اختصنا الله بيوم عظيم وموسم كريم يتكرر كل أسبوع قد ضلت عنه الأمم قبلنا وهدانا الله له، ففي الصحيحين عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: "نحن الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد". وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق الله آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة"، وكان من هدي النبي، صلى الله عليه وسلم، تعظيم هذا اليوم وتشريفه وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره من الأيام وقد عد الإمام السيوطي، رحمه الله، خصائص يوم الجمعة عن سائر الأيام حتى بلغها مائة خاصية في كتابه نور اللمعة في خصائص يوم الجمعة، والإمام ابن القيم أوصلها إلى بضع وثلاثين خاصية في كتابه القيم زاد المعاد، وشرع في يوم الجمعة الاجتماع تنبيها على عظم ما أنعم الله به في هذا اليوم، واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيرا بالنعمة وحثا على استدامتها بإقامة ما يعود بآلاء الشكر، ولما كان مدار التعظيم هو الصلاة جعلت وسط النهار ليتم الاجتماع وفي مسجد واحد ليكون أدعى إلى الاجتماع ونوّه به تعالى فقال: "إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله".
والخطبة والصلاة مشتملتان على ذكر الله وقد شرفه الله وخصصه بعبادات يختص بها عن غيره وهو اليوم الذي يستحب أن يتفرغ فيه للعبادة ويتخلى فيه عن أشغال الدنيا فهو مع غيره في الأيام كرمضان في الشهور، وله على سائر الأيام مزية كما لرمضان، وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان، ولهذا من صحت له جمعته وسلمت له صح وسلم له سائر أسبوعه فهو ميزان الأسبوع وعيد الأسبوع ويوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد.
