هل الهبوط المفاجئ لأسعار الأسهم العالمية ظاهرة صحية؟

هل الهبوط المفاجئ لأسعار الأسهم العالمية ظاهرة صحية؟

هل الهبوط المفاجئ لأسعار الأسهم العالمية ظاهرة صحية؟

شكل الهبوط المفاجئ لأسعار الأسهم ضربة موجعة للمستثمرين. والسؤال هو: هل هذه الخسائر تشكل ظاهرة صحية كما تقول بعض الشخصيات البارزة و من بينهم جوزيف أكرمان المسؤول الأول في البنك الألماني
( دويتشه بنك) ؟ و لعل الإجابة على هذا السؤال قد تتطلب الانتظار حتى تتبلور مع التسليم بأنه من المنطقي وبعد ثلاث سنوات شهدت كسر أرقام قياسية وجرى خلالها مضاعفة نقاط مؤشر الأسهم الألمانية ثلاث مرات تقريبا فإنه من الوارد الركون إلى السكينة و التقاط الأنفاس تمهيدا لاستجماع قوة جديدة خصوصا أن الأسواق شهدت من دون شك مضاربات مبالغ فيها من بعض القطاعات. غير أن ثمة خطرا كبيرا في أن يفقد المستثمرون شيئا من جرأتهم أثناء فترة الاستراحة تلك.
ومن المعروف أن الخوف هو كبير المستشارين في مجال استثمار رؤوس الأموال .وكان الخوف بالفعل هو ما سيطر على مشاعر مرتادي السوق خلال الأيام القليلة الماضية. لقد كان من الطبيعي أن تحدث بعض النكسات الصغيرة بين الحين والآخر خلال سنوات الانتعاش تلك، دون أن تؤثر على المزاج الإيجابي السائد. أما الآن فتتردد في الأجواء أصداء أصوات مختلطة بين التفاؤل و التشاؤم. والغريب أن للطرفين وجهات نظر ذات مصداقية.
للوهلة الأولى يبدو أن لا شيء قد تغير في الإطار الإيجابي لأسواق الأسهم، كما أن من المتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي هذه السنة، وللسنة الرابعة على التوالي، بنسبة تزيد على 4 في المائة. صحيح أن حركية الاقتصاد الأميركي قد تباطأت لكن هذا يجري تعويضه ، ولو جزئيا ، بالنمو الراسخ في اليابان وفي أوروبا . كما أن مراكز القوى الجديدة المتمثلة في الصين و الهند لا تظهر عليها علامات الإجهاد. يضاف إلى ذلك أن سجلات التوكيلات للشركات العاملة على صعيد دولي حافلة بالطلبات ، ومنحنيات أرباحها لا تزال في اتجاه صاعد.

أما الملفت للانتباه فهو موقف البنوك المركزية . ففي السنوات السابقة كان المستثمرون ينظرون إلى هذه البنوك بصفتها حليفة لهم ، حيث كانت السياسات النقدية السخية تزود الأسواق المزدهرة بالوقود اللازم أي السيولة النقدية المطلوبة. غير أن البنك المركزي الأمريكي بدأ مند سنتين رفع تكلفة النقود، وقد كان هذا حتى الآن جزءا من عملية التطبيع التي أدت في النهاية لأن يصبح سعر الفائدة الأساسي في الأسواق المالية 5 في المائة. وقد بدأ البنك المركزي الأوروبي هو الآخر في تنفيذ مثل هذه السياسة قبل نحو ستة أشهر ومن المتوقع أن يحذو بنك اليابان حذوه قبل نهاية العام.

من المتوقع أن ترفع هذه البنوك الثلاثة التي تمثل أهم ثلاثة بنوك مركزية في العالم أسعار فائدتها الرئيسة وهو التلاقي الذي لم يسبق له مثيل خلال عقدين من الزمن. ولأسابيع قليلة خلت لم يكن يبدو أن هذا الأمر يمثل مشكلة بالنسبة إلى الأسواق لأنه كانت ثمة قناعة عامة بأن بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي لن يلبث إلا أن يتوقف لالتقاط الأنفاس فتتم المحافظة على السعر الحيادي للفائدة. وآمن المستثمرون أيضا بأنهم يعايشون أفضل ما في العالم من مثاليات : حيث ينمو الاقتصاد بوتيرة مرتفعة وحيث لا يمثل التضخم قضية جدية. غير أن بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي ، بقيادة رئيسه الجديد بن بيرنانكيه لم يقدم في تقريره الأخير ما كان مأمولا حيث كان مضمون الرسالة التي حملها التقرير هي أن من الممكن التوقف عن رفع أسعار الفائدة ، ولكن في حالة عدم تعثر حركية الانتعاش وتزايد أخطار التضخم فسيستمر مسلسل رفع أسعار الفائدة.
إن البنك المركزي الأمريكي يخطو منذ اللحظة خطوات واضحة تماما ولهذا أصبحت ثمة دلالة لبيانات التضخم بالنسبة إلى الأسواق كما لم يحدث مثل ذلك منذ سنوات . وقد ازدادت القناعات في أسواق التمويل بأن العولمة والتضخم المحدود هما وجهان لعملة واحدة. وربما كان ذلك صحيحا . ولكن أسعار الطاقة والمواد الخام سجلت ارتفاعات كبيرة في أسعارها خلال الأشهر الماضية مما يزيد من الشكوك في صحة هده النظرية. فالأرقام الرسمية حول التضخم الناجم عن أسعار الطاقة والمواد الغذائية على جانبي الأطلنطي في أوروبا و الولايات المتحدة تشير إلى أن الأسعار المرتفعة للنفط والمواد الخام ستنعكس ، ولو بصورة مخففة ، على أسعار المستهلك .

ولكن هل يبرر هذا حالة الهلع التي شكلت رد فعل الأسواق على معطيات التضخم الأخيرة ؟ أوليس الخوف من التضخم هو مجرد موضوع للجدال ؟ ثم .. لو كان التضخم يمثل حقا مشكلة كبرى للاقتصاد العالمي أليس من المنطقي أن يظهر أولا في آسيا حيث العملات وأسعار الفائدة متدنية جدا وحيث السيولة وافرة أكثر من أي مكان آخر في العالم ؟ وأخيرا لماذا لم ترتفع أسعار الفائدة في أسواق رأس المال خلال الأيام الماضية بل إن أسعار المعادن النفيسة قد انخفضت في الوقت نفسه ؟؟
إن الشكوك تدفع إلى الاعتقاد بأن موجة التضخم الأخيرة المنبعثة من الولايات المتحدة لم تفعل أكثر من تعجيل فيضان برميل كان سيفيض على أية حال إن عاجلا أو آجلا. وفي الوقت نفسه سجل مؤشر أسهم داكس لهده السنة ارتفاعا في القيمة بلغ 14 في المائة ، وهو ما يساوي ضعف المعدل السنوي للبورصة . أما في الأسواق الصاعدة وبالنسبة إلى المواد الخام خاصة فقد كانت العوائد أعلى من ذلك، وهو أكثر مما كان متوقعا خلال فترة زمنية قصيرة .
إن النظر إلى هذه الكبوة على أنها تمثل فرصة جيدة هو نوع من أنواع الاستهتار ، فمن ناحية لا يزال من غير الواضح حجم و تبعات و آثار عملية التصحيح هذه . ومن الناحية الثانية فلا مجال لإنكار أن مخاطر الاستثمار في الأسهم قد تزايدت خلال السنة الرابعة من سنوات الانتعاش. كما أن تزايد أسعار الفائدة تقلل من جاذبية الأسهم ، ولهدا فان المستثمرين في الأسهم ينصحون بأن يكونوا أكثر تخيرا وأكثر حذراً في أنشطتهم الاستثمارية. فالمسألة كلها في الأسواق التي تعاني من ظروف صعبة تعتمد أولا و أخيرا على تملك أسهم ذات مردود متطور ويمكن الاعتماد عليه ضمن الحقائب الاستثمارية، وهذا يخفف من حدة السقوط.

الأكثر قراءة