كيف تشرق الشمس من جديد على القارة الإفريقية؟
كيف تشرق الشمس من جديد على القارة الإفريقية؟
يقول مثل إفريقي إن الشمس لا تمر على أي قرية مرور الكرام ..
ولكن عندما يطالع المرء أحوال القارة الإفريقية عن قرب يكتشف أن الشمس تمر بالفعل مرور الكرام لا على بعض القرى في إفريقيا فحسب بل على كل أنحاء القارة السمراء، فالتطور الاقتصادي المخيب للقارة الإفريقية يعد إحدى المآسي الاقتصادية في القرن الـ 20، وهذا ما وضحه خبيرا الاقتصاد اكسافير سالا آي مارتين والسا ارتادي في دراستهما التي كتباها حول أسباب هذه المأساة.
من يقرأ نتائج دراسة الخبيرين الاقتصاديين، سيوافقهما الرأي، أن ما يجري هو مأساة اقتصادية، وهو في الوقت نفسه مأساة إنسانية. فأولا هناك النمو المخيب للدول الإفريقية: على حساب الـ 25 عاما الماضية، انخفض الدخل القومي للفرد الواحد بنحو 11 في المائة. في الفترة الزمنية نفسها ارتفع في المقابل معدل النمو في بقية العالم بنحو 2 في المائة سنويا. هذا التراجع في النمو في إفريقيا يرتبط ارتباطا مباشرا بمشكلة أخرى: عدا مساواة الدخل ارتفع بوضوح شديد - في الفترة الزمنية نفسها في المقابل تقلص عدم المساواة في بقية العالم.
وهنا يقف أحد أكبر العوائق في الطريق إلى التحسن: فالغني في إفريقيا، لم يعان شيئا يذكر من التطور الاقتصادي المأساوي في تلك القارة. وبالضبط هؤلاء الأشخاص هم على الأرجح الذين يتمتعون بالإمكانات التي تخولهم تعديل أمور من الناحية السياسية - ولكن لماذا ينبغي على هؤلاء الأشخاص أن يفعلوا هذا؟ - إنهم في نهاية الأمر لا يعانون الكارثة الاقتصادية.
وفي طريقهم للبحث عن حقائق وأسباب هذه الكارثة يجد سالا مارتين وارتادي العديد من المتهمين. المرتبة الأولى في قائمة المتهمين تحتلها الاستثمارات المفقودة: فبدون رأسمال لن يكون هناك نمو، وهذه هي عقيدة جميع خبراء الاقتصاد. ونظرة قصيرة على الأرقام تثبت هذه التقديرات: فبينما تستغل دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنموي (OECD) ما بين 25 إلى 30 في المائة من دخلها القومي في استثمارات، لا تتجاوز النسبة في إفريقيا 8.5 في المائة. والأسوأ سيكون إذا قامت الدولة بتشغيل جزء من هذه الاستثمارات: فعندما تكون الاستثمارات الحكومية معرضة بسهولة للقرارات الخاطئة، وألعاب الدسائس السياسية والفساد - والتي يوجد أمثلة عليها لا حصر لها -، حينئذ ستكون الاستثمارات أقل دعما للنمو، كلما ابتعد تشغيلها عن السوق.
ومن حوافز النمو والتي من الظاهر أنها مفقودة في إفريقيا، هي المستوى التعليمي والصحي للسكان. فبينما يذهب جميع الأطفال تقريبا في دول أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنموي إلى المدرسة الابتدائية، تبلغ النسبة في إفريقيا 42 في المائة فقط. ولكن مع كل ذلك يستطيع سالا مارتين وارتادي أن يشجعا على حدوث تطور: في الأعوام الماضية تحسنت الأوضاع الصحية لدى السكان وازداد كذلك عدد الأطفال الذين يتعلمون في المدارس - وهذا يدفع بالأمل في المستقبل. بيد أن مسألة الصحة في إفريقيا تخفي خطرا: فمعدل أعمار السكان، والذي ارتفع في الآونة الأخيرة، يهدد بالانخفاض بسبب انتشار وباء الإيدز. وهنا يرى سالا مارتين وارتادي أن المسؤولية تقع على الغرب الثري: فهو ملزم ببذل جهود عالية في البحث ومكافحة المخاطر الصحية وفي إتاحة الفرصة أمام إفريقيا للتمتع أيضا بثمار هذه الجهود.
ولكن هذا صعب التحقيق لسببين: السبب الأول هو أن إفريقيا تفتقد المال لدفع ثمن الأدوية الغالية، والسبب الثاني هو أن الدول المتطورة لا تستثمر كثيرا، على سبيل المثال في مكافحة مرض الملاريا لأن هذه مشكلة خاصة بإفريقيا فحسب - وهذا يسهم أيضا في النمو المخيب لإفريقيـا.
وأحد الأسباب المهمة للفقر - بجانب الأسباب الأخرى الكافية والمعروفة مثل الحروب والنزاعات القبلية وأنظمة الحكم الاستبدادية - وهي في الوقت نفسه أحد الأسباب الأقل إدراكا: هي الاندماج المعدوم للقارة الإفريقية في التجارة العالمية، والذي يجعلها فقيرة. فلو كان لدى إفريقيا درجة الانفتاح التي تمتعت بها دول أعضاء المنظمة الدولية (OECD) خلال الـ 40 عاما الماضية، لكان معدل النمو السنوي أكثر بنسبة 0.7 في المائة. إذا، فهي ليست العولمة التي تجعل الشعوب فقيرة، بل العولمة الغائبة. فإذا أراد الأوروبيون والآسيويون أن يساعدوا الأفارقة، فحسبما يعتقد سالا مارتين وارتادي عليهم أن يفتحوا أسواقهم ويلغوا المعونات العالية لمنتجاتهم الزراعية. إذا فالمسألة في يد الأوروبيين، هم الذين يستطيعون أن يجعلوا الشمس تشرق فوق إفريقيا.