في تموز (يوليو) 1853م رست سفينة أمريكية على الساحل الياباني، وكانت أمراً نادراً؛ فالشعب الياباني مغلق جدا، وعنصري جداً، لا يعرفه إلا من عاشره وخالطه فروى عنه، ويشبهون في هذا الألمان. وكان اليابانيون حرصاً على نقاء جزيرتهم، يقتلون أي إنسان ينزل ساحلهم من الأغراب، حتى لو تحطمت به سفينته، واضطر إلى اللجوء إليهم، فكان سيف الساموراي في استقباله، وليس حسن الضيافة. تقدم الجنرال (ماثيو بيري) برسالة إلى الإمبراطور الياباني، يطلب منه السماح للسفن الأمريكية باستعمال المرافئ اليابانية عند الضرورة.
قبل الإمبراطور بهذا، وكانت بداية انفتاح اليابان على العالم بعد عزلة دامت 200 سنة. ولم يبق الأمر عند الأمريكيين، بل سارعت للاستفادة منه دول غربية أخرى على رأسها بريطانيا، وتطور الأمر إلى احتلال الغربيين الشواطئ اليابانية في الحملة الاستعمارية الناشطة يومها.
وفي عام 1862م قام بريطاني هو (تشارلز ليونكس ريتشاردسن) بإهانة أحد رجال الساموراي، فما كان منه إلا أن استل سيفه فقتله.
غضبت بريطانيا، وطلبت محاكمة الياباني، وتعويض الإنجليزي؛ فلم تأبه اليابان، فما كان من بريطانيا إلا أن زحفت بسبع بوارج تجاه الساحل الياباني عند مقاطعة (كاجوشيما)، فأمطرت مدينة (ساتشوما) بوابل من حمم البوارج الرابضة.
وكان في المدينة شاب صغير عمره 14 سنة اسمه (هيهاتشيرو توجو) رأى بعينه نوع الإذلال الذي أنزله البريطانيون باليابان، ومدى الذعر الذي سيطر على السكان، وهم لا يملكون من أمرهم شيئا، ولا يستطيع الجيش الياباني شيئا حيال هؤلاء الشياطين البيض.
وكان مقاتلو الساموراي يلوحون بسيوفهم ويصرخون في البريطانيين: إن كنتم رجالا فانزلوا إلى الشاطئ لنتبادل طعنات المهند الحسام.
تحولت مدينة (توجو) إلى كتلة من النيران أمام عينيه، ولم يروا جنديا بريطانيا واحدا، بل بوارج ترمي المدينة بنيران تتلظى.
وكانت هذه الواقعة حاسمة في قلب العقل الياباني، وبعدها مباشرة أدرك اليابانيون أنهم خارج إحداثيات التاريخ والجغرافيا.
وفورا أرسلوا إلى الغرب 150 شاباً من أذكى ما عندهم، وأكثرهم طموحاً وجلدا، وأن لا يعودوا دون معرفة سر المدفع والبارجة، وكل التقنيات الحديثة.
وهكذا بدأ عصر (الميجي) كناية عن اسم الإمبراطور الذي كان يحكم يومها. وكان التوجه أن ينقلوا كل العلوم دون تحفظ، من أجل وضع اليد على سر تفوق الغرب.
ومن الغريب أن العالم العربي احتك بالغرب أبكر من هذا الوقت مع قدوم نابليون، ولكن اليابان اليوم في أعلى عليين، والعرب ليسوا في أسفل سافلين. كانت اليابان قبل زيارة الجنرال الأمريكي (بيري) معزولة تعيش أخلاق الساموراي، حسب نظام (بوشيدو)، وهو نظام حربي صارم، يقوم على التدريب المتواصل، باستخدام سيف مرهف النصل، يحمل باليدين، ويعيش المحارب زاهدا نزيهاً، إضافة إلى احترام (المعلم) إلى درجة التقديس والانحناء العميق عند ظهوره.
وخلال خمسين سنة قفزت اليابان من بلد متخلف إلى بلد من الدرجة الأولى. وكان (توجو) من جملة الشباب الذين أرسلوا لتعلم الفنون البحرية، وتم بناء سفن عصرية لليابان في البحرية البريطانية.
وهكذا ولدت البحرية اليابانية الجديدة، وتم توديع نظام (الساموراي)، بعد أن عاش قرونا طويلة، وانتهى عصرهم.