الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 29 أبريل 2026 | 12 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

معاناة المجتمع من سطوة الشركات ورجال الأعمال

هاشم عبدالله الصالح
هاشم عبدالله الصالح
الجمعة 1 مايو 2009 1:1

[email protected]

سقوط جدار برلين وإعادة توحيد ألمانيا وانهيار الاتحاد السوفياتي وانضمام معظم دول المعسكر الاشتراكي إلى منظومة الغرب الاقتصادية والعسكرية والأمنية ولد في أروقة الغرب ودهاليزه شعورا بالانتصار وهزيمة الأفكار والأنظمة التي وقفت في وجه الديمقراطية والنظام الرأسمالي والتفكير الليبرالي والعلماني, وأرادوا من العالم أن يستوعب هذه النتيجة وأن يبادر إلى إعادة إنتاج كل شيء ضمن المنطق الرأسمالي والتفكير الليبرالي الذي تأخذ به الأنظمة الغربية. وعزز هذا الانتصار لطرف والهزيمة للطرف الآخر هو ما شهده العالم من انتعاش اقتصادي بأرقام غير مسبوقة, لقد انتصرت الرأسمالية ولكن غنائمها لم تصل إلى الجميع, لقد انتصرت الشركات وتوالدت وتضخمت أرباحها وتراجعت الدولة وهيبتها وتقزمت مواردها وانهارت قواها في حماية المجتمع. لقد باتت دول العالم مشغولة بتوفير الحوافز والبنية التحتية والخدمات الأساسية التي تحتاج إليها الشركات ورؤوس الأموال المستثمرة ولم تعد تهتم بمجتمعاتها وما تحتاج إليه من خدمات عامة بدأت تتهالك بفعل قلة الموارد المخصصة وسوء الإدارة وتفشي الفساد في أعمالها وممارساتها. ففي الولايات المتحدة هناك عشرات الملايين من الأمريكيين ممن ليس لهم تأمين صحي وأن هناك طفلا واحدا بين كل خمسة أطفال أمريكيين هم من الفقراء. وعلى الرغم من أن نسبة البطالة في الولايات المتحدة هي في حدود 5 في المائة إلا أن هناك نسبة كبيرة ممن يعملون هم في الحقيقة فقراء لأن ما يحصلون عليه من أجور لا يكفي لأن يتجاوزوا به خط الفقر. لقد بدأت الدول المتقدمة تواجه مشكلة تضاؤل قدراتها في الرعاية الاجتماعية لمواطنيها لأنها باتت في موقع ضعيف أمام الشركات التي تطالبها دائما بتحسين ظروف العمل وتعديل التشريعات بما يناسبها وتخفيض الضرائب وإذا لم تحصل على ما تريد فهي ستنتقل بأعمالها ومشاريعها إلى دول أقل تكلفة وأكثر مرونة في الأنظمة والتشريعات. ومع مرور الزمن بدأت حكومات الدول المتقدمة تجامل الشركات على حساب مجتمعاتها, حتى أن الكثير من المسؤولين في هذه الحكومات باتوا يصرحون علنا بأن أولوياتهم هي في إرضاء الشركات من أجل البقاء وعدم الرحيل من بلدانهم. فسمعنا مارجريت تاتشر في عهد رئاستها الحكومة البريطانية تقول إنه ليس هناك شيء اسمه مجتمع, وهناك من قال إن تكوين الثروة هو أهم من توزيع الثروة. وعندما أحس الناس بأن الدولة بدأت تتخلى عنهم وأن صناديق الانتخاب لم تعد بتلك القوة التي تدعم السياسيين للمطالبة بحقوقهم في وجه الشركات المشغولة بزيادة أرباحها وارتفاع أسعار أسهم شركاتها من دون مبالاة بمتطلبات بلدانها أو مراعاة البيئة وحقوق الإنسان, فكروا بأخذ زمام المبادرة ومواجهة الشركات بأنفسهم, وذلك من خلال ممارستهم كمشترين أو متسوقين أو كمستثمرين في هذه الشركات. فالإنسان كمتسوق أو كمستثمر صار قادرا على التأثير أكثر من أنه مواطن له حقوق المواطنة في بلده.

