Author

من رموز الثقافة الصحراوية: الغرس والذود

|
ثنائية البدو والحضر من الحقائق الأساسية في تاريخنا الاجتماعي والسياسي. ومما يؤكد حضور هذه الثنائية كحقيقة ذهنية في ثقافة أهل الجزيرة العربية هو ما يحمله بدوها وحضرها كل منهما تجاه الآخر من مشاعر غامضة تتراوح بين الإعجاب والازدراء ومن صور نمطية متضادة تجمع بين الخساسة والنبل. يحمل أهل الجزيرة العربية في أذهانهم تصورا نظريا لطبيعة مجتمعهم يصنّف هذا المجتمع إلى شقين: بدو وحضر، كل منهما له خصائص تميزه عن الآخر وطريقة مغايرة في الحياة. ويتضح لنا التمايز الذي يحمله أهل الجزيرة العربية في أذهانهم بين البدو والحضر من خلال الاطلاع على أدبهم وشعرهم، الجاهلي والنبطي. البداوة والحضارة، كما يصورهما هذا الأدب، هما النمطان النموذجيان للحياة واللذان يحتلان بؤرة الشعور لدى الإنسان في الجزيرة العربية، وهما القطبان الأساسيان اللذان يحدان رؤيته للكون من حوله. يتجلى تمايز البدو والحضر في الرموز التي يتخذها كل منهما كمحددات لهويته. رمز البداوة ومصدر عزة البدوي هي الإبل، بما تمثله من حركية وتنقل واستقلال عن سلطة أي حاكم أو دولة. أما رمز الحضارة الزراعية ومصدر عزة الحضري فهي النخلة، بما تمثله من استقرار وثبات ورسوخ واستمرارية في العطاء. النخلة والبعير كلاهما كائنان صحراويان، فالنخلة مثلها مثل البعير تماما في قدرتها على التكيف مع مناخ الصحراء الجاف. ولعلنا لا نبعد من الصواب إذا قلنا إن النخلة والبعير هما رمز صحراوي؛ أحدهما يرمز إلى الرعي والترحال في البوادي والآخر يرمز إلى الفلاحة والاستقرار في واحات الصحراء. هذان الرمزان المحليان، الذود والغرس، يختزلان الفروق بين البداوة والحضارة في النموذج المحلي ويحصرانها في التخصص الإنتاجي الذي يتمثل إما برعي الإبل أو غرس النخيل. هنا يتحول الفرق بين البداوة والحضارة إلى مجرد اختلاف في وسائل الإنتاج وإلى شكل من أشكال التخصص وتوزيع العمل، فهناك أعمال تتطلب الاستقرار وهناك أعمال تتطلب الترحال. التمايز الإنتاجي بين البدو والحضر ليس إلا توزيع عمل يقصد منه تحقيق الاستفادة القصوى من إيكولوجيا الصحراء، بما يشمله ذلك من معطيات المناخ والبيئة الطبيعية. لكن ما يفصل البدو عن الحضر من تخصص في العمليات الإنتاجية هو الذي يجمع بينهم في عمليات المقايضة وتبادل المصالح والسلع والخدمات. هذا التمايز الإنتاجي يعزز الاعتماد المتبادل بين البدو والحضر ويؤكد العلاقة التكاملية بينهما وحاجة كل منهما إلى الآخر وارتباطهما كل بالآخر. والمجتمعات البدوية ترتبط ارتباطا عضويا مع المجتمعات الحضرية التي تشكل معها أجزاء متداخلة من الصورة الأكمل والمجتمع الأشمل الذي يتحرك بكامل طبقاته ومكوناته في مسيرته التاريخية وصيرورته الثقافية. رغم التمايز بين بدو الجزيرة وحضرها في أنماط الإنتاج ظلت توحدهم ثقافة الصحراء بكل قيمها ومثلها وتصوراتها وكل رموزها المتغلغلة في مجتمع الحضر ومجتمع البدو على حد سواء. البداوة والحضارة في الجزيرة العربية ثقافتان فرعيتان لثقافة أعم وأشمل، ثقافة الصحراء التي تُشكل سكانها وتلون تفكيرهم وسلوكهم مثلما تشكل الغابة سكانها أو مثلما تشكل المناطق الجليدية سكانها. ثقافة الصحراء تسكن الموروث اللغوي والشعري لأبناء الجزيرة العربية. النسيج الخيالي في الشعر العربي بصوره ومجازاته واستعاراته مستمد من البيئة الصحراوية ومؤطر بروح البداوة ونظرتها التي تشكل مادة لا تنضب للاستلهام الشعري وتهيمن على رؤية العربي وتتغلغل في تكوينه النفسي والوجداني. ومهما حاولت الحضارة بمنظوماتها الفكرية والأيديولوجية أن تضرب سياجا بين العربي والبداوة، فإن لغته وشعره لن يسمحا له بالانسلاخ منها تماما. ومهما أوغل العربي في التحضر تبقى البداوة الساكنة في موروثه اللغوي والشعري ماثلة في وجدانه كنموذج لعالم بطولي مثير وحياة فطرية جميلة ومادة لا تنضب للاستلهام الشعري، إنها النموذج الأصلي لحياة فطرية كل ما فيها بريء وجميل، فردوس مفقود. ونظرا لحياة الحل والترحال التي يعيشها عرب الصحراء أصبح موضوع الرحلة والرحيل ودورة الحياة البدوية خلال فصول السنة المتعاقبة من أخصب المواضيع التي تطرق لها شعراؤهم، فصيحهم ونبطيهم، بدوهم وحضرهم. وهذا موضوع شعري تقليدي لا يوثق رحلة حدثت فعلا ولا يحكي عن امرأة بعينها ولا يعني أن الشاعر حقًّا مر وتوقف عند طلل دارس، ويخطئ من يفهمها كذلك. المسألة أعمق من ذلك وأبعد بكثير. إنها محاولة للتكيف مع معطيات الحياة الرعوية والتوافق مع واقع المجتمع البدوي، إنها معالجة فنية لهذه الدراما الإنسانية. حديث الشاعر عن الأطلال وعن لقاء الحبيبة وفراقها حينما ترتحل مع أهلها ليس إلا تشفيرا وترميزا وتجريدا لنبض القبيلة في تجمعها وتفرقها على مدار العام وتأثير إيقاع الحياة البدوية الرعوية على العلاقات الإنسانية. خلال تجوالهم الذي لا ينقطع في ديرة القبيلة ومراعيها ومواردها تنشأ بين الأفراد من مختلف فروع القبيلة الذين تجمعهم الصدف والظروف في قطين واحد أو نجع علاقات إنسانية حميمة، علاقات الحب والعشرة والصحبة. إلا أن هذه العلاقات عرضة للإجهاض حينما يفترق المحبون ويذهب كل منهم مع عشيرته في اتجاه مختلف عن الآخر نتيجة تفكك القطين وتشتت النجوع والارتحال المتواصل. وهناك من شعراء الحاضرة من كرس معظم إنتاجه الشعري للتعبير عن الحنين إلى حياة البدو ورسم صور ومشاهد من طبيعة الصحراء الجميلة. ولقد طور هؤلاء الشعراء موضوع ارتحال الحبيبة مع قبيلتها من إشارة عابرة أو موضوع ثانوي يأتي في مقدمة القصيدة إلى موضوع رئيسي مستقل يستأثر بالقصيدة كلها. ومن خلال ذلك رسم الشعراء الدورة السنوية لتجوال القبيلة، بمختلف محطاتها الزمانية والمكانية، وكثفوها على شكل حصيلة شعرية متوارثة من الصور والمشاهد المنسوجة مع الغزل والأطلال لتشكل موضوعا مستقلا من مواضيع الشعر من عصور الشعر الجاهلي حتى عصور الشعر النبطي. ويشكل هؤلاء من بين شعراء النبط مدرسة شعرية متميزة اقترح البعض لها مسمى المدرسة الوجدانية. تنضح قصائد شعراء هذه المدرسة بنوستالجيا الصحراء والحنين إلى البادية. تبلورت هذه المدرسة وتحددت معالمها الفنية على يد الشاعر عبد الله بن سبيل ومعظم شعرائها من عالية نجد وأشهرهم مطوع نفي وفهيد بن عويويد المجماج ومن المتأخرين الشاعر المبدع سويلم العلي. حينما قامت الدولة السعودية اتخذت من النخلة رمزا من الرموز التي تطالعنا أحيانا في الشعارات الوطنية، وذلك على أساس أن النخلة ترمز للزراعة التي كانت تمثل القاعدة الاقتصادية للدولة، هذا بينما لا نجد الإبل تتخذ محلها إطلاقا بين الرموز الوطنية، ربما نظرا لارتباطها بالبداوة التي تتنافى أيديولوجيا في نظامها القبلي مع مفهوم السلطة المركزية. فكأن الإبل وأهلها من البدو ضد مفهوم الدولة anti-state، أما أهل النخيل من الفلاحين فهم مع قيام الدولة pro-state، نظرا لما يعود عليهم به الاستقرار من الأمن ورخاء العيش. وقد تكرس التفوق الحضري في مهرجان الجنادرية حينما اتخذ المهرجان شعارا له قصرا حضريا من الطين إضافة إلى النخلة، دون أي حضور للإبل وبيوت الشعر، متناسين بذلك أن المهرجان أقيم أصلا كحاشية للمهرجان الأسبق الذي يشكل ذروة المناسبة، وهو مهرجان سباق الهجن، ومتناسين أيضا أن الحرس الوطني جله من أبناء القبائل وشيوخها. ثم لا ننس أن الأدوار التي قامت بها الإبل، سواء في نشر الرسالة المحمدية أو في تأسيس دعائم الدولة السعودية الحديثة أدوار لا يستهان بها. والإبل، بعيدا عن السياسة، هي التي أعطت للجنس العربي هويته، ورسخت وجوده. والأرستقراطية العربية أرستوقراطية بدوية، وأنا لا أقول ذلك لأعلي أو أدني من شأنها إنما فقط أردت أن أحدد هويتها. علاقة الإنسان العربي مع الإبل علاقة مركبة وطويلة لكننا لم نسبر غورها حتى الآن. حتى الآن لم نتفحص الإبل كمركّب ثقافي في علاقتها مع ابن الجزيرة. إننا في الغالب نتحدث عن الإبل كمجرد كائن بيولوجي قابل للتشريح الفسيولوجي مستعص على الشرح الأنثروبولوجي.
إنشرها