الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 11 يونيو 2026 | 25 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

قصة الجرذ والسنور وحالة العرب

الجمعة 1 مايو 2009 1:1
قصة الجرذ والسنور وحالة العرب

[email protected]

روى لي صديقي (مساير) حكمة بالغة، في التعامل بين البشر، وأن جو العمل لا يشترط فيه أن يكون مثالياً زاخراً بالحب، حتى يقف على قدميه، وهو رائع ومطلوب لو تحقق، ولكن الوقائع الميدانية تخبرنا أن الحياة ليست مثل الفيلم مصحوبة بالموسيقى التصويرية، بل هي أقرب الى الصمت والملل والروتين، باستثناء لغة الطبيعة الخاصة، من عويل ريح، أو خرير ماء وزقزقة عصافير.

ومن الناحية العملية يجب أن يكون هناك قدر من التحمل المتبادل، واكتشاف المصالح المشتركة، ولقد لمست هذا الجانب في ألمانيا بين بعضهم بعضا حين يتعاملون، من خلال رحلتي الطويلة، بين أظهرهم، فهم متمرنون على روح الفريق، وإن كانوا لا يطيقون بعضهم بعضا، ويتكلم الواحد على الآخر في ظهره بالسوء، ولكن عندما يجد الجد؛ فهم فريق عمل واحد، وهو أمر يلاحظه عشاق كرة القدم، في الفريق الألماني المشهور بالعمل كفريق، وليس كفرد.

وروى لي شاب من أصل عربي، يعيش في ألمانيا في مدينة هومبورغ من الزارلاند، عن الفوارق الثقافية بين العقليتين العربية والألمانية، أنه انتسب إلى فريق رياضي لكرة القدم، وعندما حقق (الجول) بمفرده؛ لم يرحب به المدرب، ولامه على ذلك، فيجب أن يحقق الفريق الهدف، وليس شخصاً يلمع بينهم، وهذا اللون من الإنجاز يجب أن ينسب الى الفريق كله.

وهذه الروح موجودة في كل ميادين العمل، وفي كل الجو الأوروبي، حيثما نظرت وتعاملت في البريد والبنك والمشفى، فحيث سألت أجبت من أي شخص، والعلاقات الشخصية تبقى في النهاية وعلى جنب، وكل أمر يحل بالتلفون والطلب الشخصي.

ولعل الجو الياباني والألماني يمتاز أكثر من غيره بهذه الروح الجماعية. والقرآن يقص علينا أن عشرين من المؤمنين الصابرين، يمكن أن يغلبوا مائتين من قوم لا يفقهون، بسبب طبيعة التراص الداخلي.

والألماس في حقيقته لا يزيد على كربون مضغوط. ويبدو أن البيئة تلعب دوراً في إنجاز ثقافة الفردية، أو روح الجماعة، فالصحراء رمال لا تمسك ماء، بسبب حبات الرمل غير المتراصة، في حين أن التربة الأوروبية طينية، تمسك الماء وتنبت الزرع والضرع. ومع هذا فهو أمر ثقافي يمكن التداخل عليه، وتعديله، فالإسلام أخرج من الصحراء خير أمة أخرجت للناس.

وبذلك فالأمر ليس قدرا مقدورا، لا فكاك من قبضته، بل يمكن التداخل عليه وتغييره، والله اعتبر أن تغيير ما بالنفوس يقود لتغيير الواقع..

أعود الى صديقي (مساير) فهو يعمل مع آخر، ويعرف أنه لا يحبه، ولكن اجتماع المصالح جمع بينهما الى حين.

وفي الحرب الكونية الأخيرة اتفق على المصالح الاتحاد السوفياتي وأمريكا ضد هتلر، كما يقول المثل فعدو عدوي صديقي، ومنحت أمريكا روسيا مساعدات بكميات فلكية، تحت قانون الإعارة والتأجير.

ومن القصص ذات المغزى التي تفيد واقع العرب اليوم، هي ما جاء في كليلة ودمنة لابن المقفع عن قصة الجرذ والسنور، فعندما وقع السنور في الشباك جاءه جرذ يسكن قريباً منه، بينهما عداوة مستحكمة، فسأله عن حاله كيف أنت؟ قال على ما يرضيك وتحب، مقيد في الشباك، أنتظر الموت على يد الصياد؟!

ثم التفت الجرذ حوله فصعق، لأنه رأى فوق رأسه، بومة على الشجرة، تتهيأ للانقضاض عليه، وخلفه ثعلب ماكر، يتسلل بهدوء، ينتظر القفز عليه لافتراسه.

أحس الجرذ بالخطر المحيط، ورأى في التعاون مع عدوه السنور نجاة لهما مقابل أن يكشر السنور في وجه البوم والثعلب فيتواريان. وعندما انقشعت غيوم الخوف، من فوق رأس الجرذ المرتعد، فعل السنور ما عليه، أما الجرذ فقطع كل الحبال إلا واحداً، حتى إذا دنا الصياد قرض آخر حبل ثم وثب الاثنان بسرعة إلى الحرية.

وهذه القصة تنفع العرب في هذه الأيام الصعبة، والأوروبيون تفاهموا ليسوا على أساس الأخلاق العالية والدين القويم، بل على المصالح، وبدأ ذلك أكثر المتعادين، الفرنسيون والألمان باتفاقية الحديد والصلب، وهاهم اليوم 27 دولة تضم 270 مليونا من الأنام.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية