الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأحد, 17 مايو 2026 | 30 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

أغلى وأكبر قضية منع احتكار في التاريخ الأوروبي بين "مايكروسوفت" وبروكسيل

الجمعة 1 مايو 2009 1:1
أغلى وأكبر قضية منع احتكار في التاريخ الأوروبي بين "مايكروسوفت" وبروكسيل

مهمة شاقة للاتحاد الأوروبي في ملاحقة شركة مايكروسوفت، عملاق صناعة البرمجيات الأمريكي، المتهمة بمخالفة قوانين المنافسة في الاتحاد الأوروبي.

في 17 آذار (مارس) 2004، كان ماريو مونتي مفوض المنافسة في الاتحاد الأوروبي يواجه قراراً من أصعب القرارات في حياته المهنية. عاد مونتي إلى شقته التي تطل على حي إجزيل في مدينة بروكسيل، بعد جلسة أخرى من المفاوضات الشاقة التي كانت تسعى إلى تسوية نزاع طال عليه الأمد مع أقوى مجموعة تكنولوجيا في العالم.

كانت "مايكروسوفت" لأكثر من خمس سنين هدفاً لتحقيق خاص بمنع الاحتكار تضطلع به المفوضية، التي تمثل الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي. كانت بداية القصة مجرد تحقيق روتيني في كانون الأول (ديسمبر) 1998، لكن الأمور تصاعدت إلى أن أصبحت معركة يتحدث الكل عنها الآن على أنها أكبر تحقيق لمنع الاحتكار في التاريخ الأوروبي.

في الوقت الذي كان فيه مونتي يراجع جوانب الموضوع، علم أن القضية وصلت إلى مرحلة حاسمة. فقد عمل جهاز المفوضية بصبر وأناة لإعداد قضية يؤمن الجميع أنها قضية لا يخر منها الماء. يدعي ممثلو المفوضية أن "مايكروسوفت" تعسفت في استخدام موقعها المسيطر في السوق على أنظمة تشغيل الكمبيوتر، من خلال خنق المنافسة في الأسواق المنافسة المجاورة، والتي تتعامل في برامج تشغيل الصوت والفيديو وبرامج تشغيل الكمبيوتر الرئيس في الشبكات.

ويعتقدون أن لديهم ما يكفي من الأدلة لإقامة الحجة بأن "مايكروسوفت" مذنبة بمخالفة قوانين المنافسة المعمول بها في الاتحاد الأوروبي، وما يكفي لفرض غرامات لا يشك أحد في أنها ستكون باهظة.

لكن في عصر ذلك اليوم تلقى مونتي عرضاً مغرياً تقدم به فريق من كبار التنفيذيين برئاسة ستيف بولمر كبير الإداريين التنفيذيين القوي في مجموعة مايكروسوفت. ويتلخص العرض في أنه إذا امتنعت المفوضية عن إصدار حكم رسمي ضد المجموعة، فإن "مايكروسوفت" ستعالج المواضيع الرئيسة التي تثير قلق المفوضية، عن طريق الموافقة على إدراج برامج الشركات المنافسة لتشغيل الصوت والفيديو ضمن برنامج التشغيل "ويندوز" الذي يستخدمه الجميع. كما أنها ستكشف النقاب عن كمية كبيرة من المعلومات الفنية المتعلقة بتشغيل "ويندوز"، البرنامج الرئيس لدى "مايكروسوفت"، وتجعلها متاحة للشركات المنافسة، الأمر الذي يمكن الشركات الأخرى العاملة في تطوير برامج الكمبيوتر من تصميم منتجات تعمل بيسر وسهولة مع بيئة "ويندوز". وعدت "مايكروسوفت" بأن تنفيذ هذين التغييرين سيكون فورياً وسيطبق في مختلف بقاع الأرض.

