فسيكون إذن التنقيب عنهم ثم تهذيب نتاجهم وتطويره، ثم التسويق هي مهامها الأساسية في نشاطها، الذي يجب أن يكون تجاريا. ولما يتوافر النجاح لهذه الوكالة، وهو مأمولٌ فيما أراه، لنجاح الوكالات الأخرى تلك التي تنشر الفنانين والبرامج.. وأنجحها، على الإطلاق، وكالات برأسمالٍ سعودي.
والأنسب، لو أن واحدة أو أكثر من تلك الوكالات التي قصدناها هي التي عمدت إلى إنشاء شركةٍ تحت مظلتها، أو قسما للعمل على نقل الفكر محليا ثم عربيا ،أو عربيا مباشرة بحكم انتشارها وخبرتها ووجود عناصر العمل الأساسية (والذي سيوفر شيئين مهمين: التكاليف، والخبرة المتراكمة)، فسيكون هذا فتحا عمليا، وتجاريا، والأهم فتحا ساميا وراقيا يجعل لواء تاريخ الفكر العربي موشحا بها، ما دام له تاريخ.
نحتاج إلى قلب شجاع، يؤمن بالمبدأ من أساسه، بفكر اقتصادي ثاقب، وبقدرة إدارية نافذة، وبمنحة استشفاف آفاق المستقبل..
أين هذا القلب؟
