بلا شك أننا نعيش تباشير حضارة جديدة قوامها العلم والمعرفة. لكن وعينا وإدراكنا لهذه الحقيقة ينبغي ألا ينسينا أن النهوض علميا وتقنيا ومعرفيا لا يمكن أن يتحقق من دون الالتفات إلى أهمية الارتقاء الإداري والتنظيمي. فالإدارة تنشد أن نستخدم مواردنا المتاحة بحكمة من أجل الوصول إلى ما نسعى إليه من أهداف محددة. في السابق كانت الإدارة تنظر إلى الإنسان على أنه الأداة لإنجاز العمل وبالتالي فهي مهتمة بتوجيه المزيد من الضغط على هذا الإنسان من أجل أن يعمل أكثر وبالتالي ينتج أكثر. فالإنسان في إطار هذا النوع من الإدارة هو حيوان أو طاقة جسمانية فقط يجب أن توظف بالإكراه والقوة لإنجاز العمل الذي يراد تحقيقه. فالإدارة هنا تأخذ بمبدأ العمل الشاق باعتباره هو الطريق الأفضل لإنتاج أكبر قدر ممكن من الإنسان العامل. فالمدير الناجح في ظل هذه الإدارة هو من يخافه العمال لأنه يمتلك قساوة أكثر وتسلطا أكبر, فالإنسان في نظر هذا المدير لا يعمل ولا يجتهد إلا تحت طائلة الخوف والتهديد والمراقبة المباشرة. ومع بدايات النهضة الصناعية وما واكبها من تطور علمي بدأ العالم يتلمس مفهوما جديدا للإدارة وهو الإدارة العلمية. فالإدارة العلمية أعطت أهمية للتخطيط والتفكير المسبق والجدولة لأن العامل عندما تتاح له معرفة أكبر عن طبيعة العمل وعندما تتاح له بدائل أحسن وطرق أفضل لإنجاز هذا العمل فهو سينتج بشكل أكثر وبصورة أكبر. فالعامل المنتج في نظرة هذه الإدارة ليس بالضرورة من يعمل ويجتهد أكثر, فالعمل بذكاء أكبر وبخيارات أوسع وبطرق أفضل هو الطريق الصحيح لجعل الإنسان العامل ينتج أكثر وأكثر. وبفضل الإدارة العلمية شهدنا قفزات كبيرة في إنتاجية الإنسان العامل وهذا بدوره شجع على إعطاء المزيد من الاهتمام بأمور التخطيط وإدارة الوقت وجدولة الأعمال والنشاطات والتنسيق بينها وليتوج هذا الاهتمام بتأسيس مدارس وكليات متخصصة بالتعليم الإداري. وبتطور العلوم وتعدد التخصصات وتعقد طبيعة العمل اتسعت النظرة الإدارية لتصبح أكثر شمولا وأكثر استيعابا للعوامل المؤثرة على مكونات وطبيعة العمل وبالتالي يصبح المدخل إلى الإنتاجية وتحسينها هو بالتعامل الشمولي والكلي مع بيئة العمل. وانطلاقا من هذه النظرة الشمولية جاءت فكرة الإدارة الكلية التي ترى أن كل مكونات العمل هي في الحقيقة ترتبط بنظام واحد وبيئة واحدة وأن وجود خلل أو قصور واحد في مكون أو عنصر من عناصرها يعني الضعف والمرض لهذا النظام ولهذه البيئة وبالتالي يكون من الطبيعي أن ينتج الإنسان بشكل أقل عندما يعمل في مثل هذه البيئة غير السليمة. لا شك أن هذا النوع من الإدارة شكل فتحا كبيرا لأنه أعاد تشكيل الكثير من العلاقات بين مكونات العمل الرئيسية بفضل ما تتسم به من نظرة شمولية للمشاكل والمعوقات, فالجودة لم تعد عيبا أو خطأ في المنتج بقدر ما هو خلل وقصور في كفاءة نظام العمل, والحوادث والإصابات لم تعد نتيجة فقط لإهمال العامل بقدر ما هو تقصير من الإدارة في إعداد بيئة عمل تتوافر فيها شروط الأمن والسلامة لجميع العمال. ولعل بفضل ما طرحته الإدارة الكلية من ثقافة وأفكار ورؤية انبثقت فكرة التنمية الشاملة والمستدامة بعد أن أدرك الإنسان أن التنمية المادية فقط ومن دون اعتبار لسلامة البيئة الطبيعية هي تنمية تأخذ بالإنسان إلى طريق مسدود وسيدفع الإنسان ثمنا من صحته ومقومات وجوده إذا ما استمر هذا الإنسان ينمو بدافع مادي فقط.