أدرك المفوض الإيطالي أن "مايكروسوفت" كانت تلوح له بتنازلات تفوق كثيراً أية إنجازات حصلت عليها وكالات منع الاحتكار في الولايات المتحدة أوفي أي مكان آخر. ثم إن التوصل إلى صفقة مع "مايكروسوفت" سيؤدي إلى تجنب فتح جبهة جديدة ضد الإدارة الأمريكية، التي كانت تتابع بقلق متزايد تحقيق المفوضية ضد هذه المجموعة التي تعتبر رمزاً أمريكياً في قطاع الأعمال. وأهم من ذلك كله، فإن الصفقة ستزيل خطر قيام "مايكروسوفت" بتحدي قرار المفوضية في المحاكم، وما يقترن بذلك من احتمال مزعج للغاية بقضاء سنوات طويلة من التقاضي داخل المحاكم الأوروبية.

يقول مونتي معلقاً على العرض: "لقد كان عرضاً مغرياً للغاية. فمن ناحية الاعتزاز المؤسسي، تكون المفوضية حققت ما كانت تصبو إليه". لكن كانت هناك قضية عالقة تقض مضجع مونتي، أستاذ الاقتصاد السابق الذي يضع نظارات على عينيه. وهذه النقطة أخفقت مايكروسوفت في تسويتها رغم نداءات المفوضية، وهي النقطة التي لخصها مسؤول كبير في المفوضية في السؤال التالي: "كيف نضمن أننا لن نراكم في المستقبل؟"

كان مصدر تخوف مونتي ومستشاريه هو أنه إذا أخفقت المفوضية في إصدار حكم ضد "مايكروسوفت"، فلن يستطيع شيء أن يصدها عن استخدام أشكال مماثلة من الأساليب والتكتيكات النشطة والقوية للحد من المنافسة في الأسواق الأخرى. وحضت المفوضية "مايكروسوفت" على القبول بتسوية تحد من قدرتها على إضافة مزايا جديدة إلى برنامج "ويندوز". لكن بولمر رفض بشكل قاطع قبول أية صفقة تمنع "مايكروسوفت" من تعزيز برنامج "ويندوز"، الذي هو رأس سنام منتجات المجموعة.

رجح هذا الموقف المتصلب، من وجهة نظر مونتي، على جميع الاعتبارات الأخرى. ولذلك يريد المفوض إنشاء سابقة قانونية قوية ورسم خط في الرمال يجعل حتى أكبر وأغنى مجموعة لتكنولوجيا المعلومات في العالم تتردد قبل اجتيازه.

في صباح اليوم التالي جمع مونتي فريق المستشارين وكبار المساعدين العاملين لديه في جلسة مناقشات أخيرة. ويذكر أحد الذين شاركوا في ذلك الاجتماع أن "الجميع كانوا على علم تام بأننا على وشك اتخاذ قرار في غاية الأهمية، وهو قرار لا مجال فيه للخطأ، وكنا جميعاً في غاية التوتر".

كان أمام مونتي التقرير النهائي الذي أعده المسؤولون العاملون على القضية. خلص التقرير إلى أن آخر عرض للتسوية تقدمت به مجموعة مايكروسوفت "لا يكفي لتهدئة المخاوف التي عبرنا عنها". بعد ذلك ببضع ساعات أعلن مونتي قراره.

لا تزال أصداء قرار مونتي الذي أصدره في آذار (مارس) 2004 ضد "مايكروسوفت"- اشتمل على غرامة قياسية بلغت 497 مليون يورو (613 مليون دولار، 344 مليون جنيه إسترليني- تتردد إلى يومنا هذا عبر صناعة التكنولوجيا العالمية. ألقى هذا الحكم ظلاً طويلاً على كل من "مايكروسوفت" وعلى المشرع، وأثار من الأسئلة بقدر ما أجاب على أسئلة أخرى.

