الخيارات الأمريكية في التعامل مع طهران وأثرها في أسواق النفط
تبين في المقال الماضي أن هوة الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران كبيرة إلى حد يصعب فيه الوصول إلى حل وسط في الوقت الحالي. أمام الولايات المتحدة عدة خيارات للتعامل مع طهران، ولكنها كلها خيارات صعبة، ولكل خيار أثره الخاص في أسواق النفط.
الخيارات الأمريكية
1- إقناع مجلس الأمن بفرض عقوبات اقتصادية على إيران
حاولت الولايات المتحدة منذ عدة شهور الضغط على وكالة الطاقة النووية الدولية لتحويل ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي، في محالة للضغط على إيران عن طريق فرض عقوبات اقتصادية وإضفاء غطاء أممي على أي عملية عسكرية يمكن أن تقوم بها الولايات المتحدة في المستقبل. وتم فعلاً تحويل ملف إيران إلى مجلس الأمن الدولي منذ أكثر من أسبوع، لكن محاولات الولايات المتحدة فشلت في إقناع بعض أعضاء مجلس الأمن, خاصة روسيا والصين، بالموافقة حتى على نص بيان يعتبر البرنامج النووي الإيراني تهديداً للأمن العالمي. أي مقاطعة اقتصادية لن تؤثر في الولايات المتحدة لأنه ليس لها أي مصالح اقتصادية أو علاقة تجارية مع إيران، على عكس روسيا والصين اللتين استفادتا من المقاطعة الأمريكية لطهران فعززتا من علاقاتهما الاقتصادية والتجارية مع إيران.
تشير الدلائل التاريخية إلى فشل المقاطعة الاقتصادية في إجبار الخصم على تغيير موقفه، وإن كانت ستسبب له مشاكل جسيمة. لذلك فإن فرض عقوبات اقتصادية على إيران لن يجبرها على تغيير موقفها. كما أن قيام إيران بتخفيض صادراتها النفطية لن يجبر الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية على تغيير موقفها، وإن كان ذلك سيسبب ارتفاعاً في أسعار النفط وسيؤذي اقتصادات هذه الدول.
رغم محدودية سياسة المقاطعة الاقتصادية إلا أن موافقة مجلس الأمن ستؤثر سلبياً في صناعة النفط الإيرانية، الأمر الذي سينعكس على الاقتصاد الإيراني ويخفض من معدلات نموه. سترتفع أسعار النفط بعدة دولارات مباشرة بعد صدور قرار مجلس الأمن بسبب تخوف بعض التجار من ردة الفعل الإيرانية التي قد تتضمن تخفيض الصادرات الإيرانية. لكن الأسعار ستنخفض إلى مستويات ما قبل القرار إذا تجاهلت إيران الموضوع. أما على المدى الطويل فإن العقوبات الاقتصادية لن تمكن إيران من زيادة إنتاجها حسب الخطط الحالية بسبب ندرة قطع الغيار من جهة، وانخفاض الاستثمار الأجنبي من جهة أخرى.
2- تطبيق قانون "إلسا" وتجديده بصيغة أو بأخرى
سواء نجحت الولايات المتحدة في إقناع مجلس الأمن بتطبيق عقوبات اقتصادية على إيران أم لا، فإنها ستقوم بتطبيق العقوبات الخاصة بها للضغط على إيران من جهة، والضغط على الدول المؤيدة لإيران من جهة أخرى. فرضت الولايات المتحدة العديد من العقوبات الاقتصادية على إيران خلال السنوات الماضية والتي تضمنت عدم استيراد أي نفط إيراني. إلا أن العقوبات الأمريكية لم تحقق أهدافها، بل انعكست سلبياً على الشركات الأمريكية، خاصة شركات النفط. في الوقت نفسه استغل العديد من الدول الأوروبية والآسيوية هذه الفرصة ووثق علاقاته مع إيران على حساب الشركات الأمريكية. رداً على ذلك قامت الولايات المتحدة بإصدار "قانون معاقبة إيران وليبيا" المعروف اختصارا بـ "إلسا" في عام 1996، ثم جدده الرئيس جورج بوش في عام 2001. يقضي هذا القانون بمعاقبة أي شركة أجنبية تستثمر أكثر من 20 مليون دولار في أي من هذين البلدين, ولكنه لم يعد ينطبق على ليبيا بعد أن تمكنت الحكومة الليبية من حل مشكلة لوكربي ودفعت التعويضات المطلوبة منها. وعلى الرغم من أن القانون لم يستخدم على الإطلاق بسبب الضغوط التي مارسها الاتحاد الأوروبي على واشنطن، إلا أن هناك دلائل كثيرة على تجاهل العديد من الشركات العالمية المشاريع الإيرانية خوفاً من هذا القانون.
