لم يكن الصراع في كأس العالم منذ انطلاقتها وحتى اليوم مجرد صراع سيقان ورؤوس، خطط تكتيكية، ابتكارات مدربين، سباق مفتوح بين الدول للفوز بشرف تنظيم نسخ البطولة، والسعي إلى الفوز بكأسها وحسب، بل كان كذلك صراع اقتصاديات أثبتت مع مرور الزمن أن كرة القدم باتت من أهم المطارح الإعلانية، وباتت نهائيات كأس العالم من أكثر المناسبات جذباً للأموال وتحقيقاً للإيرادات ولذلك صار التنافس ضارياً على تنظيم بطولاتها، ليس فقط للمكاسب الإعلامية والترويجية التي تحققها، بل وكذلك للمكاسب المادية الباهظة التي باتت هذه البطولات تدرها، ولهذا صار تشكيل اللجان، وتقديم الملفات المتكاملة التي ترصد واقع كل بلد يقدم ملف طلب التنظيم من الناحية الجغرافية والجماهيرية والتاريخية والاقتصادية بكل ما يتضمنه ذلك من ضرورة توافر البنى التحتية ووسائل الاتصالات والمواصلات ووجود التشريعات والتسهيلات وغيرها، صار كل ذلك من قبيل ضرورات التنظيم ومستلزماته.
وبدأت الشركات العالمية الكبرى التي تنبهت لأهمية كرة القدم، تمد نفوذها في عالم اللعبة، وتحاول أن تحصل على نصيب من الكعكة عبر أساليب وطرق عدة.
وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم قد بدأ التنبه لأهمية تسويق كرة القدم مع وصول البرازيلي جواو هافيلانج إلى سدة رئاسة الاتحاد عام 1974، حيث كان أول رئيس للاتحاد الدولي من خارج أوروبا.
وهافيلانج ثري برازيلي يمتلك شركة كوميتا أهم شركات النقل في البرازيل، إضافة إلى عديد من الأعمال التجارية في المضاربات المالية والتأمين على الحياة، وبحكم عقليته التجارية بدأ هافيلانج يذهب بكرة القدم نحو عالم التجارة، ولذلك سعى ونجح وحقق زيادة في عدد الدول المشاركة في نهائيات كأس العالم ورفعها من 16 دولة في مونديال ألمانيا 1974 إلى 24 في مونديال إسبانيا 1982، ثم إلى 32 في مونديال فرنسا 1998.
ونجح هافيلانج في تسويق كرة القدم، واقتحمت الشركات العالمية بوابة الاستثمار في ميادين كرة القدم فامتلكت شركة الإعلان "آي. إس. إل للتسويق" الحق الحصري لبيع الإعلانات في الملاعب، الأفلام، أشرطة الفيديو، شارات، أعلام الدول، وتمائم المنافسات الدولية، وهي الشركة التي تعود ملكيتها لأدولف داسلير مؤسس شركة "آديداس" أضخم منتجي الأدوات الرياضية في العالم، وانتقلت ملكيتها في وقت لاحق بعد ذلك إلى الفرنسي برنار تابيه الذي ترأس نادي مرسيليا الفرنسي لفترة، فيما احتفظت عائلة داسلير بمؤسسة "آي. إس. إل" التي تديرها اليوم مشاركة مع وكالة دينتسو اليابانية للإعلان.
وفي عام 1994، أعلن هافيلانج أن الحركة المالية لكرة القدم في العالم تصل إلى 225 ألف مليون دولار، وهذا يفوق ما حققته شركة جنرال موتورز أكبر الشركات متعددة الجنسيات في العالم التي وصلت حركتها المالية عام 1993 إلى 136 ألف مليون دولار.
وتضاعفت الأموال التي يتقاضاها الاتحاد الدولي لكرة القدم من بيع حقوق البث التلفزيوني للبطولات الرياضية، أضعافاً مضاعفة، وصارت كرة القدم مرتبطة بالسوق والممولين حتى تحولت بعض الأندية إلى شركات طرحت أسهمها في السوق مثل مانشستر يونايتد الإنجليزي، كما تنتمي أندية كثيرة لشركات كبرى مثل يوفنتوس الإيطالي الذي هو جزء من مجموعة "أنيللي" مالكة شركات "فيات"، ميلانو هو واحد من 300 شركة تشكل مجموعة "بيرلوسكوني" الذي صار فيما بعد رئيساً للحكومة الإيطالية، بارما يتبع شركة "بارمالتا"، سمبدوريا جزء من مجموعة "مانتوفاني" البترولية، نادي مرسيليا الفرنسي كان شركة من شركات برنار تابيه، نادي باريس سان جيرمان يتبع لقناة "بلوس" التلفزيونية، نادي سوشو الفرنسي تموّله شركة "بيجو"، تملك شركة "فيليبس" نادي أيندهوفن الهولندي، نادي توتنهام هوتسبيرز الإنجليزي يمتلكه صاحب ومخترع كمبيوترات آستراد، نادي جيف يوناتيد إيتشيهارا الياباني تمتلكه شركة الإلكترونيات فوروكازا، ونادي ناجويا غرامبوس تمتلكه شركة تويوتا... إلخ.
