إن الله عز وجل هو المنفرد بالخلق والتدبير. والاختيار من المخلوقات، قال الله تعالى: "وربك يخلق ما يشاء ويختار"، فليس لأحد أن يخلق، ولا أن يختار سواه، فهو سبحانه أعلم بمواقع اختياره، ومحال رضاه، وما يصلح للاختيار مما لا يصلح، وغيره لا يشاركه في ذلك بوجه من الوجوه، كما قال سبحانه: "وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله، الله أعلم حيث يجعل رسالته"، وقال: "الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير"، فهو سبحانه أعلم بمواقع اختياره، وأعلم بالمحل الذي يصلح لاصطفائه، وكرامته، وتخصيصه بالرسالة والنبوة وغير ذلك، دون غيره من المحال.
والله تعالى يختص ما يختصه من الأماكن، والأزمان، والأشخاص، والأعيان بأحكام تخصها، فاختار نبينا صلى الله عليه وسلم ليكون إماما رسولا "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم"، وقال المشركون مستكثرون نزول القرآن عليه: "لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" أي رجل له مكانة من أهل مكة أو الطائف. قال تعالى ردا على هذا الاعتراض" أهم يقسمون رحمة ربك "أي ليس الأمر مردودا إليهم بل إلى الله عز وجل، والله أعلم حيث يجعل رسالاته فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبا ونفسا وأشرفهم بيتا وأطهرهم أصلا، ثم قال عز وجل مبينا أنه قد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، فقال: "نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا".
فخلق الله السماوات سبعا، واختار العليا، وجعلها مستقر المقربين من ملائكته، واختصها بالقرب من كرسيه ومن عرشه، وأسكنها من شاء من خلقه، فلها مزية وفضل على سائر السماوات، ولو لم يكن إلا قربها منه تبارك وتعالى.
ومن هذا تفضيله سبحانه جنة الفردوس على سائر الجنان، وتخصيصها بأن جعل عرشه سقفها كما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة".
ومن هذا اختياره سبحانه وتعالى من الأماكن والبلاد خيرها، وأشرفها، وهو البلد الحرام فإنه سبحانه اختاره لنبيه صلى الله عليه وسلم، وجعله مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب، من كل فج عميق، وجعله حرما آمنا لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف، إلى غير ذلك من الخصائص التي خُص بها هذا البلد الحرام.
ومن تفضيل الله تعالى للأماكن بعضها على بعض أن فضل المساجد على غيرها من الأماكن، وخصها بخصائص وأحكام، قال الله تعالى: "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال..." الآية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن".
وفضّل من هذه المساجد، المساجد الثلاثة – المسجد الحرام، المسجد النبوي، والمسجد الأقصى – وخصها بخصائص، وفضائل لا يشاركها فيها غيرها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى".
وفضل من هذه المساجد الثلاثة، المسجد الحرام، فخصه بخصائص، وفضائل لا يشاركه فيها غيره من المساجد.