ونحن في المملكة بدأنا نواجه وضعا مماثلا, فمطالب الشركات وأصحاب رؤوس الأموال الوطنية وغير الوطنية على حد سواء باتت تضغط أكبر لتوجيه الأمور لصالحها ولو كان ذلك على حساب حقوق المواطن في الحصول على الدعم والرعاية الاجتماعية الكافية. فهناك الكثير من القوانين والأنظمة والتشريعات التي جاءت لتخدم المواطن وإذا بها تعطل أو تلغى أو لم يكن بالمقدور تفعيلها وكل ذلك يتم تحت حجج ومبررات إتاحة الفرصة للشركات ورجال الأعمال لتعديل أوضاعهم بما يناسب ومتطلبات هذه الأنظمة والتشريعات مع تهديد مبطن بأنه إن لم تقبل طلباتهم هذه ويتم تأجيل أو تعطيل تنفيذ هذه القوانين, فإنهم مستعدون للانتقال باستثماراتهم ومصانعهم وشركاتهم إلى دول أخرى والبعض من هذه الدول هو قريب جدا من حدود المملكة, حيث يحصلون هناك على ما يريدون من تسهيلات. وبالفعل حدثت هجرة واسعة لرؤوس الأموال السعودية بدعوى أن المناخ الاستثماري في المملكة يعوق حركتهم ولا يستطيع أن ينافس ما هو موجود من تسهيلات في دول أخرى. ولعل الأرقام التي سمعنا بها عن مقدار استثمارات السعوديين في دولة واحدة وهي الإمارات تكشف عن حقيقة هذا الواقع, فالبعض يقدر حجم الاستثمارات السعودية في منطقة جبل علي فقط بما يتجاوز 80 في المائة من مجموع الاستثمارات وهذه حقيقة مؤلمة لنا ولاقتصادنا المحلي لأننا أحق كوطن وكمواطنين بالنصيب الأكبر من هذه الاستثمارات.

ولعل القضية الأهم التي هي الآن محل شد بين الدولة ومن ورائها المجتمع وبين القطاع الخاص, هي قضية البطالة وموضوع السعودة, فكلما أرادت الدولة أن تتقدم بخطوات جدية لحلحلة هذه القضية والتي باتت تشكل أزمة حقيقية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي تعالت الأصوات من هنا وهناك تطالب الدولة بالتأني في تطبيق خططها وتوجهها لسعودة الوظائف وما أكثر الحجج في أن هذه الجهود الحكومية ستعقد الأمور وستضعف من قدرة القطاع الخاص على التنافس مع الآخرين. وتحت هذه الضغوط الشديدة والمهددة في بعض الأحيان بترك السوق السعودية والهجرة بأموالهم إلى أسواق أخرى تستجيب الدولة لمطالبهم بتعطيل هذه الأنظمة والقوانين مرة وبتأجيل تطبيقها مرة أخرى وبذلك نترك المشكلة تكبر وتكبر لصالح فئة هي دوما تفتخر وتتباهى باستثماراتها في الخارج وتقبل ما يملى عليها من شروط وأنظمة في الأسواق الخارجية ولا تقبل أن يكون لوطننا ومجتمعنا هو الآخر شروطه ومتطلباته. وهذا لا يعني أبدا أننا نغفل عن المعوقات وجوانب الضعف التي يعانيها من يريد أن يستثمر محليا, فهناك الكثير مما هو مطلوب لانتشال سوقنا المحلية من البيروقراطية الضاربة أطنابها في كل زاوية من زوايا حياتنا, وهناك بيئة عمل في حاجة إلى المزيد من التنظيم لجعلها بيئة مبدعة ومنتجة بإمكانها أن تشكل بيئة صالحة لاستيطان الشركات وتزويدها بالفرص والإمكانات لتطوير نفسها وتحسين منتجاتها. أما كيف يستطيع المجتمع ومعه الدولة تشكيل جبهة للحد من مطالب التجار والعمل من أجل أن يكون هناك ضمان لحقوق المجتمع المادية والإنسانية, فهناك الكثير مما تستطيع فعله الدولة ومن خلفها المواطنون, ومن بين هذه الأشياء:

1- على الدولة أن تولي السوق المحلية المزيد من التنظيم والتأطير وإعادة هيكلة القطاعات غير المنتجة حتى نجعل من السوق المحلية سوقا جاذبة لا يمكن للمستثمر المحلي والأجنبي إلا أن يفكر في الدخول فيها. كلما استطعنا أن ننظم السوق حسب المعايير الدولية من حيث جودة وتكامل البنية التحتية ووضوح الأنظمة وضمان الشفافية في التنظير والتطبيق والإصرار على محاربة الفساد بجميع أشكاله استطعنا أن ننافس بقوة ومن موقع اقتدار بعدم المساومة على حقوق المجتمع.