وبعد أن كان إجمالي الإيراد الذي حققته أول بطولة لكأس العالم نظمت في الأوروجواي عام 1930 نحو 255.107 ألف بيزو (أي ما يعادل 1.5 مليون دولار)، بدأت الأرقام تقفز بشكل هائل، حتى وصلت قيمة التأمين على مونديال كوريا الجنوبية واليابان 2002 إلى 37.1 مليار دولار خصصتها شركة "البينيجيا" الألمانية للتأمين التي تتخذ من هامبورج مقراً لها للتأمين على ذلك المونديال، وهو مبلغ يفوق أربع مرات ما خصصته الشركة ذاتها للتأمين على مونديال فرنسا 1998 ومقداره 315 مليون دولار.
وتغطي "البينيجيا" المتخصصة بالتأمين خلال البطولات الكبرى كالألعاب الأولمبية، بطولات العالم، والبطولات الأوروبية كل الأخطار كالحوادث في مرآب ملعب إلى عطل في قمر صناعي يؤمن النقل التلفزيوني.
وكانت الشركة ذاتها قد أمنت على مونديال ألمانيا عام 1974 بمبلغ 2.2 مليون دولار.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد ارتفعت أرقام بيع حقوق النقل التلفزيوني لمباريات كأس العالم بشكل مطرد ومرتفع حتى وصلت إلى 857 مليون دولار دفعها الألماني ليو كيرش صاحب إمبراطورية صحافية لقاء حصوله على حقوق النقل التلفزيوني لمباريات كأس العالم 2002 إلى جميع أنحاء العالم باستثناء أمريكا.
ووصلت الأرقام المالية لبطولات كأس العالم إلى حدود قصوى في المونديال الأخير، حيث وصلت الأرباح المالية التي جنتها كل من كوريا واليابان من جراء استثمار فعاليات كأس العالم 2002 إلى 27 مليار دولار.
وارتفعت إيرادات الاتحاد الدولي من تنظيم بطولات كأس العالم من 110 ملايين دولار عام 1982 إلى 332 مليون دولار في مونديال 1998، ثم إلى 2.3 مليار دولار عام 2002.
وتحققت هذه الإيرادات من الشركات الراعية للبطولة، النقل التلفزيوني، الإعلانات داخل الملاعب، وبيع التذاكر، فعلى مستوى بيع التذاكر طرح الاتحاد الدولي ثلاثة ملايين تذكرة لمباريات كأس العالم الأخيرة 2002، وذلك مقابل 200 ألف مقعد في الملاعب المختلفة، وراوحت أسعار البطاقات بين 60 و300 دولار كأقل حد لدخول المباريات التمهيدية للنهائيات، أما أعلى حد فوقع بين 150 و 175 دولارا ابتداء من مباريات المجموعات إلى النهائيات، وطرح 50 في المائة من التذاكر للبيع في كوريا الجنوبية واليابان المضيفتين، بواقع 750 ألف تذكرة لكل بلد، ووزعت 880 ألف تذكرة للبيع المفتوح دولياً، و620 ألف تذكرة لمنافذ البيع التابعة لـ "فيفا".
ولم تتعد أسعار تذكرة المونديال المقبل 68 جنيهاً استرلينياً، في سوقها الرسمية، لكن الأمر تجاوز ذلك بمراحل في السوق السوداء حيث وصل سعر التذكرة إلى 900 جنيه استرليني، الأمر الذي دعا الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى إجراء تحقيق رسمي في الأمر.
وبعيداً عن التذاكر، ثمة استثمارات أخرى ذات علاقة بالتجهيزات والملابس الرياضية في المونديال تتصارع عليها شركات عالمية مثل "آديداس"، "نايكي"، "بوما"، و"لوتو"، فقد قدمت شركة آديداس مثلاً نحو ألفي كرة لاستخدامها في البطولة الأخيرة، ونحو 400 ألف سترة وسروال وقميص وحذاء إلى 40 ألف متطوع، إضافة إلى الحكام والمسؤولين الرسميين، في عملية ترويجية محسوبة.
