لم يكن من خطتي حفظ القرآن، ولكنني أثناء صلاتي خلف الإمام، كنت أسمع آيات تسحرني بروعتها، مثل نهاية سورة النحل (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) فحفظتها، وأنا أتذوقها ألذ من الفاكهة والحلويات، ولذة العلم عجيبة.
وعندما كنت طالبا في الصف الثامن تأثرت جداً بسورة مريم فحفظتها، وفي الصف التاسع كنا مطالبين بحفظ سورة (فصلت) فتمتعت بالآيات وحفظت السورة.
وفي الصف العاشر حفظت جزء (الذاريات) وكنت أقرأ التفسير معه، وأتذكر تأثري الشديد بسورة (القمر) ونهايتها بحرف الراء (وكل أمر مستقر …) كانت السورة مثل الإيقاع الموسيقي العسكري الشديد.
وفي صف الحادي عشر حفظت سورة (آل عمران)، وكنت أطلب من أصدقائي المرة بعد المرة الاستماع إلي للتأكد من عدم وجود أغلاط، أو ضياع شيء.
وقبل دخول الجامعة حفظت سورة (البقرة)، واعتبرتها إنجازا مهما، فهي أكبر سورة، وفيها آية الكرسي، وأطول آية في القرآن عن الدين. وأتذكر (ويس العلي) الأستاذ المثقف، وهو يقول اقرأ علي آية التداين، ولا أعلم أين طوحت به الأيام؟ وكان رجلاً نبيهاً قوي الشخصية معجباً جداً بابن خلدون، ويذكر لنا الكثير من أفكاره.
وفي الجامعة وضعت خطتي لملء كل الثغرات، بإكمال حفظ القرآن، وقراءة التفسير إلى جانبه.
وكانت أجمل الساعات عندي الصباح مع شروق الشمس، عندما أمسك بالمصحف؛ فأحفظ ما تيسر، وأدركت يومها أن الذاكرة آلة، يمكن أن تتحفز وتصقل، بأحد من حد الشفرة، وتنمو بأفضل من شجرة؛ بحيث تستطيع التقاط الكلمات، وحفظها مع الوقت على نحو أسرع.
وهكذا اكتملت الصورة (Puzzel) أي حفظت قطعا متفرقة من القرآن، حتى أنهيته، وكانت آخر سورة مما حفظت سورة (يونس) وكانت على سطح صديقي حسان جلمبو، الذي سلم البعثيون جثته لأهله فأصبح منسيا. وكان جميلا رشيقا طويل رموش العينين نحيفا كثير التبسم، تخرج في الهندسة، ومات شاباً رحمه الله تعالى في عاصفة العنف التي اجتاحت بلاد الشام وسبحان الدائم.
ولقد اكتشفت وبالتجربة، قوانين لتنشيط الذاكرة، وترسيخ ملكة الحفظ.
وفي يوم واحد أتذكر نفسي ودماغي يتقد مثل الشرر؛ فقرأت في يوم واحد كتاب علم (المواريث) للقلعجي، وما زلت أتذكر المسألة (المنبرية) عن الإمام علي بن أبي طالب، حينما سئل عن رجل مات، وترك أماً وأباً وزوجة وابنتين فتابع رضي الله عنه، نفس نسق الكلام، (الحمد لله الذي يحكم بالقطعى وإليه المآل والرجعى ويجزي كل نفس بما تسعى ) فكمل (المرأة صار ثمنها تسعاً) فذهبت مثلا.
وينقل عن (ابن عباس) قوله : (إن الذي أحصى رمال عالج لم يجعل فيها نصفاً وثلثين) لأنه لم يكن يعتقد بالعول.
وهذه مسألة من علم الميراث أحببت أن أذكرها في قصة تنشيط ملكة الذاكرة. وكتبت في كتابي الطب محراب الإيمان الجزء الأول، أن هناك ما لا يقل عن عشرة قوانين لتنشيط الذاكرة: منها الربط بين (الكلمة والوقائع) فإذا ذهب إلى عند موظف بنكي أو عامل في مغسلة وأراد حفظ اسمه حاول ربطه بشيء آخر وبهذا لا يضيع الاسم.
ولفت نظري قوة الذاكرة الصباحية وقبل الغروب، ولهذا ذكر القرآن ذكر اسمه قبل شروق الشمس وقبل غروبها.
وأنا شخصيا يأتيني وحي الكتابة بأفضل ما يكون صباحاً.
ويدخل في هذا (التكرار) فليس شيء يثبت الأشياء مثل التكرار، وذهب المثل "التكرار يعلم الحمار".
ومنها (التقوى) أي الانضباط Discipline ويروى عن الإمام الشافعي قوله: شكوت إلى وكيع سوء حفظي .. فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأن العلم نور .. ونور الله لا يهدى لعاصي