وعلى الرغم عدم فاعلية هذا القانون إلا أن وجوده على الورق يعني أنه أداة إضافية بيد الولايات المتحدة يمكن أن تستخدمها أو تلوح بها عندما تشاء. من شأن تطبيق هذا القانون أن يوقف نمو الاقتصاد الإيراني عن طريق خنق صناعة النفط الإيرانية. وكانت لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس قد وافقت بالإجماع في الأسبوع الماضي، على تبني مشروع قانون عقوبات جديد أشد من "إلسا" بهدف أن يحل محل "إلسا" الذي سينتهي مفعوله قريباً.
ستتبنى الولايات المتحدة هذا القانون على كل الحالات، إلا أنها ستواجه أربع مشاكل أساسية في تطبيقه: الأولى، إن التطبيق سيكون على الاستثمارات الجديدة فقط، لذلك فإن مفعوله سيكون أضعف بكثير مما ترغب فيه الحكومة الأمريكية. الثانية، إن الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الآسيوية سيضغطان على البيت الأبيض، كما فعل الاتحاد الأوروبي في الماضي. وإذا قامت الولايات المتحدة بمعاقبة بعض الشركات الأوروبية، فإن الاتحاد الأوروبي سيعامل الولايات المتحدة بالمثل. المشكلة الثالثة، إن الولايات المتحدة لا يمكنها تطبيق القانون إلا على الشركات الأجنبية التي تطرح أسهمها في الولايات المتحدة أو تحصل على تمويلها منها. لذلك فإن إصرار الولايات المتحدة على معاقبة بعض الشركات قد يؤدي إلى قيام الصين وروسيا واليابان وفرنسا وهولندا وغيرها بإنشاء شركات جديدة لا تتعامل مع الأسواق الأمريكية. المشكلة الرابعة، إن كبريات الشركات الأجنبية العاملة في إيران مملوكة جزئياً من قبل حكوماتها وأي عقاب تفرضه الولايات المتحدة على هذه الشركات يعني عقابا مباشرا للحكومات، الأمر الذي سيفجر العديد من المشاكل القانونية والسياسية والدبلوماسية. كما ذكر مسبقاً فإن نجاح الولايات المتحدة في تطبيق هذا القانون سيؤدي إلى خنق نمو صناعة النفط الإيرانية على المدى الطويل بسبب عزوف شركات النفط العالمية عن الاستثمار في الحقول الإيرانية.
3- تدمير المنشآت النووية الإيرانية بغارة جوية
قد تقوم الولايات المتحدة أو إسرائيل بضرب المنشآت النووية الإيرانية بالصواريخ أو بغارة جوية خاطفة. الهدف من هذا الهجوم هو إما إنهاء البرنامج النووي الإيراني بالكامل، كما تم إنهاء البرنامج النووي العراقي، عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية المفاعل النووي العراقي عام 1981، وإما تأخير البرنامج النووي الإيراني عدة سنوات. تسريب خطة الهجوم إلى وسائل الإعلام في الشهر الماضي هدف إلى عدة أمور أهمها الضغط على إيران لتغير موقفها عن طريق إيهامها بأن الولايات المتحدة جادة فعلا في متطلباتها. كما هدف أيضاً إلى معرفة رد فعل الإيرانيين على الخطة والتحركات العسكرية التي ستقوم بها لحماية هذه المنشآت. وفي الوقت نفسه أشارت عدة تقارير إلى أن إسرائيل قد تقوم بالهجوم لرفع شعبية حزب كاديما. وعلى الرغم من وجود الإمكانات العسكرية للقيام بالهجوم إلا أنه لا يعتبر خياراً استراتيجياً لأنه قد يوحد صفوف الشعب الإيراني وراء حكومة لا تحظى بدعم شعبي واسع في الوقت الحالي. الساسة الأمريكيون الذين وصفوا الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بالجنون يرون أنه لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يفعل إذا تم ضرب المنشآت النووية الإيرانية، خاصة أن بعض القادة الإيرانيين ألمح إلى احتمال ضرب المنشآت النفطية في دول الخليج.