كما استثمرت "آديداس" نحو عشرة ملايين دولار في المونديال، ويشمل هذا المبلغ أجور الدعاية لعدد كبير من النجوم ويأتي على رأسهم الفرنسي زين الدين زيدان الذي يرتبط بعقد مع الشركة، الإنجليزي ديفيد بيكهام، والإيطالي دل بييرو، يضاف إليهم الحكم الإيطالي كولينا.
أما الشركة الأمريكية المنافسة "نايكي " فقد أطلقت هي الأخرى حملة بنحو 100 مليون دولار أي بواقع 20 مرة أكثر مما أنفقته في مونديال 1994 أمريكا.
وجهزت الشركة الأمريكية "نايكي"، ثمانية منتخبات شاركت في المونديال السابق مقابل تسعة منتخبات لـ "آديداس"، واختارت "نايكي" نجوماًَ بارزين في حملة مضادة ردت على حملة "آديداس"، وفي مقدمتهم البرازيلي روبرتو كارلوس، والبرتغالي لويس فيجو.
وإضافة إلى شركات التجهيزات دخلت شركات التأمين العالمية سوق المونديالات أيضاً، وحققت أرقاماً كبيرة في السنوات الأخيرة خصوصاً بعد الأحداث الإرهابية التي بدأت تجتاح العالم منذ أحداث أيلول (سبتمبر) 2001.
وكانت كوريا الجنوبية واليابان قد قدمتا بوليصة تأمين ضد الشغب والإرهاب تمنح من يتعرض لإصابة جراء أعمال شغب في المونديال 2002 مقدارها 40 ألف دولار، ويرتفع المبلغ إلى نصف مليون دولار في حال حدوث وفاة أو عجز كلي نتيجة أعمال إرهابية أو أعمال عنف كالتي شهدتها فرنسا عام 1998.
ولأن "فيفا" تنبه إلى أن أقدام اللاعبين هي الأساس في الطفرات المالية التي يحققها وتحققها بطولاته على الدوام، فقد بدأ يرفع حوافزهم، ويغري المنتخبات المشاركة لتعد لاعبيها أحسن إعداد، حيث نال كل منتخب شارك في مونديال 2002 ما مقداره 1.5مليون دولار عن كل مباراة، أي أن التأهل للمونديال يضمن مبلغاً إجمالياً قدره 4.5 مليون دولار لكل منتخب شارك في الدور الأول، وارتفعت الحصة للمنتخب الذي يتأهل إلى الدور الثاني بمقدار 1.5 مليون دولار لكل مباراة جديدة، أما حصة المنتخب الفائز بكأس العالم فوصلت إلى 12 مليون دولار.
ورفع "فيفا" حصة منتخبات البطولة المقبلة بشكل أوضح، حيث ستحصد المنتخبات المشاركة مبالغ مالية طائلة لمجرد مشاركتها في النهائيات بحد أدنى مقداره سبعة ملايين فرنك سويسري لكل منتخب مشارك في مباريات الدور الأول فقط (الدولار الأمريكي يعادل 1.24 فرنك سويسري).
ورصد الاتحاد الدولي لكرة القدم، 332 مليون فرنك سويسري كمكافآت مالية مقررة للمنتخبات الـ32 المشاركة في النهائيات، حيث سيحصل كل منتخب على مليون فرنك سويسري وهو يمثل مساهمة "فيفا" في إعداد المنتخب المشارك، تلقتها المنتخبات المشاركة كدفعة تمهيدية قبل المشاركة.
وسيحصل كل منتخب يشارك في الدور الأول على ستة ملايين فرنك (16 منتخباً ستنال هذا المبلغ لخروجها من الدور الأول)، وستنال المنتخبات الخارجة من الدور الثاني مبلغاً يصل إلى 8.5 مليون فرنك سويسري لكل منها، وسيحصل كل منتخب يخرج من دور الثمانية على 11.5 مليون فرنك سويسري، وسيحصل كل من طرفي مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع على 21.5 مليون فرنك سويسري، وسيحصل وصيف البطل على 22.5 مليون فرنك سويسري، بينما سيحصل البطل على 24.5 مليون فرنك سويسري.
ورغم كل المبالغ التي سيدفعها "فيفا"، إلا أنه سيحقق إيرادات ضخمة من المونديال المقبل ستأتي من خلال 1.7 مليار يورو، منها 1.2 مليار يورو من حقوق البث التلفزيوني فقط لفعاليات البطولة التي تمتد من التاسع من حزيران (يونيو) إلى التاسع من تموز (يوليو)، أما المبلغ المتبقي فيأتي من الرعاة الرسميين للبطولة والبالغ عددهم 15 راعيا الذين يتمتعون بحماية "فيفا" لحقوقهم الحصرية وفي حالة تعرض هذه الحقوق لأي انتهاكات تتدخل المحاكم لحمايتهم وتعويضهم عن هذه الانتهاكات.