2 - إذا كانت الشركات تدعي أن أحقية مطالبها تأتي في إطار المناخ العام الذي أنتجته متطلبات وشروط التجارة الحرة والأسواق المفتوحة, فإن علينا كمجتمع أن نقبل هذا التحدي وأن ننزل للسوق لفرض شروطنا ومطالبنا. فالسوق السعودية هي الأكبر من بين أسواق المنطقة على الإطلاق, وهذه الميزة لسوقنا المحلية تجعلنا كمواطنين قادرين على أن نقاطع وألا نشتري منتجات الشركات التي ترفض أن تستجيب لمطالبنا الاجتماعية المشروعة. فعندما تضع الدولة أجندتها في التصدي لمشكلاتنا الاقتصادية والاجتماعية ومنها البطالة والسعودة والاهتمام بحماية البيئة والعمل على تحسين رعايتها الاجتماعية لمواطنيها من خلال إصدار أنظمة وقوانين, وعندما يطلع المجتمع على الشركات التي ترفض تطبيق مثل هذه القوانين فإن المجتمع مطالب ومن خلال تنظيماته المدنية بأن يكون له موقف إعلامي واجتماعي من هذه الشركات وربما التفكير حتى بعدم شراء منتجاتها لأن هذا كفيل بجعلها تعيد حساباتها من جديد وتتيقن أنها هي الخاسرة عندما يتصدى لها المجتمع ويتحداها. وهذا الأمر يتطلب من الدولة الإسراع في إصدار الأنظمة والتشريعات التي تكفل تأسيس مثل هذه المؤسسات المدنية لتمارس دورها في مساندة الدولة في الحفاظ على حقوق المجتمع أمام تنامي قوة الشركات المحلية والأجنبية التي ستدخل السوق السعودية بعد انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية. 3 - لقد اعتادت الشركات أن تستأجر لنفسها في مراكز اتخاذ القرار ممن يتبنى قضاياها وتعطيل القوانين التي لا تتفق ومصالحها, وعلى المواطنين في المقابل أن يكون لهم دور مماثل في أروقة ودهاليز هذه الشركات, وذلك من أجل إحداث تغيير حقيقي في تفكير من يدير هذه الشركات لجعلهم أكثر تحسسا لقضايا المجتمع. علينا أن نستثمر في هذه الشركات بشكل فاعل ومؤثر. فهناك تجربة جيدة في البلدان الغربية وذلك من خلال الصناديق الاستثمارية الكبيرة التي بإمكانها وما لها من قدرات استثمارية أن تنقل صوت المجتمع إلى مجالس إدارات هذه الشركات. إذاً يقينا نستثمر على شكل مستثمرين صغار وبعدد محدود من الأسهم فليس هناك فرصة لأن يسمعنا أحد أو يحسب حسابنا أحد, بل سيتلاعبون بنا كما حدث في انهيار السوق ولكن الصناديق الكبيرة التي تضع لنفسها معايير أخلاقية واجتماعية ووطنية ستجعل لكل منا صوتا مؤثرا في وجه رأس المال الذي هو في العادة يتحرك وفقا لمصالح ضيقة وأنانية.

في الختام نحن نسمع من يقول إن رأس المال جبان ولكن نحن نقول على المجتمع ألا يكون أكثر جبنا منه, فليس تكوين الثروة هو الأهم بل توزيعها بالعدل هو الأهم, بل ليس هناك من تعارض بين الاثنين, ولقد أثبتت الدراسات والبحوث أن المجتمعات التي تنعم بقدر معقول من العدالة في توزيع ثرواتها هي المجتمعات الأكثر سعادة والأكثر استقرارا والأقل ميلا للعنف والجريمة والفساد. فإذا كانت الدول والحكومات باتت أقل حيلة في مواجهة قوة الشركات ورجال الأعمال فإن المجتمع المتماسك والمنظم يستطيع أن يفرض حقوقه على هذه الشركات. فعلينا ألا نضع اللوم كله على الشركات, بل نحن كمجتمع علينا مسؤولية كبيرة في أن يكون لنا صوت مسموع عند هذه الشركات. فإن بقينا صامتين والطرف الآخر هو الذي يتحرك وصوته هو المسموع, فإن تاتشر قد تكون على حق عندما ادعت بأنه ليس هناك شيء اسمه مجتمع. لقد استطاع الكثير من الشركات والبنوك ورجال الأعمال أن ينزع الحيادية من الكثير من المؤسسات والمنظمات المنوط بها مسؤولية حفظ حقوق الناس والمجتمع ووصل نفوذ هذه الشركات حتى إلى رجال الدين والخوف أن يطول الدين ما طال المجتمع من قهر وتسلط الشركات ورجال الأعمال.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية