كتب الجاحظ كتاباً من سبعة مجلدات عن الحيوان، وكانت معلوماته بدائية جدا، واليوم يدرس علم الحيوان والطبيعة على شكل تفصيلي، وبآلات متقدمة جداً. ونحن نعرف اليوم عن (الدب القطبي) أنه يزن 680 كغ، وعنده حاسة شم يستطيع بها التقاط الروائح، حتى مسافة 35 كم، ويسبح في الماء المجمد في القطب الشمالي بسرعة 10 كم في الساعة، ويمكن أن يواصل رحلته حتى 100 كم، بدون استراحة، ودرجة حرارته مع ذلك تبلغ 37.2 سنتغراد، ويحافظ على نفسه، حتى لو كان الجو المحيط به، يصل إلى ستين درجة تحت الصفر، وفيها يموت الإنسان متجمداً خلال دقائق، وتعينه على ذلك أكف خاصة، عازلة عن الجليد، الذي يطؤه آناء الليل وأطراف النهار، وعند تصويره بالأشعة تحت الحمراء، اختفى من المنظر، فلم تشع أي حرارة منه، باستثناء مقدمة فمه حيث يتنفس، والسبب عازليته المثالية، فوبره ليس أبيض، ولكنه مكون من طبقتين: الأولى وبر مثل الأنابيب المجوفة، تمتص الحرارة ولا تفقدها، ولذا يظهر باللون الأبيض بسبب امتصاصه أشعة الشمس. وتحت الوبر، وبر آخر أقصر، وتحته طبقة سوداء، تعين في امتصاص كل الطاقة، التي التقطتها طبقة الأوبار الأولى، وتحت الجلد توجد طبقة شحمية سماكتها عشرة سنتيمترات، مما يجعله كائناً محمياً من البرد على نحو مثالي، بل ويشعر أحياناً بالسخونة الزائدة، فيتقلب في طبقات الجليد، سعيا وراء برودة أكثر.
أما طائر (البطريق) فيدعى الإمبراطور المتكيف مع المناخ، حيث يعيش في أقسى مناخات العالم في القطب، ويسبح أسرع من الدب القطبي الأبيض، وبفضل عظامه الثقيلة، التي يمتاز بها عن عظام الطيور المجوفة الخفيفة، يستطيع أن يسبح في الماء الجليدي، وبسرعة تصل إلى 24 كم في الساعة، ويغطس حتى عمق 600 متر، بما يفوق الغواصات، ويحافظ على حرارته، بطبقات فوق طبقات من العزل؛ فريشه عازل ومدهون بالزيت، ثم تأتي طبقة من الهواء عازلة، ثم تأتي طبقة شحمية كثيفة، وأما قدماه؛ فقد عرف أنه من الناحية التشريحية مبنيتان على شبكة وريدية، مطوقة للشريان، بحيث يحصل تبادل حراري بينهما، وتحافظ على قدميه من التجمد.
أما (النسر) فهو مزود بعينين كبيرتين نسبة لحجمه، ولذا فهو يدير رأسه أكثر من تحريك عينيه، وحدتهما أكثر من البشر مرتين ونصفا، ويمكن أن يطير بسرعة 80 كم في الساعة، لتصل إلى ضعف هذا عند الانقضاض على فريسته، وعرف من الناحية التشريحية، أن بناء الشبكية عنده، أفضل منا بما لا يقارن بسبب كثافة العصيات والمخاريط، (العصيات للضوء الضعيف وفي الليل، والمخاريط للضوء الحاد والألوان) ووجود لطختين عنده، مما يمكنه من رؤية الأرانب من مسافة عدة كيلومترات، مثل رؤيتنا الشيء بالزوم المقرب، والنسر أنواع، وتبلغ أكثر من 50 فصيلة؛ منها النسر الأصلع، والذهبي، ومنه نسور الأفاعي، والرؤية بعينيه محيطية واسعة، ونظرا لأن ثلث عمل الدماغ يتركز في عملية الإبصار، فقد نمت حاسة الإبصار عند النسر إلى الشكل المثالي بين المخلوقات.
أما (الذئاب) فعلى العكس فقد نمت عندها حاسة الشم، وطبقتها في الأنف أوسع 14 مرة، مما عندنا، وتضم 200 مليون خلية عصبية للتمييز، وقوة الشم عندها أشد 10 مرات عما هي عند الكلاب، وأكثر 100 مرة مما عندنا، وتعيش الذئاب على شكل تراتبية، وتصيد جماعة، وتحافظ على مناطقها بالشم؛ فإن جاء غريب عرفته من الشم: كم عمره؟ وما هي صحته؟ وآخر وجبة تناولها؟ وما هو مزاجه؟ وهل هو عدو أم صديق؟ وأما سمك السلمون فقوة الشم عنده أقوى منا بثلاثين ألف مرة.