سترتفع أسعار النفط بشكل كبير مجرد انتشار أخبار الهجوم وستستمر الأسعار في هذا المستوى حتى تتضح الأمور ويتضح الرد الإيراني. بعد ذلك سيتحدد مستوى أسعار النفط بمدى حدة ردة الفعل الإيرانية وإذا ما كان الأمر سيقتصر على إيران أو إذا كان سيمتد إلى أماكن أخرى.
4- إجبار بعض الدول على وقف تصدير المشتقات النفطية والغاز إلى إيران
قد تكون هذه السياسة هي الأشد تأثيراً في الحكومة الإيرانية والاقتصاد الإيراني من أي سياسة أخرى. كما أنها قد تكون الخيار الأمثل لحكومة الرئيس بوش في الوقت الحالي بسبب انخفاض تكاليفها من جهة، وتأثيرها الكبير في الوضع الداخلي في إيران من جهة أخرى. فإذا فشلت واشنطن في إقناع مجلس الأمن بفرض عقوبات اقتصادية على إيران، فإنها غالباً ما ستلجأ إلى الضغط على بعض الدول الآسيوية والأوروبية، أو على بعض الشركات، لوقف صادرات المشتقات النفطية إلى إيران. كما قد تجبر بعض دول بحر قزوين، مثل تركمانستان، على وقف ضخ الغاز الطبيعي إلى إيران. إذا نجحت هذه السياسة فإنها ستشكل أزمة وقود خانقة في إيران ستنتج عنها زيادة القلاقل السياسية وانخفاض معدلات نمو الاقتصاد الإيراني. وستضطر الحكومة الإيرانية إلى استيراد هذه الكميات من بلاد مختلفة، الأمر الذي قد يسهم في ارتفاع أسعارها في بعض البلاد من جهة، وسيزيد من تكاليف الحكومة الإيرانية من جهة أخرى. في الوقت نفسه فإن عمليات تهريب هذه المواد إلى إيران، خاصة من العراق والإمارات، ستزيد بشكل كبير، الأمر الذي قد يؤدي إلى أزمة وقود في هذين البلدين أيضاً.
5- دعم المعارضة الإيرانية
بدأت الحكومة الأمريكية منذ فترة التجهيز لدعم المعارضة الإيرانية ومدها بالأموال والدعم الإعلامي والمعنوي. المشكلة الأولى في هذا الخيار هي تعريف "المعارضة الإيرانية" وتحديدها. المشكلة الثانية كيفية التوفيق بين أطراف متنافرة سياسياً ودينيا ومذهبيا من جهة، وبين معارضي الخارج ومعارضي الداخل من جهة أخرى. إضافة إلى ذلك، فإن الحكومة الأمريكية نفسها ليس لديها أي تصور واضح عما إذا كان الأفضل هو تغيير الحكم بالكامل أو تأييد التيار الإصلاحي ضمن الحكم الحالي. إن المشكلة الأساسية التي يمكن أن تؤثر في أسعار النفط هي الدعم الخارجي للثوار العرب في الأهواز. فالثوار قد يستغلون الدعم الخارجي والأوضاع الدولية لشن هجمات على المنشآت النفطية في هذه الولاية الغنية بالنفط، الأمر الذي قد يخفض الإنتاج الإيراني بشكل كبير ويرفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية.