أجمل الكتب ما ترك أثرا في الذاكرة لا يمحى وهو ما يحدث لي أحياناً مع قراءة بعض الروايات أو الأبحاث التي تقلب الرأس أو تترك الانطباع الذي لا ينسى. وأعظم الأشخاص الذين تقرأ عنهم وأنت لم تجتمع بهم فتتأثر بهم وتتبع سيرتهم من خلال ماتركوا من مواعظ وتعليمات. والفيلسوف أبكتيتوس هو واحد من الذين تركوا انطباعاً لا ينسى على سلوكي واكتشف تطبيقات ميدانية لأفكاره دوماً بحيث إن هذه الأفكار تدخل اللاوعي فيتشربها لينقلب إلى سلوك. العجيب في قصة هذا الرجل الذي يذكر بلقمان الحكيم أنه كان عبدا ثم أعتق وكان يدرس أبناء علية القوم في روما الفلسفة. حتى غضب الإمبراطور دوميتيان يوماً من تمادي الفلاسفة في انتقاد الأوضاع فنفاهم من روما الى آسيا الصغرى. وهي محنة المثقفين دوماً. وأهم ما في فلسفة هذا الرجل الذي لم يترك سوى كتابا صغيرا بعنوان (الموجز) وأربعة محاضرات لم يكتبها هو بل تلميذه أريان. وفي عام 89 للميلاد أسس مدرسة للفلسفة في (نيقوبوليس) تنادي بأربعة مبادئ أساسية للفلسفة هي الحرية والعناية الإلهية والاتجاه العملي والنزعة الإنسانية. إن الرجل كان ينزل إلى مستوى إنسان الشارع العادي وكان يقول إذا لم تغير الفلسفة التيار الاجتماعي فليست بفلسفة وكان يقترب بهذا من سقراط وديوجينيس. والعمود الفقري المريح في فلسفته أنه لا يوجد شر محض في هذا العالم. وأن أي شيء يحدث لا داعي فيه للغضب والنرفزة بل يجب استقبال كل ما يحدث بما فيها الموت ولسوف نكتشف الجانب الإيجابي فيه. وأنا اليوم أكتشف دوماً حقيقة قول هذا الرجل ويذكرني بالقرآن الكريم الذي يقول وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيرا كثيرا. وفي قصة الأفك يتكرر تأكيد هذا القانون النفسي مرة أخرى وهي أن ما حدث لم يكن شراً محضاً بل هو خير لكم. إن هذا اتجاه جديد في علم النفس فالذي يحكم على الضار والنافع ليس مشاعرنا والله يتحدث عن المنافقين أنهم يظنون أنهم يحسنون صنعا وهم لا يشعرون. حقاً إن عالم النفس غامض حافل بالأسرار مملوء بالكهوف المظلمة السرية. كان فلاسفة المدرسة الرواقية يمشون كل يوم في الهواء الطلق ضمن أروقة المدرسة المخصصة لهذا فيتحاورون طوال المشي ومنها أخذت المدرسة اسمها خلافا للمدرسة الأبيقورية التي تعتمد اللذة وهذه لها حديث آخر. وأبكتيتوس كان من المدرسة الرواقية. كان يقول هات لي ما تشاء مما تتصوره أنه شر محض وأذية ومصيبة الفقر المرض والموت هات لي ما تشاء وسوف أحوله لك بعصا سحرية إلى نقيضه. وكان يناقش كل قضية فيستعرض زواياها ليصل في النهاية إلى أن هذا الكون مبني على الخير والبرمجة والجمال وهو ماض في طريقه إلى اجل مسمى ونحن دعينا إلى مأدبة الحياة العامرة وعندما ينادي الموت فيجب أن ننصرف من هذه المأدبة بكل أدب ولطف وهدوء ولذلك لا داعي للحزن أو الجزع في مواجهة الموت.