الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 18 مايو 2026 | 1 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الطائفية .. فتنة دينية أم مشكلة ثقافية؟

هاشم عبدالله الصالح
هاشم عبدالله الصالح
الجمعة 1 مايو 2009 1:1

[email protected]

قد يستغرب البعض كيف أن الإسلام وهو الدين الذي يتوجه بالدعوة للناس جميعا على اختلاف لغاتهم وأجناسهم وألوانهم وثقافاتهم وأماكن سكناهم, هذا الدين الذي يحوي من العقائد والمبادئ، التي جاءت منسجمة ومتوافقة مع فطرة الإنسان التي سلمت لها العقول وانفتحت لها النفوس واستقبلتها القلوب واستأنست لها الأرواح، أن ينتهي الحال بمعتنقيه من المسلمين إلى هذه الحالة من التشرذم والتخندق المذهبي والطائفي، فالمسلم يجد نفسه اليوم وهو أمام عدة نقاط للعبور منها قبل أن يستطيع أن يحظى بثقة أخيه المسلم الآخر، وعليه أن يتجاوز عدة أسوار قبل أن يستطيع أن يصل إلى دائرة الإسلام التي من المفترض أن تجمعه بالمسلم الآخر الذي يختلف معه في المذهب أو الطائفة أو الاجتهاد. كيف أن هذا الدين الذي يستثير إنسانيتنا بطقوسه وعقائده وأخلاقه ينتج لنا هذه النفوس المتأزمة والمحتقنة والميالة للعنف في تعاملها مع الآخر؟ حتى وإن كان ذلك الآخر يشاركه في الأصل ويختلف معه في الفرع, فهل يحق لنا أن نحمّل ديننا وإسلامنا كل هذه الممارسات الطائفية التي قطعت أوصالنا وبعثرت مواردنا وشتت جهودنا وشوهت صورتنا وصورة ديننا في عيون غيرنا من الأمم والشعوب الأخرى؟ أم أننا وبثقافتنا وبقراءتنا الخاطئة لديننا من يتحمل هذه المسؤولية، فثقافتنا بحاجة إلى مراجعة وربما إلى إعادة إنتاج، لأنها هي التي أنتجت لنا قيما وقناعات شوهت من قراءتنا لديننا, فالاجتهادات المختلفة التي أنتجت لنا هذه المذاهب والطوائف التي جاءت بشكل طبيعي واستجابة لاتساع رقعة الإسلام وازدياد عدد المسلمين وتنوع خلفياتهم الثقافية، إضافة إلى تدخل العوامل السياسية في دعم هذا المذهب ومحاربة الآخر نأتي نحن لنجعل منها أمورا مقدسة نصالح ونلتقي من يأخذ بها وننفر وربما نعادي أو نكفر من لا يؤمن بها ولا يقدسها. كيف استطعنا بثقافتنا أن نسمع على غير ما يدعو إليه ديننا من عدم قطع الأشجار وعدم الإجهاز على الشيخ والضعيف في حروبنا مع من يعتدي علينا وإذا بنا نحن نتفنن ونبتدع من الأساليب ما لم يخطر على بال أحد ونحن نحارب بعضنا؟ ما الذي جعلنا نمارس كل هذه القسوة والوحشية بحق بعضنا كما نشهده اليوم في أكثر من مكان من عالمنا الإسلامي ونحن نتبع ونقتدي بنبي سمي بنبي الرحمة ووصفته السماء أنه على خلق عظيم لولا أننا نفهم بخلاف ما نقرأ وندرك الأمور بخلاف ما يراه ديننا وتدعو إليه تعاليم شريعتنا؟ هذه مصيبة من مصائب الثقافة المتخلفة, فالثقافة هي التي تنتج لنا القيم والقناعات التي تحرك فينا الدوافع وتشكل عندنا المواقف التي بها نعمل ونتحرك ونتكلم ونكتب ونخاطب بها أنفسنا ونتحاور بها مع غيرنا وعندما تفشل ثقافتنا ويعجز خطابنا الثقافي في إنتاج قيم وقناعات ترتقي بنا وبسلوكياتنا، فلا غرابة أبدا أن تخرب دنيانا ويشوه ديننا وعقائدنا بأيدينا وليس بأيدي غيرنا. كيف نستطيع أن نقنع العالم بأن مقولة البابا عن الإسلام بأنه دين يختزن العنف في داخله هي مقولة باطلة وظالمة بحق دين جاء ليكرم الإنسان، ونحن نصر على أن ترانا شعوب العالم بأننا شعوب غير متحضرة وأننا شعوب نكفر بعضنا على قضايا وأمور مضت عليها قرون عديدة, ومستعدة لأن تتقاتل وأن يذبح بعضهم بعضا من أجل الانتصار لمثل هذه الأمور الخلافية، ولكن ثقافتنا غير المشغولة بالحياة وتطويرها وتنمية مجتمعها تجد نفسها مدفوعة للسفر في الماضي لتستورد لنا ما يشغلنا ويوهمنا بأن ثقافتنا هي ثقافة حية وموجودة في الواقع، وإن كان هذا الواقع هو صورة وهمية لماضينا، وإن كان هذا الوجود هو وجود مثقل بالتأجيج العاطفي والطائفي الذي دائما ما يتفجر على شكل صراعات ونزاعات مكلفة لنا اقتصاديا واجتماعيا وبشريا.