ويشكل إجمالي عائدات البطولة الأساس في موازنة "فيفا" في الفترة من 2003 إلى 2006، ولكن "فيفا" لا يحتفظ بهذه المبالغ للاتحاد بمفرده، وإنما توزع طبقا لقواعد محددة.
وينفق "فيفا" 580 مليون يورو على بطولة كأس العالم نفسها، كما ينفق 169 مليوناً على الجوائز المالية التي تحصل عليها المنتخبات المشاركة في النهائيات والبالغ عددها 32 منتخباً، إضافة إلى ذلك يحصل كل اتحاد أهلي من الاتحادات الـ 206 الأعضاء في "فيفا" على مليون دولار (850 ألف يورو)، بينما ينفق "فيفا" 65 مليون يورو أخرى على برنامج التطوير الذي يطبقه.
ويتوقع السويسري جوزيف بلاتر رئيس "فيفا" أن تحقق بطولة كأس العالم 2010 في جنوب إفريقيا زيادة في العائدات المالية بنسبة 40 في المائة عما هي عليه في كأس العالم 2006 في ألمانيا وقد وقع الكثير من الرعاة عقوداًُ طويلة المدة مع "فيفا".
ولكن "فيفا" سيكون مطالباً بإنفاق مزيد من المال أيضاً على البطولة خلال السنوات الخمس الباقية على انطلاقها لأن "فيفا" يجب أن يساعد جنوب إفريقيا التي لن تستطيع بالفعل أن تحصل على العائدات نفسها التي ستحصل عليها ألمانيا من بيع تذاكر البطولة، وسيكون على جنوب إفريقيا أيضاً أن تنفق مزيداً من المال لمجابهة مطالب "فيفا" فيما يتعلق بالبطولة.
وكان "فيفا" قد منح بالفعل قرضاً إلى جنوب إفريقيا يبلغ 130 مليون يورو وستكون اللجنة الألمانية المنظمة لنهائيات كأس العالم 2006 في ألمانيا سعيدة عند تسوية سجلاتها عقب انتهاء البطولة.
وتبلغ موازنة تنظيم كأس العالم 2006 في ألمانيا 430 مليون يورو، ويتوقع أن تصل عائدات بيع تذاكر مباريات البطولة إلى 200 مليون يورو على الأقل وتصل العائدات من بيع التذاكر إلى هذا الحد في حالة امتلاء الاستادات الـ12 خلال مباريات البطولة البالغ عددها 64 مباراة بنسبة 90 في المائة من سعتها.
ولأن منظمي بطولات كأس العالم باتوا يدركون حجم الإيرادات الكبيرة التي يمكنهم جنيها من استضافة هذا الحدث، فلم يعد مستغرباً ذاك الإنفاق الباهظ والكبير الذي يقدم لتنظيم البطولات، والذي يخصص في الحصة الأكبر منه لتجهيز الملاعب التي تعد المسارح التي تستضيف الأحداث الرئيسة لبطولات كأس العالم، ومن هنا وجدنا أن فرنسا استثمرت أموالاً طائلة في تنظيم مونديال عام 1998 بلغت 1.6 مليار دولار، أنفق أكثر من ثلثيها في بناء المنشآت الرياضية وتحديثها، وعلى نهجها تسير ألمانيا التي قدمت أموالاً باهظة لإعداد ملاعبها، فخصصت لملعب استاد كأس العالم في نادي هانوفر الذي يتسع لـ 44652 متفرجا 63 مليون يورو، علماً أن هذا الملعب سيستضيف ثلاث مباريات من البطولة أهمها مباراة قبل النهائى.
وخصص الألمان لملعب لايبزيج الجديد 91 مليون يورو، وهو ملعب يتسع لـ 44199 متفرجا، ويستضيف ثلاث مباريات من البطولة، وخصصوا لملعب ستاد مونجر سدورفر في كولون الذي يتسع لـ 46120 متفرجا، 110 ملايين يورو، وسيستضيف ثلاث مباريات أهمها مباراة الافتتاح، كما خصصوا لاستاد فرانكفورت والذي يتسع لـ48132 مشجعاً، 126 مليون يورو، وسيستضيف أربع مباريات، أهمها المباراة النهائية، فيما خصصوا لاستاد فرانكين في نورنبيرج الذي يتسع لـ 41926 متفرجاً، 56 مليون يورو.