يتفضل معالي الدكتور غازي القصيبي في أحيان متباعدة فيكتب لي بعض خواطره أو بعض ملاحظاته عما أكتب, وهي خواطر وملاحظات تتصل بالعمل العام والشأن العام والهم العام. كتب لي وهو سفير وكتب لي وهو وزير. وفي الحالين أجد نفسي في حيرة بين نشر ما يتفضل به من ملاحظات وآراء, أو الإبقاء عليها حبيسة ذكرياتي أو حبيسة في أدرجي.
وغازي القصيبي ليس وزيرا عاديا تدرج في الوظائف الإدارية حتى أصبح سفيرا أو وزيرا فهو قامة عالية وقيمة غالية, فملاحظاته إذن وخواطره تستحق أن يشاركنا فيها القراء وتستحق أن تصل الرأي العام وتستحق مناقشتها والحوار حولها.
آخر رسائله لي تتعلق بالسعودة تعليقا على مقال كنت قد نشرته عن السعودة والبطالة وقلت فيه إن السعودة والبطالة هي نفسها الأمركة والبطالة والفرنسة والبطالة, فهي مشكلة عالمية تعالجها كل دولة حسب ظروفها وقدراتها. ويرى الدكتور أن تعثر السعودة له أسباب, فلا شيء يحدث بلا سبب, وأول هذه الأسباب أن النظام التعليمي في السعودية منعزل عن احتياجات السوق (إلى حد كبير), وثاني الأسباب أن المجتمع مستريح إلى الاستقدام الرخيص منذ عقود, ورجال الأعمال يفضلون المنتج على غير المنتج, خاصة إذا كانت تكلفته ثلث تكاليف المواطن. ويضرب الوزير مثلا ميكافيليا يقول: الناس يغفرون لمن يقتل آباءهم ولا يغفرون لمن يأخذ أموالهم, والنظرة السائدة إلى السعودة هي أنها أخذ أموال التجار بغير حق. ثالث هذه الأسباب أن هناك شبابا استمرأ العمل الحكومي أو الكسل الحكومي فلا يطيقون غيره.
ورابع هذه الأسباب أن هناك من الشباب من استمرأ البطالة فلا يريد تغييرها.
ويقول القصيبي: "وزارة العمل تحارب في عشرة ميادين, فلا تلقى في كل ميدان سوى العداء والهجوم والهجاء.
هذه نظرة من خبير مثقف إلى قضية السعودة, وهي نظرة تحليلية منصفة وتستحق كل الانتباه وكل الاحترام.
ويختم معالي الوزير كلمته بتحذير يقول فيه: على أنه لا مبرر لليأس والقنوط, فالأمور تتحسن والسوق يتأقلم, وكل من رجال الأعمال والباحثين عن عمل قد أدركوا حقائق الحياة, والوزارة تتعلم كل يوم من أخطائها, والمستقبل, بإذن الله, أفضل من الحاضر, وعلى الصحافة أن تنشر الأمل ولا تنشر اليأس.
وأنا أشكر معالي الوزير على رسالته المفيدة والجادة والمنصفة, ولعل القراء الأعزاء يشاركونني الرأي في أن رسالة الوزير قد وضعت الأمور في نصابها الصحيح.
بقي أن أشير إلى ما قرأته على لسانه من أنه غير راض ويشك في إعادة تعيينه, وأود أن أقول له إننا متمسكون ببقائه للصالح العام حتى لا نخسر خبرته الواسعة وتجربته الثرية في وزارة العمل, وأذكره بقول صديقه المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
وأنت يا سيدي من أهل العزائم والمكارم معا.
