مع كل قضية تطرحها وسائل الإعلام الغربية تتعلق بعالمنا العربي ـ الإسلامي، والتي عادة ما تكون ممثلة في موقف سلبي، لا بد وأن يطرح ما يوازيه في العملية وإن كان بشكل قصدي لا علاقة مباشرة معه، وأقصد بذلك اليهود والقضية اليهودية. ولكن الطرح دائماً ينافي الموازاة نفسها، عندما يكون من الصعوبة بل ومن المستبعد، التطرق لليهودية بحيادية تامة كما تدعي وسائل الإعلام الغربية، فالحقيقة أنها سياسة موجهة ومؤشرة بخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، وتجاوزها أو الإشارة إليها لمرة قد يعرض صاحبها للمحاكمة بتهم مختلفة، لعل أسهلها (معاداة السامية) التي درجت العديد من دول أوروبا بإقراره ضمن قوانينها، والأسوأ هو ملاحقته وعدم إفساح المجال للآخر المختلف في الرأي بمزاولة مهنته أو إبداء رأيه. ذكرت هذه المقدمة، التي أعتقد أنها أصبحت بديهية معروفة لدى العديد منا، خاصة قارئنا العربي، ليس لمراجعة أخطائنا الكثيرة والتبرير لها أو البحث عن عدم وجود سند قانوني حقيقي لمناقشة قضايانا في العالم الغربي، ولا كذلك منحها المزيد من اهتمامنا للتأكيد على ضرورة وأهمية العلاقات الثنائية مع دول غربية ومن خلال التشريعات القانونية الدولية. أردت بهذا أن أوضح أن عالمنا العربي ـ الإسلامي إضافة إلى إشكالية وقوعه ضمن حدود جغرافية وأنظمة سياسية واقتصادية معقدة غير متجانسة، بل وانعدام العلاقات الدبلوماسية والثقافية والتشريعية بين بعضها البعض، نجد في المقابل أن النموذج اليهودي العالمي من خلال مركز موحد يستطيع الوصول إلى الغرض المنشود من مطالبه دون أية خسائر ومظاهرات أو حرق أو تدمير، بل من خلال القانون الغربي نفسه، بصورة شرعية وضمانات قانونية أكثر. إن الحديث عن ازدواجية الإعلام والذهنية الغربية لا يمكن المرور عليه كحدث وليد، بل هو سلسلة متتابعة من التقصي والترويج والتتابع، بل إن العملية في رأيي لا تختلف عن برنامج الصورة السلبية عنا منذ القرون الوسطى، مروراً بأحداث الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين وضعتا عالمنا في فوهة المدفع في كل الاتجاهات، وصولاً إلى الوضع الراهن وما يمكن أن يجر من تخطيطات عديدة بشأن عالمنا ووضعه المستقبلي. أقول إن النظرة نفسها لا يمكن الخروج منها، الشيء المختلف فيها، هو ما يمكن أن أسميه هنا: التطرف الأكبر. هذا المصطلح لا يمكن وصفه والحديث عنه بشكل موسع دون أن يكون للقارئ اطلاع مباشر ويومي بوسائل إعلام غربية، ليرى كيفية التناول ومقدار ما يمكن تمريره من مواضيع بصورة مباشرة أو غير مباشرة عنا، وميزتها - كما ذكرت سابقاً - هي الحد الأقصى من التنكيل والتجريح والاتهامات الباطلة تصل في أغلب الأحيان إلى التطرف التام غير المنطقي لا في بناء تبريراته ولا في حجم وقيمة معلوماته. إن الخطر الكبير في رأيي بمسألة التفاهم الغربي ـ المشرقي، خاصة مع عالمنا العربي الإسلامي، لا يأتي من جملة الاتهامات والصورة الجاهزة عنا في الذهنية الغربية، لأنها صور من الممكن تجاوزها وتغييرها من خلال التواصل بين العالمين، كما أن خلق صورة أخرى بديلة لا يمكن أن يتم في ظرف سنة أو عقد من السنين، بل من خلال تتابع منطقي ومسح ثقافي بشكل مستطرد. أرى على العكس من العديد من الباحثين أن هناك مؤشرا أكثر خطورة من الصورة النمطية التقليدية عنا وما تسببه من كره ورفض ونفور، وهو أن الجزء الأكبر من العالم الغربي لا يريد أن يصل إلى فهم حقيقي لعالمنا، أي أنه ليس غير فاهم ومدرك لحقيقة أوضاع عالمنا فحسب، بل إنه لا يجهد نفسه بفهم ميزة وخصائص وتركيبة عالمنا العربي ـ الإسلامي، ولا يرغب في ذلك، وهي خطوة كبيرة ومهمة لأجل كسر حاجز المبررات غير المنطقية في عدم التواصل وانعدام التفاهم والرؤية المتلاقية. إن الغربي في تكوينه المكتسب على مدى قرون عديدة من الديمقراطية والتحرر ـ وهي فترة متقطعة ومليئة بنماذج التسلط والقمع بطبيعة الحال ـ لا يمكن أن يقتنع برسالة تتبع التهديد والعنف والمحاسبة التي تصله في أراضيه بشكل وآخر. إن مفهومه للحرية يصل بشكل متداخل مع الحرية الشخصية، وهي أكثر النقاط حساسية ودفاعاً من قبل المواطن الغربي، ويجد نفسه في دفاع مستميت عنها ومن أجل ديمومتها، لذا إن الوصول إليه وتفسير الوضع ومحاولة جذبه لقضية معينة لا بد أن يمر من خلال المنظومة نفسها، دون مساس بمتعلقات حريته في الفهم والتعليق والإدراك. في الوقت نفسه أنا لا أبرر لجهلنا بالعالم الغربي (أوروبا على وجه الخصوص)، والذي يكاد يكون مشابهاً لرؤية الغربي عنا، بل أريد التأكيد على أن ما يبرر للصحافة الغربية أن تتناول عالمنا وإنساننا العربي بهذه الصورة المجحفة يقف وراءها مجموعة من المسببات، أغلبها تقع في خانة الجهل وتجاهل الآخر، ولا يمكن الحديث عنها وتناولها والرد عليها في شكل مظاهرات وحرق وتدمير وقتل، بل يكون عن طريق فتح كوة أولى للإطلال على عالمهم، ومن ثم إيجاد فرصة للتحاور والتفاهم والبحث عن صور بديلة لصورتنا الحالية. إن النفوذ الإعلامي الغربي أكثر سيطرة من سياسة البلدان نفسها، ومحاولة الضغط عليها من خلال التهديد والتهم والفتاوى، لا يمكن أن يأتي بثمار نجاحه، بل الطريقة الأنسب هو إيصال الصوت المهمش (صوتنا البعيد عنهم) بصورة حضارية متنورة من خلال الأدلة الواعية والمنطق السليم بشكل لا يرقى إليه، ومن جهة أخرى إدراك مغزى ما يذكر عنا وتفهمه ومنح الفرصة لهم لإبداء اختلافهم معنا، فهي الخطوة الأولى لمبدأ حوار طويل. ومحو صورتنا السلبية عموماً من الذهنية الغربية لا يمكن أن يكون في ظرف زمني بسيط، بل هي خطوات متسلسلة، لعل البدء بها من الآن لا يمكن أن يكون أبعد من خطوة إدراك خصوصية واختلاف الآخر.
قبل كل شيء الحوار لا يمكن أن يكون من منطق الترامي.
الحوار صورة منطقية عن التعايش الممكن والتفاهم المنطقي.
بعيداً عن الفهم والتحاور، لا يمكن أن يكون هناك منتصر، فالجميع خاسرون في النهاية.