من هذه الأسئلة: كيف ينبغي على المشرعين التعامل مع شركة قوية مثل مايكروسوفت؟ هل يحسن بهم التدخل أم أن من الأفضل ترك قوى السوق تعمل على تآكل احتكار الشركة شيئاً فشيئاً؟ هل يتمتع المشرعون بما يكفي من الفطنة وخفة الحركة لاستيعاب وفهم عالم التكنولوجيا ذي الخطوات السريعة؟ أين ينبغي عليهم رسم الخط الفاصل بين الحاجة إلى تعزيز التنافس من جهة، وحق الشركات في الدفاع عن ملكيتها الفكرية، من جهة أخرى؟

سيتم تناول بعض هذه الأسئلة قريباً، حين تفتتح محكمة البداية الأوروبية جلسات استماع لمدة أسبوع، للنظر في استئناف "مايكروسوفت" ضد حكم المفوضية. فإذا نقضت المحكمة الاستئناف، فإن ذلك سيكون إيذاناً بفتح سيل عرم أمام تحقيقات مماثلة ضد المجموعة. بل إن المفوضية أخذت فعلاً تركز أنظارها على نظام التشغيل الجديد، المعروف باسم "فيستا"، الذي من المقرر أن تطلقه "مايكروسوفت" في العام المقبل، وهو نظام تعتزم الشركة إدماج المزيد من البرامج بداخله.

لكن إذا نقضت المحكمة حكم مونتي فإن قدرة المفوضية على إطلاق تحقيقات جديدة ضد "مايكروسوفت" لمنع الاحتكار ستتقلص إلى حد كبير. وفضلاً عن ذلك، فإن خسارة المشرع الأوروبي لأكبر قضية في تاريخه يمكن أن يطيح بمكانته الدولية.

لم يكن هذا القدر من المخاطر يدور في خلد أحد صباح الرابع عشر من كانون الأول (ديسمبر) 1998، حين وقفت عربة شحن أمام مجمع المكاتب المغطى بالجرانيت في شارع كورتنبيرج في منطقة الاتحاد الأوروبي في بروكسيل، وأخذت في تنزيل الصناديق.

كانت هذه العربة مرسلة من شركة صن مايكروسيستمز Sun Microsystems، وهي من أعتى منافسي "مايكروسوفت"، ومحملة بشكوى رسمية ضد احتكار "مايكروسوفت"، إلى جانب آلاف من الصفحات تحتوي على بيانات اقتصادية وتحليلات قانونية. كانت الشركتان قد تعاركتا من قبل حول قضايا منع الاحتكار في الولايات المتحدة. وتريد شركة صن الآن نقل المعركة إلى أوروبا.

يتركز جوهر شكوى "صن" على ما تقول من أن "مايكروسوفت" كانت تكتم معلومات حيوية لازمة لجعل كمبيوترات الشبكات في أنظمة "صن" تعمل بسهولة ويسر مع الأجهزة التي تدار ببرنامج "ويندوز". وتدعي الشركة في شكواها أنها والشركات التي على شاكلتها مضطرة إلى الاعتماد على برنامج "ويندوز"، شأنها في ذلك شأن حاجة شركات السكك الحديدية إلى استخدام الجسر الوحيد الذي يعبر النهر.

وجدت دعوى شركة صن طريقها إلى مقر المديرية العامة للمنافسة والمساعدات الحكومية، التابعة للمفوضية، والمعروفة اختصاراً في بروكسيل باسم "دي. جي. كومب" DG Comp. والوحدة المسؤولة في هذا المجال هي "سي3" C3، التي تتولى رصد قطاع البرمجيات.

كان مدير الوحدة منذ عام 1999 هو مسؤول إسباني قوي الشكيمة يدعى سيسيليو ماديرو. وسرعان ما اكتشفت "مايكروسوفت" أن ماديرو، المصرفي السابق ذا الحجم الضخم، يتمتع بطاقة تماثل كبر حجمه وتذكي همة الموظفين الشباب العاملين تحت إمرته.

