يذكرني سوق الأسهم اليوم في جامعة الملك سعود خلال فترة الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي. كلما مرت بي الذكريات عن الجامعة في تلك الفترة أتذكر حال المستجدين فيها والذين كانوا مصدر سعادة الجامعة وابتسامتها الدائمة بغرائبهم وطرائفهم التي لا تنتهي ولا بد لكل من يُقبل في الجامعة أن يمر بكلمة (مستجد) مع ما تحمله من معان ومواقف بالإضافة إلى السؤال: هل أنت مستجد؟ لا أدري إن كانت الحال اليوم كما عرفتها في ذلك الوقت وخاصة بعد التطورات المعلوماتية التي أدخلتها الجامعة في جوانب عدة.
فيما مضى كان الطالب المستجد يتيه بين مباني الجامعة الضخمة وأروقتها الكثيرة وقواعدها التي لا تنتهي. وكان الطابور بالإنجليزية: Queue من ثقافة الجامعة في ذلك الوقت فتجد الطوابير هنا وهناك, طابور النتائج, طابور المطعم, طابور المكافآت, وآخر لبطاقات المستجدين. ومما يميز تلك الطوابير أنه لا يوجد ما يشير أو يدل على هويتها فلا تعرف لم هذا الطابور أو ذاك. كثيرة كانت الطوابير وقليلة كانت المعلومات عنها. لتعرف لا بد أن تسأل وإذا سألت سيُعرف أنك مستجد! لذلك كان أمامك, كمستجد أمام طابور, أحد خيارين إما أن تترك الطابور وشأنه أو أن تقف لعل وعسى أن تهتدي لسببه بطريقة ما أو من صديق عابر. ولقلة المعلومات عن الطوابير ولأنها تعني في الغالب شيئا ما يوزع أو فرصة قد تفوت فقد كان معظم الطلاب المستجدين يختارون البديل الثاني فيقفون مع الطابور حتى تنجلي المسألة. ومن تلك المواقف أن أحد الزملاء المستجدين في ذلك الحين وقف في طابور ليجد نفسه بعد ساعة أمام مكتب كتبت عليه عبارة "الطلاب المتوقع تخرجهم".
يبدو لي أن مستجدي جامعة الملك سعود في تلك الفترة هم مستجدو سوق الأسهم اليوم ولكن بعد أن ترسخت فيهم ثقافة الوقوف في الطوابير. فما أن يعرض أحد كبار المضاربين أسهمه على النسبة الدنيا أو يطلب أسهما على النسبة العليا حتى يصطف خلفه آلاف التابعين يعرضون كما عرض وعلى النسبة نفسها. لا داعي لأن يكون هناك عروض شراء أو بيع تقابل تلك الأوامر وليس لهذا الأمر أهمية تذكر, المهم أن هناك طابورا.
تعتبر المعلومات أكسير حياة الأسواق المالية ودونها لا تحيا السوق. عندما تُعرض الآلاف من الأسهم وعلى النسبة الدنيا أو تُطلب على النسبة العليا يتدافع المضاربون على أساس أن لدى من عرض هذه الكميات وبهذه الأسعار معلومات ليست لديهم ولا يستطيعون أن يصلوا إليها ولا بد أنه يعرف شيئا ما. لذلك يقفون وراءه في الصف لعل وعسى ألا تفوتهم الفرصة التي لا يعرفون! إنه بحر الغموض والذي إذا ما غرقت فيه السوق فربما لا تنجو منه بسهولة.
عندما كانت أسعار بعض الشركات تقفز من نسبة إلى أخرى متخطية بذلك كل حواجز التحليل الفني مؤشراته بينما المعلومات عنها وعن هذا السلوك قليلة سواء من مصادرها أو من هيئة السوق بل وصل الأمر ببعض الشركات أن صرحت وعلى لسان كبار التنفيذيين فيها بأنه لا توجد معلومات تستدعي تحرك السعر ثم لم نلبث قليلا حتى سمعنا خبر المنحة أو الزيادة. بدا واضحا أن الذي طلب على النسبة كان يعرف ماذا يفعل ولديه المعلومات الصحيحة. ترسخت ثقافة الطابور ومهما قيل بعد ذلك من تأكيدات أو تصريحات فإن الأساس هو الطابور وتنقضي المسألة إذا انقضى.