وفي إطار ما نشهده من فتوحات علمية شملت نواحي الحياة كافة, حتى إن البعض بات يعتقد أننا في مخاض أن نتحول إلى مجتمعات معرفة، لأن الإنتاج العقلي وصناعة المعلومات وأنظمة تبادل المعلومات هي التي ستكون عماد المجتمعات والأمم المتحضرة. هذا التحول من الإنتاج المادي إلى الإنتاج الفكري والعقلي وهذه الرحلة من كنوز الأرض إلى كنوز العقل دفعت بالإنسان إلى البحث عن رؤية جديدة ومفهوم مختلف يرتقي بالإدارة كمفهوم وممارسة. ومن هنا كانت العودة إلى النفس الإنسانية باعتبارها هي المصدر الأعظم للطاقة وبحسن إدارة عالم الإنسان الداخلي سيتاح للعقل أن ينتج وأن يبدع وأن يبتكر بلا حدود وسيضيف من الأفكار والأشياء إلى حياة الإنسان الشيء الكثير. فالإدارة الإنسانية ترى أن الإنسان كمورد لا يعادله أي مورد في عملية الإنتاج الفكري والمادي والعاطفي. وحتى لا تبقى هذه الطاقة الإنسانية معطلة يتحتم علينا أن نؤسس البيئة العملية التي تتيح لهذه الطاقة أن تنطلق وهذا هو دور الإدارة الإنسانية وهذا هو محور حركتها ونشاطها. وإذا كانت السيطرة المركزية في اتخاذ القرار هي من مبادئ الإدارة التقليدية, وإذا كان التخطيط وضبط الوقت والجدولة هي من مبادئ الإدارة العلمية, وإذا كانت الاستدامة والشمولية والمشاركة في اتخاذ القرار هي من مبادئ الإدارة الكلية, فإن الإدارة الإنسانية هي الأخرى لها مبادئ ومحاور رئيسية, نذكر منها أربعة ولنناقشها باختصار:
1- الرأسمال البشري: تعتبر الإدارة الإنسانية الإنسان هو الرأسمال الحقيقي وعليه فإن الإنفاق على تعليمه وتدريبه وتطوير قدراته هو استثمار سيعود بمردود كبير للشركة أو المؤسسة التي ينتمي إليها. ومن أجل توضيح هذا المطلب فمثلا نجد أن الدول المتقدمة مثل أمريكا والاتحاد الأوروبي تنفق ما يقارب الثلثين من ميزانياتها المخصصة لتقنية المعلومات في إعداد وتدريب الكوادر البشرية وأما الثلث الباقي فيخصص لشراء الأجهزة والمعدات, أما في الدول النامية فالحال هو العكس تماما حيث إن اقتناء الأجهزة والمعدات هو الذي ينال النصيب من الميزانية لتنتهي كل هذه الأجهزة إلى حالة العطل الكلي أو الجزئي لعدم وجود من يحسن تشغيلها واستخدامها.
2- الرأسمال الإبداعي: هناك في كل مؤسسة أو شركة نخبة من المفكرين والمبدعين الذين تناط بهم مسؤولية إنتاج الأفكار الجديدة وابتكار الحلول والطرق غير المألوفة والإدارة الإنسانية تعطي أهمية كبيرة للارتقاء بفعالية هؤلاء المفكرين والمبدعين وزيادة إنتاجهم والنهوض بما يملكونه من قدرات إبداعية وفكرية. ونحن نعلم أن عملية الإبداع والابتكار لها متطلبات وشروط خاصة ويأتي دور الإدارة الإنسانية لضمان مثل هذه الشروط والمتطلبات. فالمبدع يتطلب قدرا كبيرا من الحرية وقدرا بسيطا جدا من البيروقراطية وهذا الحال هو ما تسعى إليه وتعمل على إنجازه الإدارة الإنسانية. باختصار, أن نخبة المفكرين والمبدعين هم وقود النجاح والتطور لأي مؤسسة أو شركة والإدارة الإنسانية تريد أن تبقي هذا الوقود مشتعلا إذا ما أريد للنجاح أن يستمر والتطور أن يبقى ويتزايد.
3- المهارات السلوكية والعاطفية: إذا كان العمل في العادة يتطلب معارف ومهارات وما دام الإدارة الإنسانية تعطي للطاقة النفسية الدور الأكبر لزيادة الإنتاج وتحقيق النجاح فمن الطبيعي أن تهتم بالمهارات العاطفية وتعتبر اكتساب مثل هذا النوع من المهارات هو من الضرورات في العمل الإداري. هناك عدد كبير من المهارات العاطفية التي تضعها الإدارة الإنسانية في قائمتها ولكن هناك مهارات لها الصدارة منها مهارات التعامل مع الفشل والمهارة في السيطرة على الآثار السلبية الناتجة من ضغوط العمل وكذلك مهارات العمل الفريقي ومهارة الاتصال الفعال. ومن المهارات المهمة الأخرى تأتي مهارة التحفيز وهي مهارة مهمة لجعل الإنسان يمارس عمله بحماسة ونشاط.
4- بيئة العمل المنتجة: أن تأسيس بيئة عملية منتجة هو من المبادئ المهمة التي تأخذ بها الإدارة الإنسانية. فغياب التحدي في بيئة العمل يشكل عائقا كبيرا في طريق المبدع لممارسة عمله, وعدم الوضوح في الرؤية التي تتبناها المؤسسة أو الشركة يجعل من الصعب إثارة منتسبيها للعمل بتكامل وإنتاجية عالية. إن ما تؤمن به الإدارة الإنسانية هو أن الإنسان منتج بشرط أن يعمل في بيئة منتجة ومنظمة. في السابق كان الإنسان الفرد هو الذي يلام بشكل رئيسي إذا ما كان هناك قصور في الإنتاجية, أما في إطار الإدارة الإنسانية فالأمر في معظمه هو من مسؤولية الإدارة لأن القصور في الإنتاجية لابد أن يكون وراءه خلل أو ضعف في بيئة العمل التي هي من يتحمل مسؤولية إدارتها وتنظيمها.
إن الإدارة الإنسانية هي نهج إداري ينبغي النظر إليه باعتباره الخيار الأصلح لممارسة الإدارة في مجتمع المعرفة, فالإدارة في يومنا هذا تريد أن تكسب عقول هؤلاء المبدعين والمفكرين وليس هناك أفضل من النفس كمدخل لهذه العقول. الإدارة الإنسانية هي محاولة للوصول إلى مصدر لا ينضب من الطاقة وبالتالي ما تعد به الإدارة الإنسانية في إطار الإنتاجية وبالأخص في مجال الفكر والإبداع الشيء الكثير. ويبقى السؤال الصعب, أين نحن من عالم الإدارة الإنسانية؟. لا نستطيع إلا أن نقول إن هناك عددا كبيرا من العقول التي يزخر بها مجتمعنا ولكن هل نحن حقا استطعنا أن نجني من هؤلاء ما يحرك مكامن القوة لتطوير وطننا. وللذين يريدون الإجابة عن هذا السؤال عليهم أن ينظروا ولو نظرة عابرة إلى جامعاتنا، فبالتأكيد سيرون كم هناك من العقول المبدعة والمفكرة قد تعطلت والسبب هو أننا لا نحسن إدارة مثل هؤلاء الناس.
