أفكار جديدة للحكومة الإيطالية لفتح منافذ للهجرة

أفكار جديدة للحكومة الإيطالية لفتح منافذ للهجرة

أفكار جديدة للحكومة الإيطالية لفتح منافذ للهجرة

إذا كان الحديث عن مسألة الهجرة فإن إيطاليا يبدو أنها تحمل أفكارا ذات أبعاد جديدة، وذلك من خلال باولو فيريرو وزير الشؤون الاجتماعية الجديد الذي يقول إن على بلاده تجديد قوانينها و تشريعاتها وهو ما يعني – حسب تصوره – مشاركة المهاجرين في صنع السياسة و القرار في البلاد . ويعتبر فيريرو حق الانتخابات للمهاجرين في إيطاليا مرادفا لحق المرأة في الانتخاب وهو التشريع الذي صدر في عام 1948. وبالنسبة لفيريرو فإن هذا الأمر يُعد جزءا من تداخل الفئات السكانية، والتي تعيش و تعمل في إيطاليا، والتي لطالما تم استثناؤها من إجراءات اتخاذ القرارات.
وينوي الوزير الإيطالي من خلال هذه الرؤية المثالية وعن طريق المشروع المقترح ملامسة أكثر من نقطة قد تمكّن المهاجرون من الحصول على الجنسية بعد مرور خمس سنوات فقط من الإقامة في إيطاليا. وهذه الرؤية التي عرضت على مجلس الوزراء أوائل آب (أغسطس) ستواجه اختيارا قاسيا أمام البرلمان الخريف المقبل أمام مقاومة من أحزاب يمين الوسط المعارضة . ويقترح المشروع منح أطفال المهاجرين الذين ولدوا في إيطاليا الجنسية الإيطالية مباشرةً. كما يمكن للأجانب المتزوجين من إيطالية ، الحصول على الجواز الإيطالي بعد عامين.
ولكن على ما يبدو فإن فيريرو ما يزال غير راضٍ فهو يريد أن يسهّل أمور الهجرة إلى إيطاليا بصورة عامة، حتى لهؤلاء، الذين لا يندرجون في وظائف دائمة، ولكن يريدون السعي في البحث عن وظيفة بمجرّد وصولهم إلى إيطاليا. وبناءً على تصورات فيريرو من المفترض أن يكفي المهاجر أن يثبت الشخص وجود كفيل له في إيطاليا إضافة إلى توافر سيولة نقدية تراوح بين ألفين وثلاثة آلاف يورو ليتمكن من الحصول على ترخيص الإقامة. وبموازاة ذلك يدعو فيريرو إلى وضع حدٍ لتدفق المهاجرين غير الشرعيين بالكامل لاحقاً.
أما وزير الداخلية و رئيس الوزراء السابق جوليانو أماتو فيريد الإبقاء على وضع تشريع الدخول والهجرة الحالي في إيطاليا مع إدخال بعض التعديلات و التحسينات عليه. وعلى أماتو أن يحارب المشاكل الفعلية للهجرة، حيث وفد إلى جزيرة لامبيدوسا جنوب إيطاليا وحدها خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2006 نحو 11 ألف مهاجر غير شرعي عن طريق القوارب. وفي عام 2005 بلغ العدد نحو 23 ألفا والعام الذي سبقه نحو 13 ألفا . ولهذا فإن أماتو بصفته وزير الداخلية يرى أن يتم تحديد هوية الذين يتم الإمساك بهم أو إنقاذهم من البحر على السواحل، أو المهاجرين القادمين غير الشرعيين، وإعادتهم من جديد إلى أوطانهم.
وبالفعل تحاول السلطات الإيطالية الإمساك بجميع المهاجرين غير الشرعيين ومن ثم إعادتهم إلى أوطانهم بعد التثبت من هويتهم وموطنهم الأصلي. ولكن في الحقيقة هذا يحدث مع نصف المهاجرين غير الشرعيين فقط.
أما الباقون ممن قاموا ببساطة بالتخلص من وثائقهم الرسمية فيتم إطلاق سراحهم بعد ستين يوماً كحد أقصى بعد التوقيع علي إقرار أنهم سيعملون على مغادرة إيطاليا خلال الأيام القليلة المقبلة. وعلى الأغلب لا يعود لهؤلاء أثر. ففي عام 2004، تم اتخاذ هذا الإجراء مع نحو 40 ألف شخص وفي عام 2005 مع نحو 66 ألفا.
ولهذا فقد وجّه أماتو منذ فترة قصيرة نداء مساعدة لدول الاتحاد الأوروبي كافة والتي يرى أنها يجب أن تساعد الإيطاليين في مراقبة و حراسة السواحل الجنوبية أو على الأقل المساعدة في تكلفة إعادة نقل المهاجرين غير الشرعيين. ويأمل وزير الداخلية الإيطالي في الوقت ذاته، بأن يعمل الاتحاد الأوروبي على التفاوض مع دول جنوب البحر المتوسط من أجل وضع ضوابط أفضل على موانئ الخروج على السواحل. ووعد فرانكو فراتيني مفوّض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة – وهو بالمناسبة أحد المخلصين لرئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو بيرلسكوني – وعد بتقديم دعم شامل في هذا الصدد و إن بقيت هذه الوعود حتى الآن حبرا على ورق.
وفي الداخل برز العديد من المناشدات بوجوب قيام إيطاليا ببذل جهود أكبر لتحسين ظروف عمل المهاجرين من الدول النامية والتخفيف من الشروط التي تفرضها رابطات الشركات والاتحادات العمالية ولاسيما من أجل ضبط العمالة الموسمية في بعض القطاعات مثل الزراعية. ولكن الإدارة العامة في إيطاليا لم تكن في وضع يمكنها من الحفاظ على النظرة العامة إزاء شؤون المهاجرين لأنه لا يتوافر - حتى للإيطاليين أنفسهم - خدمات مثل المساعدات الاجتماعية . ولا توجد سوى رعاية هزيلة جداً تتمثل في توفير مساكن اجتماعية للمحتاجين .ولهذا فلا يتوقّع المهاجرون أن يقدم لهم شيئا كما أنه لا يوجد أي دافع لهؤلاء للإبلاغ عن أنفسهم كلاجئين لدى السلطات.
وكمحصّلة لسياسة الهجرة غير المنتظمة من ناحية والفوضى من ناحية أخرى،يجد الكثير من المهاجرين أنفسهم أمام فرص عمل قليلة التأهيل، وغير مرغوبة، ومقابل أجور سيئة للغاية. ومن هذه المهن اللحام، والسباكة، أو في دباغة الجلود، والبناء، أو في عمليات الحصاد في المواسم الزراعية . كما يتم استغلال الآلاف منهم في شركات النسيج الصينية على سبيل المثال في مدينة النسيج براتو حيث يتم الاحتفاظ بالمهاجرين غير الشرعيين كالمساجين، وحثّهم على العمل في سراديب ضيّقة.
أما الآن فقد قررت حكومة اليسار الوسط النظر في طلبات المهاجرين كافة للترخيص بالإقامة و دعت إلى فتح جميع الأبواب بهدف إيجاد المزيد من الخيارات أمام المهاجرين. وبفضل الإجراءات هذه تضاعف عدد المهاجرين المسجّلين رسمياً في إيطاليا في غضون عشرة أعوام نحو خمسة أضعاف. ويُتوقع أن يصبح العدد الرسمي من السكّان الأجانب في إيطاليا لعام 2006 نحو ثلاثة ملايين. ويُقدّر عدد غير الشرعيين غير المسجّلين من المهاجرين، حسب تقديرات المؤسسات الخيرية، نحو الثلث منهم.
وعلى ما يبدو أن إيطاليا غير مهيأة بعد للتحديات الناجمة عن وصول نسبة الأجانب الموجودة من السكان إلى 5 في المائة. وحتى ما قبل فترة وجيزة، كانت إيطاليا تعتبر نفسها دولة طاردة للسكان و ليست جاذبة للهجرة. وهذا التاريخ القصير لإيطاليا كدولة للهجرة يسمح للساسة مثل، باولو فيريرو، بمتابعة مثالياته، دون وضع مبادئ أساسية للتداخل ما بين المهاجرين والمواطنين في الوقت ذاته . وبينما تظهر مشاكل الجيلين الثاني و الثالث من المهاجرين في عدة دول أوروبية مجاورة فإن إيطاليا بدت و كأنها استقبلت الجيل الأول لها من المهاجرين دون تعقيدات كبيرة، باستثناء ارتفاع نسبة و معدل الجرائم بين الأجانب فعلى سبيل المثال تنتشر العصابات في منطقة باديو وهي من أحياء فقراء المهاجرين.
ومن الممكن أن تقوم قوة النمو الاقتصادية خلال الأعوام المقبلة عن طريق العولمة، حيث تميز الاقتصاد في أقاليم شمال إيطاليا بنسبة بطالة مرتفعة تراوح بين 2 و4 في المائة بسبب نقص الأيدي العاملة بصورة حثيثة. وفي النهاية، أدرك المهاجرون الذين يتلقون أجوراً سيئة، ضرورة تخفيض معدل تكاليف الأجور في الكثير من المصانع الصغيرة والمتوسطة. وبالفعل إذا كان هذا ما تؤدي إليه العولمة، حيث تدخل مصانع إيطاليا الصغيرة والمتوسطة في حالة من الأزمة من ناحية، وأن يتم نقل فرص العمل للأقل تأهيلاً في مناطق شرق أوروبا أو آسيا، يمكن أن يصبح المهاجرون الجدد خلال الأعوام القليلة المقبلة عاطلين عن العمل. والمظاهر الاقتصادية للنقل و إلغاء فرص العمل الرخيصة، يمكن رؤيتها مباشرةً، حسبما ورد عن فيدريكو فيرارو من مؤسسة نورد إيست، إحدى المؤسسات للبحث الاقتصادي والاجتماعي، لأهم المناطق الاقتصادية والهجرة في إيطاليا. ولكن لم يتم التفكير الآن من قبل الساسة حول النتائج الفعلية لارتفاع نسبة البطالة بين المهاجرين.
وتبقى الفرصة بالنسبة لساسة إيطاليا للتخلّص من بعض المهاجرين بالطريقة نفسها التي وفدوا بها إلي إيطاليا حيث تتحول دول أخرى مجاورة مثل ألمانيا والنمسا إلى ما يشبه الحوض لاستيعاب تدفق مياه الشلال.

الأكثر قراءة