انهارت السوق في الأيام الماضية على رغم تصريحات وتأكيدات المحللين وتأشير المؤشرات بأن حال السوق والاقتصاد جيدة جدا ومع ذلك لم تزل طوابير البائعين تتدافع حتى مع عدم وجود أوامر للشراء. إنها ثقافة الطوابير وليدة الغموض وقد استغلها وبمهارة العديد من الصناديق الاستثمارية وكبار المضاربين, ببساطة أعرض على النسبة وسيأتيك طابور البائعين حتى إذا لم يبق سوى دقائق معدودة أدخل أوامر الشراء وعلى سعر السوق.
لم تزل الدولة تبذل الغالي والنفيس في سبيل استقرار السوق, هذا المحور المهم من محاور الاقتصاد ولذلك صدرت القرارات الأخيرة والتنظيمات الجديدة. لم تزل الهيئة CMA مع السوق, لا نشك في ذلك ولذلك أصدرت القرارات التي أوقفت بها العديد من المضاربين الذين استغلوا آليات العرض والطلب بأسلوب بعيد عن أخلاق السوق. لست أدافع عن أولئك ولكنهم عرفوا ثقافة السوق التي, وكما يبدو لي, لم تعرفها الهيئة بعد ولم تتعامل معها كل القرارات التي صدرت أخيرا. لم يعد السوق يثق بشيء ثقته بطوابيره ومن يرد أن يكسب في الأيام المقبلة فعليه أن يكون صانع طوابير إذا جاز التعبير.
عاقبت الهيئة وبقوة كل الذين استغلوا تلك الثقافة المدعومة بالغموض ولم نسمع أنها عاقبت أو اقتربت من أولئك المديرين التنفيذيين الذي هدموا صرح المعلومات الموثوقة من مصادرها المعتبرة وهم يعلنون ويصرحون بعدم وجود معلومات تدفع السعر وبعد أسابيع قليلة جدا يظهر لنا أن من صنع الطابور كان يعرف وأنه لم يستغل السوق وإنما اقتنص ثقافته السائدة. تلك الثقافة التي غذتها الشركات بالتصريحات المضللة والغموض الذي لفت به تلك التصريحات مع عدم تناسق معلوماتها أو ترابطها, أضف إلى ذلك عدم توجه الهيئة ومؤسسة النقد لحل تلك المعضلة وكأنهما تروجان لثوب الشفافية ولما تلبساه. إن مضاربا يستغل ثقافة السوق السائدة وآليات العرض والطلب فيه لهو أهون عندي من مدير تنفيذي يصرح بما لا يعلم أو يفعل غير ما يقول. إن هذا المدير يجب أن يوقف عن التصريح ويخضع للتحقيق وأن تلغى (إذا كان بالإمكان) كل الصفقات التي تمت بعد تصريحاته.
عانت السوق و طوال الشهور الماضية من صناع الطوابير الذين قادوها إلى المستويات القياسية هبوطا وارتفاعا. لم يزالوا هناك ولم تزل السوق تحتضنهم ولا أشك في أنهم سوف يمارسون اللعبة نفسها مرارا وتكرارا طالما لم تتغير الثقافة أو يكشف سترهم للواقفين خلفهم. قد يستطيع الصندوق المقترح من مجلس الشورى إغلاق الطريق على صناع الطوابير ولكن نحتاج إلى أن تخبرنا الهيئة وفي الوقت المناسب عن صانع أي طابور من هو ولماذا يعرض على مثل تلك الأسعار أو يطلب كل تلك الكميات؟ ولا بد أن تتدخل مؤسسة النقد لتفسير سلوك الصناديق الاستثمارية وبكل شفافية لماذا أقدمت على سهم معين بأكثر من نسبة معينة من سيولتها ولماذا تعرض على الأسعار الدنيا بتلك النسبة؟ قد نتميز في هذا عن سائر أسواق الدنيا وهذا طبيعي جدا لأننا نتعامل مع ثقافتنا. لم تفدنا ثقافتهم في معالجة مشاكل السوق وهي تصعد أو تنهار, لم يفدنا بعد الله جل وعلا إلا الحلول التي نبعت من ثقافتنا نحن والتي جسدها خادم الحرمين الشريفين بقوله، حفظه الله، "هؤلاء أمانة في عنقي".
