استوقفتني البرامج التسويقية لبعض مخيمات البر التي يصفها أصحابها بمخيمات الخمس نجوم وأكثر، وهي بدعة خليجية تقوم على فكرة بناء مخيمات تتوافر فيها خدمات الخمس نجوم من المياه النقية الساخنة، والسونا، والإنترنت والتلفزيون، وغرف النوم الفاخرة، والتدفئة المركزية، وغيرها من ترف أرقى المدن، وتلغي معنى "كشتات " البر التقليدية، وتحقق التفاخر المادي لم يعنيهم التفاخر أمام نظرائهم من المقتدرين، وهذه المخيمات تضع بينك وبين الصحراء سياجا من الزجاج، فلا تتعرض لبردها، ولا تصفعك "هبائبها" بالغبار، ولكنها في نظري، ونظر محبي البر على طبيعته، ومدمني "الكشتات" ليست برا، ولا "كشتات"، ولا تحقق الرضا بالتجرد من معطيات الحضارة والعيش في العراء تحت خيمة متواضعة تعصف بها ريح ليل الشتاء، وتخلو من أي ترف حضاري خارج الضروريات، كما أنها لا تحقق التعامل الطبيعي مع الأشياء، مثل جمع الحطب من موجودات الصحراء النادرة، وإشعال النار، والطبخ، أو خبز الخبز على طريقة الأقدمين. ببساطة مخيمات الخمس نجوم والأربع نجوم وما دونها صنف من صنوف الترف الجديد، الذي يبتعد فيه المرتحل عائدا إلى ما تركه من نعيم، والفارق هو امتداد الصحراء القاحلة أمام المكان، لكنها صحراء مثل الصورة، ترى من خلف الزجاج بلا لون، ولا طعم، ولا رائحة. رحلات الحضر في السنين الماضية سلوك متقشف يقوم فيه الهواة بالتجرد من معطيات الحضارة فيوقدون النار وينامون على مفارش بسيطة، ويجمعون الحطب لنارهم، ويستمر بهم الحال أياما ثم يعودون شعثا غبرا مستمتعين بكل ما تعطيه الصحراء من صفاء، وبشوق للمدينة. رحلات البر عادة سعودية قديمة توارثها الأبناء عن الآباء، فالسعوديون ليسوا كلهم بدوا ومع ذلك يعشقون فسحة مؤقتة في الصحراء قريبة من البداوة كانت تدعمها في القديم الحاجة إلى رعي الماشية، وجمع بعض عشب الشتاء لتغذية الماشية بعد تجفيفها، أو مجرد الاستمتاع طيلة شهور الاعتدال في السنوات الربيعية، لكن السنين الأخيرة لم تعد تشهد رحلات الشهر، والشهرين التي عرفها الآباء، والأجداد وصارت الرحلات البرية أقصر إذ لم يكن هناك مخيم مجهز للعودة إليه بعد العمل، والمخيمات المجهزة قد لا تجعل الإنسان يعيش الصحراء بشظفها وتعبها كما هي، لكنها أحسن وضعا من مخيمات الخمس نجوم المترفة. لماذا يذهب للصحراء إنسان ليقيم بخدمات راقية يعيش فيها كل شيء في بيته، حيث تنتفي حالة الندرة، وتعود مشغلات الوقت من مستجدات العصر لتخطف التركيز الصافي الذي تتيحه رحلات الصحراء ولياليها حيث تكثر النجوم ويرق الهواء وتهب الصبا النجدية الشهيرة مع مطلع الشمس وتنسى الهموم. السعوديون بمخيماتهم الحالية يفتقدون الكثير مما تمتع به الآباء فإما صحراء بكل ما فيها أو مدينة بكل ما فيها، فالاثنتان لا تجتمعان.