كان الفريق الأساسي المكلف بالتحقيق يتألف من ثلاثة موظفين، لم يكن أي واحد منهم فوق الثلاثين بكثير حين بدأوا العمل على القضية. الأول هو جان هوبي، وهو شاب فرنسي يتمتع بسرعة البديهة وأسلوب نشط يتسم بالعزيمة والإصرار والقدرة على المبادرة، وهي صفات أثارت إعجاب فريق "مايكروسوفت" ثم حفيظته. والثاني هو أولفر سيتار، وهو محام نمساوي متخصص في قضايا التنافس. ترك سيتار العمل في الفريق بعد قرار مونتي ليعمل لفترة قصيرة في كلية للسينما في نيويورك. والثالث هو نيك باناسفيك، وهو اقتصادي بريطاني خافت الصوت، كان يعمل سابقاً في مديرية الشؤون الخارجية التابعة للمفوضية، وهو الوحيد الذي لا يزال يعمل على القضية.

كان المحامون يئنون أحياناً من عادة هوبي في عقد اجتماعات هاتفية في الثانية صباحاً لمناقشة جانب من جوانب القضية. ويذكر أحد المسؤولين في المفوضية، من الذين يعتزون بما لديهم من أخلاق رفيعة في العمل، أنه كان ذاهباً إلى العمل في السادسة صباحاً في يوم أحد ووجد أن هوبي على وشك مغادرة المبنى بعد أن أمضى الليل بطوله في جلسة على القضية. ولكن بمرور السنين فرض الرجال الثلاثة احترامهم حتى على فريق "مايكروسوفت"، وإن كان ذلك على كره منه.

في الحقيقة، إن أي شخص ينتقل من مقر الإدارة العامة لشركة مايكروسوفت، في مدينة ريدموند في ولاية واشنطن، إلى مبنى "دي. جي. كومب"، سيجد عدداً من أوجه الشبه: من ذلك هيئة الموظفين التي تتألف في معظمها من شباب في الثلاثينيات من عمرهم يتمتعون بالذكاء ويهملون مظهرهم؛ وجو يميل إلى الغرابة إلى حد ما والإسراف في استخدام الكمبيوتر؛ وساعات دوام طويلة؛ وضغط مستمر للوفاء بالمواعيد خلال فترات قصيرة، وإحساس خفي بالتفوق على زملائهم العاملين في الإدارات الأخرى.

ومع ذلك فإن أوجه التشابه لم تستطع إخفاء حقيقة أن المعركة الدائرة، في معظم جوانبها، هي معركة غير متكافئة. فكل ما كان لدى المفوضية من العاملين على القضية لم يزد على خمسة أو ستة موظفين، حتى في أشد الفترات ازدحاماً بالعمل. وكانت لديها ميزانية صغيرة لتغطية تكاليف استشارات مكاتب الخبرة الخارجية، التي كانت تحتاج إليها من حين لآخر، وقد حصلت فيما بعد على دعم ومساندة حلفائها في صناعة البرمجيات. أما الموارد المتاحة لشركة مايكروسوفت فإنها عملياً لا تنضب. فلديها فريق من المحامين الذين عركتهم الحروب القانونية في المحاكم، فضلاً عن أنها استعانت بخدمات أربع شركات على الأقل من أكبر شركات المحاماة في نيويورك وبروكسيل.

أثناء سير التحقيق، بعث عشرات المحامين بتكاليف آلاف ساعات العمل إلى المجموعة. تزعم "مايكروسوفت" أنها لم تحسب بعد المبلغ الكلي الذي ستدفعه كأتعاب للمحامين. ولكن إذا علمنا أنها تستخدم عدداً من كبار المحامين المتخصصين في قضايا التنافس، الذين تصل أتعاب الواحد منهم إلى 600 يورو في الساعة، فلا بد أن يكون الرقم مذهلاً.

الشخص المسؤول عن تنظيم دفاع "مايكروسوفت" ضد تحدي المفوضية هو براد سميث، محامي الشركة العام. وهو شخص مرح في الثامنة والأربعين من عمره، تخرج بامتياز مع مرتبة الشرف في جامعة برنستون، ويعرف أوروبا معرفة جيدة. فقد درس في جنيف، ومارس المحاماة في لندن، وعمل لدى "مايكروسوفت" في باريس. وقد وصفه أحد المسؤولين في المفوضية بأنه "حلال المشاكل" الذي لا يشق له غبار، وهو خير من يتولى موضوع تسوية النزاع، نظراً لما يمتع به من لين العريكة والصبر والهدوء، ومن فهم للعقلية القانونية والإدارية في أوروبا. وتشعر الشركة بأنها مقتنعة وتشعر بالثقة بأن التوصل إلى تسوية للنزاع هي في متناول اليد.