صحيح أن ثقافتنا مع الأسف قد خذلتنا في أمور عديدة, فالسياسة قرأناها على خلاف ما يقرأها الآخرون, والسياسة عندهم هي من فنون الإدارة وتنظيم الشأن العام والشفافية والمحاسبة ونحن قرأناها على أنها تسلطن على الآخرين واستحواذ بالقوة والإكراه على مفاصل اتخاذ القرار, والإدارة عندهم هي الحكمة في توظيف الموارد المتاحة لتلبية الحاجات حسب أولوياتها، أما الإدارة عندنا فهي تشريف ووجاهة وفرص ومزايا, والأخلاق شكلناها بثقافتنا المشوهة فصارت لا ترى الأمانة والإخلاص في العمل إلا أنها صفات الإنسان الضعيف وغير المدرك لحقيقة الحياة، وأما قول الحقيقة والشفافية والمحاسبة فهي صفات مذمومة وغير مرغوبة بحجة أنها تثير الخلاف بيننا وتفتح باب الفتن في وجوهنا. وكل هذا وعلى الرغم من أثره السلبي علينا وعلى حياتنا إلا أن الثقافة عندما يصل فسادها وخرابها إلى جوهر حياتنا، وهو الدين، فإن مصيبتنا تكون أعظم لأن الأثر الذي سيحدث والفعل الذي سيصدر منا سيكون كبيرا وعلى قدر قداستنا للدين وارتباطنا بهذه العقيدة الدينية، وخير شاهد على ذلك ما نراه من صور وممارسات عنيفة لا يمكن أن تفهم ولا يمكن أن تصدر من أشخاص إلا في إطار عقائدي وديني، وبالتالي فالطائفية وإن حسبت على الدين وإن كان رجالها ومحركوها هم من العلماء ورجال الدين، ولكنها مصداق آخر لاختلال ثقافتنا وتردي قيمنا الثقافية وانحطاط خطابنا الثقافي، فليس من المعيب أن نختلف في فهمنا للدين وأحكامه, فالمسلمون الأوائل قد قرأوا القرآن الكريم وهو معجزتهم الخالدة بسبع قراءات، وكذلك وجدوا أنفسهم وقد اختلفوا في تفريعات دينهم، ولكن عندما انحدرت ثقافتنا وتردت قيمنا جعلنا من هذا التنوع بذور فتنة وعوامل شقاق فيما بيننا.

عندما سقط سور الثقافة وانهار جدار الوعي عندنا استغل رجال السياسة هذا الضعف ليستبيحوا شعوبنا بتأجيج العواطف المتلونة بالمذهب والطائفة وبعد أن شحنا طائفيا أدرنا وجوهنا لبعضنا وقد كشرنا عن أنيابنا لنفترس بعضنا ويحطم الواحد منا قدرات الآخر. وفي ظل هذه الأجواء المحمومة تحاك من خلفنا المؤامرات وتعقد المؤتمرات وترسم الخطط لنهب ثرواتنا, فهم مشغولون بتقسيم أوطاننا وتقطيع أوصالنا ونحن مشغولون بتكفير بعضنا وتكريس الكراهية والعداوة بيننا.

في الختام علينا نحن المسلمين جميعا وبجميع أطيافنا السياسية والمذهبية أن ندرك أن استقواء الآخرين علينا لم يتم في الماضي والحاضر إلا بعد أن انقسمنا على أنفسنا، وهذا الانقسام لا يتحمل مسؤوليته ديننا بقدر ما تتحمله ثقافتنا, والله سبحانه وتعالى يقول في سورة الرعد آية 11, "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم", فنحن بحاجة إلى قراءة ثقافية نغير بها أنفسنا وثقافتنا ونرجع بها إلى إنسانيتنا لكي نفهم ديننا ومبادئ شريعتنا بالشكل الصحيح, فنحن لا نستطيع أن نفهم ديننا بثقافة تدفع بنا إلى اختزال أنفسنا في طوائف ومذاهب وجماعات, نرى ما يرون ونحب ما يحبون ونكره ما يكرهون ونعادي ما يعادون ونأخذ ما يأخذون ونقبل ما يقبلون ونكفر ما يكفرون وكل هذا يتم دون وعي، وبمقولات توظف لغايات ومصالح لا تخدم الإسلام.

هذه الثقافة التي تنتج لنا هذه العقول المختزلة هي البوابة التي تتسلل منها الممارسات العنيفة بأشكالها وصورها كافة وليس هناك ظلم أشد وأقسى من أن نظلم أنفسنا وتحت عناوين دينية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية