في (يينا) من ألمانيا قام العلماء بدراسة أفعى الأناكوندا، وهي تزدرد فريستها ميدانياً، بواسطة تقنيات حديثة مثل الأشعة المحورية الطبقية CT-SCAN والطنين المغناطيسي MRI والأشعة ما فوق الصوتية، أو بتقنية التصوير المغزلي النووي NUCLEOSPINTOMOGRAPHY ؛ فلاحظوا أنها تبتلع ما هو أكبر من وزنها بكثير، ويمكن لأفعى الأناكوندا، أو البيثون أن تبتلع خروفاً بالكامل، ولكنها وجبة تكفيها لمدة سنة كاملة، وهي عندما تقوم بهضمها فإن القلب يضرب خببا، والتنفس يسرع لهاثاً فيصل إلى درجة الضباح، وتستهلك الأفعى أثناء ذلك أربعين مرة ما تحتاج إليه في العادة من الأكسجين. وهو ما يشبه عمل العدَّاء في المسافات القصيرة، أو انطلاق الحصان في أقصى عنفوانه، بفارق أن الخيل تركض وهذا لفترة دقائق، أو ساعات، أما الأفعى فإنها تقوم بهذا الجهد في أيام متلاحقة، ونحن لا نرى شيئا سوى حية هادئة ومعامل هائلة تطحن داخل أحشائها. وهي معلومات اهتدى إليها العلماء قبل موت صائد التماسيح الشهير ستيف أوروين المتهور وله قصة خاصة به.
حقاً إنها مخلوق عجيب.
ولقد حاول العلماء أن يريحوها من هذا الجهد، فقدموا لأفعى البيثون، بدل الوجبات الأربع الرئيسية، التي تتناولها في السنة، وجبات متتالية من فئران سمينة؛ فأخذوا يدللونها، ويطعمونها، فيلقون في فمها فأراً كل يومين!
كانت الأفعى تتلقى الوجبة بسرور ومتعة، ولكنها انتهت بكارثة، فلم تعد تقدر الأفعى على العيش، الا بهذه الطريقة الحضارية، ولم تعد أمعاؤها قادرة بعد هذا على الوجبات القليلة الثقيلة التي اعتادها آباؤها الأولون؟!
ويشير (ابن خلدون ) في مقدمته أن الناس تموت في المجاعات، ليس بنقص الغذاء، بل باعتياد الأمعاء الزائد على الرطوبات، والمذاقات وأطايب الطعام؛ فما يهلك الناس حسب رأيه، ليس الجوع المفاجئ، بل الاعتياد الطويل، والتأنق في المطاعم والمشارب، وتنوعها، واعتياد الجهاز الهضمي على ذلك، وهو ما نكب الحية المسكينة التي أرادوا خدمتها وراحتها فأضروها، وهذه فلسفة مهمة فالراحة مهلكة، يشير إلى هذه الحقيقة حديث بشكل آخر: " اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم".
ومن هنا نفهم أن قصة (الأسود) أي الثعبان الذكر، مع ملك الضفادع، ليست صحيحة تماماً، فعندما أصابه الهرم، وعجز عن مطاردة الضفادع والتهامها، جاء فارتمى أمام أحد الضفادع بحسرة وذل، فتعجب منه وقال ما بالك؟ قال حادث وقع لي، فقد طاردت ضفدعاً دخل بيت ناسك، فلما دخلت البيت لامست قدم الصبي فظننت من طراوتها أنها جلد الضفدع، فلدغته؛ فمات الغلام لساعته، فلحقني الناسك؛ فدعا علي باللعنة إلى يوم الدين، وأن يذلني الله ذلاً ما بعده ذل؛ ويجعلني مركباً لملك الضفادع، مثل سيارة المرسيدس السوداء، فيتنقل على ظهري بين المجاري والأنهار.
ركض الضفدع إلى سيده الملك قائلاً: لقد حصل انقلاب في الحياة؛ فهذا عدونا الأسود، أذله الله فجاء يخطب ودك؛ فلما سمع منه ما حدث انتشى ووضع تاجه وذهب يتأمله بشفقة، ثم إنه اعتلى ظهره، فأحس بمتعة خرافية، بقيادة سيارة طويلة فخمة من هذا النوع، بلون أسود لامع بديع.
وبعد يومين قال له إن السيارات الفخمة تحتاج إلى بنزين؟ فهلا أطعمتني؟ قال ملك الضفادع حسناً: ثم أمر له بضفدعين في كل يوم، يكونان له طعاماً كافيا، كي يحمل على ظهره صاحب العرش.
إنها قصة مسلية ولكن اعتياد الرخاء قاتل وأهلك الله المسرفين بذنوبهم.