حتى حين كان التحقيق الأوروبي يظهر للعيان، كانت "مايكروسوفت" تتعرض إلى تهديد في الولايات المتحدة جعل في بدايته إجراء المفوضية الأوروبية يبدو وكأنه مصدر إزعاج بسيط. ففي السابع من حزيران (يونيو) عام 2000، أمر القاضي الفيدرالي توماس بنفليد جاكسون في مقاطعة كولومبيا بتقسيم شركة "مايكروسوفت" إلى شركتين عقاباً لها على انتهاكاتها المتعلقة بقوانين منع الاحتكار، وهي العقوبة التي سبق لها أن دمرت شركتي "ايه. تي أند تي"، و"ستاندرد أويل" التي كان يملكها جون بروكفلر، في فترة سابقة.

غير أن قرار القاضي جاكسون أُلغي بعد عام، واضطر المنافسون إلى إرضاء أنفسهم بتحقيق متطلب أضعف بكثير من عملية التقسيم- في تسوية بين الشركة وإدارة الرئيس جورج بوش في عام 2002- أجبرت الشركة على كشف معلومات عن نظام تشغيلها.

أما على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، فكان التحقيق الأوروبي يبلغ ذروته في ذلك الوقت. وبدأت المفوضية الأوروبية منذ عام 2001 عدم الاكتفاء بمتابعة الشكوى التي تقدمت بها شركة صن، وإنما شرعت كذلك في متابعة ومراقبة قرار شركة مايكروسوفت الخاص بدمج برمجيتها المتعلقة بجهاز تشغيل المواد الإعلامية المختلفة في نظام "ويندوز"، مما يسمح للمستخدمين بالاستماع والنظر إلى المقطوعات والعروض الموسيقية، وأفلام الفيديو من خلال حواسيبهم.

اعتقد ماديرو والمسؤولون العاملون معه أن دمج الاثنين معاً يتعارض مع القاعدة المطبقة منذ فترة طويلة التي تمنع الشركات المسيطرة من "ربط" منتجها الرئيس بمنتج آخر. كان السؤال هو ما إذا كان ذلك السلوك يخرق المادة 82 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، وهي المادة التي تمنع الشركات من استغلالها لموقفها المسيطر.

جرت العادة تقليدياً بأن تعد الشركات التي تواجه مثل هذا التحقيق بأن تغير من سلوكها، وتنجو بالتالي من فرض عقوبة عليها، ومن حكم رسمي يعلن أنها تصرفت بصورة غير مشروعة. ويقول سميث من شركة مايكروسوفت إن أسلوب عمل الشركة كان واضحاً منذ البداية. "الحقيقة هي أن استراتيجية شركة مايكروسوفت كانت تقوم على التوصل إلى تسوية. وكانت الأولوية الأولى لدينا هي التوصل إلى علاقة إيجابية مع المفوضية الأوروبية. ولذلك قررنا أن نفعل كل ما في وسعنا للتوصل إلى تسوية".

علمت المجموعة بالتهم المحددة تماماً ضدها في الأول من آب (أغسطس) 2000، حين أصدرت المفوضية الأوروبية "بيان اعتراضات" الذي يعتبر بالفعل أول لائحة اتهام من جانب المفوضية الأوروبية. وتبع ذلك بعد عام من ذلك التاريخ إصدار بيان اعتراضات" ثان تعلق هذه المرة بمشغّل الوسائط الإعلامية.

رفضت مجموعة مايكروسوفت هذه التهم، وأعدت ردوداً في أكثر من عشرة آلاف صفحة. لكن كانت هنالك قضية أخرى أزعجت فريق دفاع "مايكروسوفت"، حيث كان أفراده يتساءلون عن سبب وصول بيانات الأهداف خلال شهر آب (أغسطس) باستمرار، مما كان يجبر محامي، ومديري، وخبراء البرمجيات في الشركة على إلغاء إجازاتهم التي خططوا لها منذ فترة طويلة.

جاء "بيان الاعتراضات" الرابع مخالفاً لهذه القاعدة، حيث ورد قبل ثلاثة أيام من عطلة عيد الميلاد في عام 2005، حاملاً تهمة لشركة مايكروسوفت بالإخفاق بالالتزام بحكم مونتي. وتنهد أحد محامي"مايكروسوفت" في ذلك الوقت قائلاً: "نما لدي نوع من الاعتياد على ذلك، ولكن زوجتي لم تعتد بعد عليه". (تصر المفوضية الأوروبية على أن التوقيت مرتبط بالمواعيد النهائية الداخلية لديها).

لكن إذا كانت تكتيكات المفوضية الأوروبية تثير حنق "مايكروسوفت"، فإن البيروقراطيين كذلك تعلموا إلا يثقوا بخصومهم. وهكذا فإن مناورة واحدة عكرّت العلاقات بصورة كبيرة.

في أوائل عام 2001، تلقت "دي. جي. كومب" 48 رسالة من زبائن "مايكروسوفت"، بما فيهم حلف شمال الأطلسي، وقوة الشرطة الأيرلندية، والجيش الفرنسي، ووزارة الداخلية الألمانية. وأنكرت إدارات تكنولوجيا المعلومات فيها وجود أي مشاكل تتعلق "بتشابك التشغيل" بين الخوادم الحاسوبية التي تصنعها شركات مختلفة بما في ذلك شركتا صن، ومايكروسوفت، قائلة إن على المفوضية الأوروبية أن تتراجع عن اتهاماتها. وتوصل المسؤولون في "دي. جي. كومب" إلى أن بعض الرسائل متشابهة تماماً في صياغتها، وأن بعضها جرت كتابتها في شركة مايكروسوفت. ويستذكر أحد المحامين من ذوي العلاقة بهذه المعركة الأمر قائلاً: "كان ذلك حين لاحظنا أن المفوضية الأوروبية أصبحت عدوانية للغاية".

بدأ الطرفان مفاوضاتهما أخيراً في عام 2003، ولكنها انتهت إلى حوار الطرشان. وأحسَّ أعضاء فريق "مايكروسوفت" أنهم محاصرون بجدار حجري، واعتقدوا أن المحققين لم يقدموا لهم معلومات موثوقة حول التنازلات المطلوبة من جانب المجموعة. واشتكى أحد كبار أعضاء وفد المجموعة قائلاً: "كان الأمر كما لو أننا نتفاوض مع أنفسنا".

في أثناء ذلك، كان مسؤولو المفوضية الأوروبية يزدادون قلقاً مما نظروا إليه كلعبة انتظار من جانب "مايكروسوفت" التي تقدم تنازلات هزيلة في الوقت الذي تبتعد فيه عن أي حل يمكن أن يعالج المخاوف الحقيقية للمفوضية الأوروبية.

كان الجمود سائداً حتى كانون الأول (ديسمبر) 2003 حين كلّف مونتي، فيليب لوي، المدير العام لـ"دي. جي. كومب" ، وأعلى موظفيها المدنيين، برئاسة المرحلة الأخيرة من المفاوضات. ولا بد بناءً على إلحاح مونتي، من توقيع الصفقة، إذا كانت هنالك صفقة، قبل أيار (مايو)، حيث أدرك أن انضمام عشر دول إلى الاتحاد الأوروبي اعتباراً من الأول من أيار (مايو) يمكن أن يشكل مخاطرة تُعقّد الأمور.

لوي هذا بريطاني نحيل، ولكنه قوي، وذو عشق للشعر الألماني. وكان رئيس مجلس نيل كينوك، الزعيم السابق لحزب العمال البريطاني حين كان هذا الزعيم نائباً لرئيس المفوضية الأوروبية. وكواحد من أعلى المسؤولين احتراماً في بروكسل، فإن لوي أُخِذ بسحر التعقيدات الفنية والقانونية لقضية "مايكروسوفت"، وكان تواقاً ليكون طرفاً فيها. ولم يكن محامو "مايكروسوفت" أقل سعادة في التعامل معه حين اكتشفوا أنه بفضل رُقيّ منصبه ودبلوماسيته الفطرية، اتخذ مساراً أكثر مرونة وإبداعاً. كما أنه كوّن علاقة جيدة مع سميث.

استمرت اجتماعات فريقي عمل "مايكروسوفت" والمفوضية الأوروبية خلال كانون الثاني (يناير)، وشباط (فبراير)، وآذار (مارس)، وفاجأوا الجميع بتحقيق تقدم ملموس. وشعر فريق "مايكروسوفت" بتفاؤل. فخلال أقل من شهرين، استطاعت هذه المجموعة إحراز تقدم صوب معالجة مخاوف المفوضية الأوروبية حول التداخل التشغيلي ومشغل الوسائط الإعلامية.

جرى وضع مسألة تجنب الصدامات المستقبلية جانباً، إلا أن "مايكروسوفت" أدركت أن المخاوف التي ظلت في جانب المفوضية الأوروبية حول تلك القضية لن تشكل عقبة لا يمكن تجاوزها أمام التوصل إلى صفقة. وبحلول نهاية الأسبوع التي صادفت الثالث عشر والرابع عشر من آذار (مارس) اتفق لوي وسميث على أنه حان وقت اجتماع أصحاب أعلى المناصب من الجانبين في جولة مفاوضات أخيرة. وكان ذلك يعني حضور بالمر إلى بروكسل.

كانت المفوضية الأوروبية تأمل في الأصل أن يطير بيل جيتس لقيادة المرحلة الأخيرة من المحادثات، وهو تحرك كان سيظهر بسط سلطتها حتى على أغنى رجل في العالم. إلا أن جيتس الذي لعب دوراً بارزاً للغاية في معارك المجموعة الخاصة بالاحتكار في الولايات المتحدة، استقال من منصب الرئيس التنفيذي للمجموعة في كانون الثاني (يناير) 2000.

وبدلاً من حضوره، اضطر مونتي إلى الاكتفاء بمحادثة هاتفية مع الملياردير في السابعة من مساء الاثنين الموافق 15 آذار (مارس). والواقع أن تلك المحادثة كانت أشبه بمؤتمر هاتفي شارك فيه بالمر، حيث أُدخِل على الخط بينما كان في مطار شيكاغو في طريقه إلى بروكسل، كما شارك في ذلك أيضاً سميث، ومجموعة صغيرة من كبار مسؤولي المفوضية الأوروبية.

بعد أسابيع من التفاؤل في معسكر "مايكروسوفت"، كانت رسالة مونتي شديدة الصرامة، حيث قال إنه سيتفاوض مع الشركة في اليوم التالي. وإذا ما تطلب الأمر الاستمرار، فإنه سيتفاوض يوم الأربعاء كذلك. وإذا لم يستطع الطرفان التوصل إلى اتفاق، فإنه يأمل أن يتوصلا إلى "صيغة ما" لتجنب ظهور خلاف بينهما إلى العلن. لكنه بين أنه لن يتزحزح عن نقطة معينة مفادها أنه لن تكون هنالك مفاوضات تتعدى ليل الأربعاء.

بعد خمس سنوات من عدم الثقة التي جرى تلطيفها بإعجاب متردد متبادل بالشحنة العاطفية التي أدخلها كل منهما إلى هذه القضية، لم يكن هنالك خطأ فيما يتعلق بالموعد النهائي.

كان لدى "مايكروسوفت" 48 ساعة بالتحديد للتوصل إلى صفقة اعتمد عليها مستقبلها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية